تحديات المصالحة في الانتقال السوري ـ عبد الحي السيد

مقالات 0 admin

محاضرة ألقيت في الجامعة الأمريكية في بيروت، تتضمن بعض الأفكار لبحث موسع ومحكم سينشر في كتاب تُعدّه الجامعة

مقدمة

أتحدث عن الانتقال السوري، لأننا في لحظة ثورة في سوريا، تريد أن تتخلص من منظومة حكم شمولية ومستبدة في الحياة العامة، للانتقال إلى شيء آخر. أقف هنا ولا أريد أن أسترسل، لأن هذا الشيء الآخر ليس واضح المعالم بعد. في هذه اللحظة، فإن القصة لم تكتمل. إنها تُحكى الآن، ولا نعرف إلى الآن حبكتها، كما كانت تقول حنا أرندت في كتابها عن الثورة1. إنها لحظة مؤلمة وغير منظمة وعنيفة، وتقابل في عنفها عنف منظومة الاستبداد التي تم صفها وترتيبها لأكثر من خمسين عاماً. إنها لحظة يُطرح فيها جانباً كل شيء لتهيئة الأرض لاستقبال شيء جديد، بما يشبه ما أطلق عليه فرانس فانون tabula rasa في سياق آخر2.

في هذه اللحظة التي يحدث فيها كل شيء لم نعتده، والتي ننتقل فيها إلى شيء لا نستطيع أن نتبينه، فإنني أرغب بمحاولة تلمس بعض أهم التحديات التي يطرحها هذا المخاض، ألا وهي تلك التي تتعلق بالمصالحة. أقوم بذلك من وجهة نظر شاغل وباحث في القانون والظاهرة القانونية، يركز بالنظر والبحث على قواعد ومؤسسات وإجراءات دستورية وقانونية توضع وتُدوَّن وتُنظّم وتُرتِّب وتُؤثر وتتأثر بالسياسة والمجتمع.

أريد أن أتحدث عن المصالحة الآن، والقصة التي لم تكتمل بعد تمرّ بأفدح مجرياتها وتترك آثاراً مرعبة في البيضا وبانياس ورأس النبع، كما من قبلها في جدَيدة الفضل وداريّا والحولة والقبير، وحمص والرستن والقصير ودرعا ودير الزور وإدلب وحلب، وغيرها من عشرات المدن السورية المكلومة. في هذه اللحظة الصعبة، أريد أن أحكي عن المصالحة، وأبحث في جملة الظروف الاجتماعية والمؤسسات والقواعد والإجراءات القانونية التي تجعلها ممكنة أو مستحيلة.

أود قبل أن أتابع أن أستبعد أمرين اثنين:

– إن حديثي عن تحديات المصالحة في الانتقال السوري لا يأتي أبداً في سياق لحظة سياسية معينة، كتلك التي تعد بحل سياسي، وحكومة انتقالية تتشكل من النظام والمعارضة، وفق بيان جنيف، والمؤتمر الدولي الموعود. إن رأيي بأن الحل السياسي، على الرغم من ضرورته، غير ممكن، بالنظر لممارسات النظام في الحياة العامة والتي استخدمت من اليوم الأول مقدرات السلطة العامة لمنع الاجتماع والاحتجاج أو التفاوض ولخنق السياسة حتى لو تطلب ذلك تدمير مدن بكاملها.

– كما أن بحثي في تحديات المصالحة لا يأتي بالتناغم مع أية مشاريع تطبق وصفات تكنوقراطية حول العدالة الانتقالية، كما هو الحال مثلاً في مشروع «اليوم التالي»3. إن رأيي أنه على الرغم من الجهود المشكورة والنوايا الطيبة لكثير من خبراء الانتقالوجيا، فإن عملهم يبقى بعيداً عن الواقع، كما سأبينه في هذه الورقة.

