160 views

ما وراء فشل جنيف 8

ما وراء فشل جنيف 8

انتهت جولة جنيف 8 في الخامس عشر من الشهر الجاري بعد أن تم الضغط على النظام للمشاركة في أسبوعها الثاني، لكن المشاركة البروتوكوليه لم تمنع الأخير من التفشيل المتعمد، والذي أصلاً لا يمكن تفاديه إلا بوجود إرادة دولية قادرة على فرض حلول تعتمد على مرجعيات أقرتها المؤسسات الدولية، وتوافق عليها الكبار أنفسهم اصحاب تلك الإرادات. وقد حققت المعارضة نجاحاً في لعبة العلاقات العامة فأسقطت ذريعة النظام وجاءت بوفد موحد بناء على اجتماع الرياض2، اجتماع نجح بتوسيع التمثيل السياسي ليشمل أطرافاً قد لا تتشاطر نفس الأفكار والمواقف بصدد الحل في سورية، كما أنها، أي المعارضة، لم تتخل عن طرح فكرة رحيل الأسد وإن لم تطرحها شرطاً مسبقاً معيقاً للتفاوض، وقد أقنعت المعارضة العالم بمشاركتها الايجابية من خلال الرد على ورقة ديمستورا التي رفض النظام استلامها، وبالنتيجة حمل ديمستورا النظام بشكل واضح مسؤولية فشل هذه الجولة.

تبدو مشاركة نظام الأسد، أبعد من أن تكون رغبة أو قناعة، بقدر ما تشكل استجابة لضغوطات دولية مطبقة تحديداً من حليفه الروسي أكثر مما هي من الدول الغربية وخاصة أمريكا، التي غالباً ما أصبحت تمارس دورها السياسي عبر الوسيط الروسي النشط، وإن كانت لها أدوار عسكرية تدعم هذا الدور السياسي عبر وجود القواعد العسكرية، ومن خلال دعم “قوات سورية الديموقراطية”، أوبشكل مباشر، في لحظات نادرة، كما جرى في ضرب مطار الشعيرات، رداً على قصف خان شيخون بالكيميائي. وفي جميع الأحوال فإن الدور الروسي و رغم أنه صاحب الكلمة الأولى في سورية، لا يمكنه الاستغناء عن المظلة الدولية، وقوته الحقيقية تحصلت ليس فقط من مبادرته التي ملأت “الفراغ السوري” بل أيضاً تعبيراً عن رضى أمريكي تشوبه بعض التحفظات. أما الموقف الحقيقي للنظام فلسان حاله أنا المنتصر، وحتى لو انتهت داعش كقوة كبرى في سورية، وفي العراق أيضاً، فلا تزال هناك ضرورة لمحاربة النصرة ولا يزال ضرورياً محاربة كل الفصائل ذات الانتماء الملتبس، وبانتظار تحقيق ذلك فهو يقبل بتغيير سياسي، على طريقته، وربما يحتاج البدء به الى أكثر من سنة، وبانتظار ذلك ولتحسين أوراقه التفاوضية فهو قد سارع، فور نهاية جنيف 8، إلى العمل على توسيع رقعة الانتصارات في الغوطة والجولان وشرق حماة وإدلب وريف حلب، رغم أن حلم الانتصار العسكري الشامل يبدو صعباً إن لم نقل أنه مستحيل.

جوهر الحل الذي يقبله النظام يقوم على الرفض الفعلي للمرجعية الدولية /2254/ التي ترتكز على  جنيف 1 وفيينا، والتي أقرت بإجماع دولي، والتي تنص على مرحلة انتقالية وجسم انتقالي يتمتع بكامل الصلاحيات التنفيذية، والتي من خلالها تتم معالجه مسائل وقف إطلاق الناروالمعتقلين والدستور والإنتخابات ..الخ. لذلك فإن النظام، ومن ورائه الروس، يريد خطف بعض عناصر الحل كالدستور والانتخابات، من تحت عباءة /2254/ والتفاوض على تنفيذها من موقع الفاعل الرئيس الممسك بأوراق اللعبة بما يسمح باستمرار سيطرته وإعادة تأهيله بالترافق مع إجراء التغيير السياسي، وهنا لا مانع من تعديل الدستور، وليس مهما كثيراً عمق التعديل، فأنظمة العالم الثالث وحتى بعض الدول المتطورة تعلمت التعامل مع الدستور كتحفة فنية، يتم التباهي بها، ولكن لا يعمل بها إلا وفق ضرورات الحاكم، ويمكن تعديلها والتلاعب بها عند الحاجة، والأمر نفسه بالنسبة للإنتخابات التي، حتى وإن جرت بإشراف دولي، فهي لن تكون معبرة عن إرادة حرة للشعب السوري، خاصة في الداخل السوري، مالم تترافق مع برامج زمنية وإجراءات تضبطها حكومة انتقالية ذات صلاحيات فعلية تحضر المناخات المناسبة لعملية انتخابية حقيقية رئاسية كانت و/أو برلمانية.

في فضاء السياسة السورية نواجه ما يمكن تسميته ب “الخطاب الواقعي” الذي يتبنى مقولة أن السياسة بالنهاية هي تعبيرعن موازين القوى على الأرض- طبعاً دون نسيان إضافة وزن الحلفاء- والواقعية السياسية تقتضي القبول بما تفرضه هذه الموازين أو ربما أكثر أو أقل قليلاً، وفي الطرف المقابل من هذا الفضاء نجد ما يمكن وصفه ب”الخطاب الثوري” الذي يصرعلى أن ثورة الشعب السوري العظيمة وتضحياته، لا يجب أن تنتهي بتكريس شرعية نظام مجرم…الخ . وبالمعنى التاريخي فإن قطبي الموقف هذين لهما ما يبررهما لكن ما يجب إضافته كعنصر هام في محاكمة الموضوع هو إمكانية التحقق الفعلية لنجاح تجربة تغيير سياسي مصممة على مقاس النظام، ولا تراعي ضرورات التغيير العميقة في سورية، التي وجدت أساساً، وكانت ضرورية، حتى قبل بدء ثورة آذار 2011. لقد أمكن ببساطة إعادة تأهيل نظام الأسد الإبن بعد الحصار والضغوطات التي تلت عملية اغتيال الحريري، لكن من الصعب تصور إعادة هذه المسرحية بعد أن اغتال بطلها مئات الآلاف وحطم ثلث سورية، وهجر ثلث سكانها، ومزق نسيجها الاجتماعي. إن قبول التفاوض مع المجرم لا يعني إسقاط الجريمة عنه بل انتظار اللحظه المناسبة لمحاكمته محاكمة عادلة .

“تيار مواطنة”

22.12.2017

Facebook Twitter Email

الكاتب issam dem

issam dem

مواضيع متعلقة

اترك رداً