معاني الاستقلال الضائعة

بعد استبعاد هذين الأمرين، أرغب بالتوقف لأسأل عما حدث في سوريا، حتى وُجد ما يمكن تسميته بالشرخ السوري، وحتى أصبحت قضية المصالحة بين السوريين تحدياً وجودياً؟ أعتقد بأن هناك جملة أسباب، بعضها بعيد يتعلق بالفرص الضائعة التي أتاحتها للسوريين لحظة الاستقلال عن الانتداب الفرنسي في سوريا، وبعضها أكثر قرباً يرتبط بالنظام وتصرفاته في زمن الثورة.

بتاريخ 5 كانون الأول 1924، أصدر المندوب السامي الفرنسي الجنرال غورو القرار رقم 2979 بتأليف دولة العلويين، والقرار 2980 بتنظيم دولة سوريا التي تضم دولة دمشق ودولة حلب. وكانت سلطات الانتداب قد أقرت اتفاقاً مع أهالي جبل العرب بتاريخ 4 آذار 1921 لإنشاء دولة جبل الدروز. قُسمت سوريا إلى أربع دول، اثنان منها تركّبا على أساس طائفي. ثار الشعب، وانتزع جمعية تأسيسية منتخبة اجتمعت في حزيران وتموز من عام 1928، وأقرت دستوراً لسوريا بكاملها جاء في مادته الثانية بأن «سوريا وحدة سياسية لا تتجزأ». عبثت سلطات الانتداب بالدستور، ومن ثم ألغته، ومن ثم أعادت العمل به. ولم ينفك الانتداب الفرنسي عن سياسته التقسيمية، فكان يصدر كل عدة سنوات القرارات التقسيمية المتعاقبة، حتى وصل السوريون إلى عام 1936 ومن ثم عام 1943، الذي أعاد لسوريا دستورها الموحد، وصولاً إلى الاستقلال التام. حدث ذلك في ظل نقاش واسع بين السوريين داخل المناطق التي حددتها سلطات الانتداب على أساس طائفي. كان النقاش يجري في هذه المناطق بشكل صريح وعلني عبر تقديم العرائض والبرقيات المقابلة، وكان يدور حول الخصوصيات والمخاوف والقلق الجماعي والمصالح والخيارات بين الاستقلال الذاتي أو الانضمام إلى ما كان يُطلق عليه «الوحدة السورية». ولم يمتد الأمر طويلاً ليسود بين السوريين خيار واحد هو العيش المشترك. كان الاستقلال بالنسبة لآبائنا يعني التخلص من الاحتلال، وكان يعني أيضاً وحدةً وطنيةً بين مكونات السوريين. عند الاستقلال، رفض السوريون أن يتجمدوا في نطاق هويات محلية، على الرغم من غناها، وبكل ما تحويه من معتقدات وطقوس وآلام وآمال وقصص يومية حلوة ومرّة. رفضوا أن تكون تلك الهويات المحلية مؤسسة للاجتماع السياسي ورفضوا بنفس الوقت إلغاءها. رأوها جزءاَ من هوية أكبر، سورية أو عربية، شاملة للتعدد وليست طاردة له. اختار سوريو الاستقلال أن يصنعوا وطنية سورية عصرية بشكل شبه وجودي. جاء بعد ذلك الدستور السوري الذي أقرته جمعية تأسيسية منتخبة بتاريخ 5 أيلول 1950 ليعاودوا فيه التأكيد على خيار السوريين بالعيش المشترك، فأقرت مرة أخرى الفقرة الثانية من مادته الأولى بأن سورية هي «وحدة سياسية لاتتجزأ». وأقرت الفقرة الثانية من المادة الثالثة بأن «حرية الاعتقاد مصونة». أراد سوريو الاستقلال التأكيد على تعدديتهم وعلى المشترك العابر لتعددهم.

ماذا فعل السوريون بعد ذلك؟ كيف تمت صيانة التعدد، ضمن الهوية الأكبر، على نحو ما أقروا به؟ هل بُذلت الجهود في الساحة العامة على مدى السنين التي تبعت الاستقلال لإنتاج أي معرفة حول التعددية السورية، أم تمت التعمية على التعددية بإعلاء الإيدولوجيات القومية والأممية؟ هل كانت جامعات البلد العامة مفتوحة لإنتاج المعارف حول تعددية السوريين، وهم ما زالوا حينها محصنين برغبة الاستقلال العارمة للعيش المشترك؟ هل أنتج السوريون أي نقاش جماعي أو معرفة حول نظراتهم المتعددة للتاريخ الاجتماعي، وحول الواقع التاريخي والاجتماعي للمناطق السورية، كالساحل أو الجزيرة أو جبل العرب؟ هل سُمح للسوريين باللقاء والحكي الهادئ في المجال العام حول تعددهم، بوجوهه المشرقة وتلك التي هي أقل إشراقاً؟ لا تشير الشواهد بأن أياً من ذلك قد حدث. فمن المفاجئ والمخيب فعلاً ألا تكون هناك إلا الدراسات الاجتماعية والسياسية القليلة جداً إن لم تكن نادرة التي أنتجتها الجامعات أو الثقافة السورية حول التعدد السوري، وإذا وجدت فإنها فشلت في أن تقدم معرفة تقوم على مقاربة موضوعية للواقع، بمعزل عن أي تقييم حوله. من المفجع بأن كل البحوث المتوفرة هي بحوث تنتجها مراكز أبحاث غير سورية، ويتم النقاش حولها بالهمس وعلى الهامش، وبعيداً عن السوريين أنفسهم. وقع السوريون في النكبة وآثارها في نزع المشروعية عن النخب الحاكمة، والانقلابات وعواقبها في خنق إمكانيات اللقاء فيما بين السوريين. كانت هناك فرصة حقيقية لأن تُحَلَّ الكثير من المخاوف ويكبر التواصل بين السوريين في سياق توطيد معاني لحظة الاستقلال. ولكنها فُوّتت.

السياسة والتفكير الخرافي

ومن ثم جاء عام 1963، محملاً بكل ما تم تفويته من فرص نشأت عن لحظة الاستقلال. وانغلقت شيئاً فشيئاً وعلى مدى خمسين عاماً كل إمكانات اللقاء بين السوريين. أصبح اجتماعهم في المكان العام جريمة، وفق الفقرة الثانية من المادة الرابعة من قانون حالة الطوارئ الصادر بالمرسوم التشريعي رقم 51 تاريخ 22 كانون الأول 1962، الذي أُعلنت بموجبه حالة الطوارئ بموجب الأمر العسكري رقم 2 تاريخ 8 آذار 1963. وأصبح اجتماعهم في الصالونات الخاصة والحيز الخاص جريمة، كما أثبتت مجريات المحاكمات التي أدت إلى إغلاق منتديات «ربيع دمشق» بين عامي 2000 و2004. أصبح أي حديث أو رغبة في المعرفة المحايدة للتعددية السورية يعتبر عملاً يقصد منه إثارة النعرات المذهبية، على النحو الذي استعمل فيه النظام المادة 307 من قانون العقوبات السوري. وبذلك أُغلق على السوريين أية إمكانيات بأن يعرفوا تعددهم، ويحكوا اختلافاتهم، ويتقبلوها طواعية وبنفس روح النقاشات العامة الخالية من التابوهات قبل الاستقلال، والتي أدت إلى خيارهم الوطني الجماعي الواعي بالعيش المشترك.

في أجواء القمع والشعور بالاستباحة، التي طبعت علاقات السلطة العامة بالمجتمع على مدى خمسين سنة الأخيرة، انكفأت مكونات البلد على نفسها، وأوغل كلٌّ منها في نسج عالمه الخيالي الذي يسوده الخوف والتوجس وقسوة الكلام ونزعة استباق الانتقام من آخر شيطاني تصنعه الذات. أصبح هذا العالم الخرافي هو المنظار الوحيد المفكر فيه واللامحكي، الذي استخدمه النظام لتركيب علاقته مع السلطة العامة، ولتركيب دور السلطة العامة في علاقتها مع المجتمع، ولتشكيل طريقة تعامل المجتمع مع السلطة العامة والنظام. أصبح نمط هذا التفكير الخرافي المنظار الأكثر استعمالاً بين السوريين، الذي تفسّر من خلاله السياسة. وحين أتحدث عن هذا التفكير أو المركب النفسي الخرافي، فإنني لا أقصد بأن وعاء ذلك هو الطائفية، وإنما هو شيء يتجاوز ويختلف عن ذلك تماماً. إنه كل نمط تفكير يصنع آخر ويشيطنه ويبرر استباحته بلا حدود وفي أي وقت عبر استعمال العنف والمزيد من العنف لحذفه، بدون أن يعني ذلك ارتكاباً لأية جريمة. إنه طريقة تفكير لا تتعلق أبداً بالمعتقدات الدينية أو حتى الروايات الدينية للتاريخ، كما حاول أن يحللها في سياق آخر مختلف الدكتور صادق جلال العظم في مقاله «مأساة إبليس» المنشور في كتابه نقد الفكر الديني4. التفكير الخرافي في الراهن السوري لايتعلق بالماضي وإن كان يوظفه، وإنما هي نشاط فكري خيالي دون كيشوتي، ينسج رؤية لتعليل الأحداث الحاضرة والتعامل معها بالعنف. لا يهم في هذه الحال من يستعمل هذا التفكير. فكما يمكن أن يقع في أثر هذا التفكير الشخص المتدين والطائفي، فإن العلماني واليساري والمنتمي لطبقة اجتماعية مسيطرة يقع فيه أيضاً. كلٌّ يمكنه أن يصنع آخراً ليؤبلسه ويحاربه بالعنف والمزيد من العنف.

ثم جاء 15 آذار 2011. كان ثورة لأنها أتت في سياق الربيع العربي من قبل مجتمع عصري للغاية يعي ويُقر بتعدده، ولكنه يريد أن يقطع مع التفكير الخرافي القائم على شيطنة آخر مصطنع، ويحلم بمواطنة عابرة للتعدد. حاول هذا المجتمع أن يعمل كل شيء ليثبت في حراكه نزعته للقطع مع هذا التفكير الخرافي. فحمل الورود، ونادى بالسلمية، واحتفل بكل الأشكال باللقاء مع «الآخر»، وغنّى بكل جوارحه لما هو مشترك بين كل السوريين، أي للكرامة والحرية. ولكن النظام الحريص على مصالحه، التي اكتسبها بالقمع وإنتاج الخوف، استخدم مقدرات السلطة العامة لتأليب السوريين على بعضهم وتوظيف وتعميق تركيبة نفسية خرافية يسودها الخوف والكره وقسوة الكلام والنزعة إلى استباق الانتقام من آخر مصطنع.

بناء خطاب الضحية

كان يوم 19 نيسان 2011 يوماً مفصلياً لشحذ وإعادة تحفيز هذا التفكير الخرافي لدى قطاعات واسعة من السوريين. اغتيل في هذا اليوم العميد المهندس عبدو خضر التلاوي، مع أولاده وابن أخيه في سيارتهم على طريق إلى حمص، بعد أن تم التمثيل بجثته وجثة أولاده. وكان قُتل في نفس اليوم العقيد معن محلا والرائد إياد حرفوش في منطقة الزهراء بحمص5. لم تُعرف الحقائق حول ما حصل، إذ لا توجد سلطة عامة تضمن إجراء تحقيق مستقل ونزيه وشفاف. هذا لا ينفي بأن ما تشير إليه التحقيقات الرسمية قد يكون صحيحاً، لكن لا توجد ظروف سياسية ودستورية تسمح بعدم التشكيك في كل تلك التحقيقات. في ظل هذه الظروف، وفي الوقت الذي كانت فيها المدن السورية تتظاهر بسلمية اعترف بها النظام نفسه، وهي تُواجه بالرصاص الحي، كانت كاميرا التلفزيون السوري أول من وقف على جثامين العميد التلاوي وأولاده، ومرت على كل عضو وجرح وشعرة من أجسادهم6. لم تحترم كاميرا التلفزيون العمومي حرمة جسد الضحايا ولاسيما الأولاد، فقد كان لديها رسالة: كانت تريد أن تقول بأن العميد وأولاده لم يُغتالوا أو يُقتلوا، بل ذُبحوا من قبل «آخر» هو عبارة عن مجموعات مسلحة مؤلفة من رعاع وسلفيين وتكفيريين مدعومين من كل العالم. وما انفكت بعد ذلك وسائل إعلام النظام وكافة الشخصيات والجمعيات ووسائل الإعلام المرتبطة به أو المتعاطفة معه سواءً في سوريا أو خارجها عن ترداد ذلك صباح مساء. كانت وظيفة هذه الصور إصابة هدفين في وقت واحد. كان الهدف الأول هو إثارة واستعادة وتحفيز نزعة الخوف في الصفوف الاجتماعية المنضوية مع النظام، للقول بأن ما يتهددها في الذات والوجود هو شيء مشابه لما حصل للعميد التلاوي وأولاده، أي الذبح وتقطيع الأوصال، أو الإلغاء بأبشع الصور، وليس أقل من ذلك. وكان الهدف الثاني تشكيل رواية من خلالها كل من سينضوي مع النظام يرى نفسه بأنه ضحية. وكان مقتل ضباط في الجيش والتمثيل بجثثهم كافياً ومريحاً للقول بأن أجهزة النظام، حتى تلك التي هي الأكثر قوة وقمعية كالأمن والجيش، ما هي إلا ضحايا، وبأن أي عمل تقوم به في إبادة بلدات بكاملها ما هو إلا دفاع عن النفس. أصبح الخوف ونزعة استباق الانتقام والشعور بالاستهداف كضحية من قبل آخر مصطنع كافياً لبناء موقف خرافي يبرر كل التعسف، وكل العنف، وكل التدمير، وكل القتل، حتى لو بلغت أعداد القتلى من هذا «الآخر» مئات الآلاف، بدون أن يعني ذلك ارتكاباً لأية جريمة. وأصبح سهلاً لكل من وجد مصالحه مع بقاء النظام أن يتبنى نفس هذا الهذيان الخرافي. فالآخر متعدد الوجوه، كما هم متعددو الأطياف أولئك اللذين يدافعون عن ممارسات النظام. فهو بالنسبة لبعض الطائفيين الشوفينين ذلك الرجل الملتحي الإرهابي الوهابي، والآخر بالنسبة لبعض لأعضاء الطبقة المخملية في حلب هم أولئك القادمون من بلدة عندان القريبة والثائرة، التي، لأجل تجرؤها على الثورة وكأنها ترغب بانتزاع النعمة من أفواه من يتنعمون بها في حلب، فإنها تستحق أن تُمسح عن الخريطة، لأنها ببساطة «مزبلة».

عن الشرخ السوري

في مواجهة عنف النظام والتدمير والدموية المريعة في التعاطي مع المناطق الثائرة والتي أنتجت ضحايا بمئات الألوف، هناك رواية متكاملة عن أن النظام هو ضحية، وبأنه إن لجأ إلى العنف فإن ذلك يأتي في سياق الدفاع عن النفس. وفي مواجهة صور الدمار والقتل التي يخلفها النظام، فإن لدى قطاعات واسعة من السوريين صور مقابلة لعنف وكراهية ينتجها بعض الثوار. لا يهم في هذه الأجواء كل الصراعات والمبادرات التي تجري داخل مجتمع الثورة للوقوف في وجه نفس نمط الهذيان الخرافي في البلدات الثائرة، والذي يريد أن يضع بشكل سخيف طائفة بكاملها في موقع المجرم انتقاماً لوقوف بعض مكوناتها مع النظام. ولا يهم كذلك أن تقول بأن النظام لم يحاسب يوماً أحداً من أركانه على الجرائم التي يرتكبونها، بل شجعها وحول السلطة العامة لآلة قتل دفعت الكثير من السوريين للوقوع في نفس هذا النمط من الهذيان الخرافي. كل ذلك لا أهمية له بالنسبة لقطاعات واسعة من السوريين رفضت التفاعل الإيجابي مع الثورة. إذا العنف والكراهية بالنسبة لهم أصبحا الخبز اليومي لطرفين متحاربين في حرب أهلية. والطرفان يحتلان موقعين متساويين على سلم انعدام الأخلاق. صورة تواجه صورة، ضحية تواجه ضحية، وقاتل يواجه قاتلاً، ومجتمع يتطلع إلى تحصين نفسه بكل الأسوار في مواجهة مجتمع مقابل يتطلع إلى تحصين نفسه بأسوار مقابلة.

قد يبدو أن في سوريا اليوم مجتمعين نسج كل منهما ذاته كضحية. وعندما أتحدث عن مجتمعين، فإن ذلك يأتي في سياق تمييز ذلك عن مجرد شارعين للرأي. كما إنني أميز ذلك عن الأفراد الذين يرتكبون أفعالاً مريعة، لأتحدث عن الأوساط الاجتماعية التي تتشكل لتبرر وتحرض على تلك الأفعال. قد يبدو بأن ما يحدث هو أكبر من اختلاف بين «شارعين» في الرأي العام. بل هو بداية تشكل مجتمعين يتأسسان حتى على المستوى القانوني والإداري بشكل مستقل وبتضادّ كل منهما مع آخر مصطنع. إنهما مجتمعان أصبحا يمتلكان من خطوط الدفاع ما يمنعهما من تصور نفسيهما إلا كضحايا.

أمام هذه الشرخ الكبير، أصبح المجال العام السوري مهدداً في ذاته. كانت النزعة لاستعادة إمكانية اللقاء والتواصل بين السوريين في الساحة العامة محورياً في سردية الثورة والمطالبة بإسقاط النظام الذي يمنعهم من اللقاء. وهكذا أصرّ السوريون على الحق بالاجتماع والتظاهر في الساحة العامة. إلا أن السوريين يجدون أنفسهم اليوم أمام حالة سياسية أكثر جذرية من مجرد المطالبة بالحق في التظاهر والمطالبة بإسقاط النظام. فلكي يصبح مطلب إسقاط النظام أو مطلبا الكرامة والحرية مطالب ذات معنى، فإن ذلك يفترض بقاء مجال عام جامع لكل السوريين يعطي لهذه القيم المذاق والمعنى التحرري الذي تحمله. إن هذا «العام» السوري هو بذاته مهدد في وجوده اليوم. من أين يلملم السوريون مجالهم العام، ويستعيدونه، ليعطوا لمطالبهم التحررية كل المعنى؟ ما الذي بقي يجمع السوريين اليوم غير هذا الشرخ الذي ينذر بالانكسار؟ ما الذي بقي في هذا البلد الذي يتكسر بكل هذا العنف وكل هذا الجنون؟

بين لحظة الاستقلال ومجيء النظام فاتت فرص كثيرة. وبين حلول هذا النظام وبداية هذه الثورة نما شرخ كبير. وبين بداية الثورة واليوم، تتكوم أمام السوريين جثث متفحمة وركام مدن وخيام شتات. أمام هذا الشرخ الذي يتعمق، وبين هذه الأسوار التي تُشيَّد، هل يمكن ردم كل ذلك بمصالحة؟ أم أن على السوريين أن يُقروا بأن عليهم قبل كل شيء أن يتخذوا في لحظة تأسيسية جديدة موقفاً جامعاً من جريمة أصبحت جزءاً مكوناً من تاريخهم الراهن. كان سوريو قبل الاستقلال يواجهون الاحتلال والتساؤلات حول العيش المشترك. أصبح السوريون اليوم يواجهون شرخاً كبيراً وجريمة مريعة بينهم. أمام هذا التحدي الوجودي، هل يمكن استعادة لحظة الاستقلال التي قامت على إقرار العيش المشترك، بالمصالحة بين السوريين؟ وإذا كانت المصالحة ممكنة، فهي بين مَن ومَن، وما هي شروطها الاجتماعية؟

عن المصالحة بالانتقالوجيا

في خضم الحل السياسي الساذج والمستحيل، كما هو مطروح اليوم، سيأتي خبراء الانتقالوجيا ليبينوا بأن هناك أدوات وإجراءات ومؤسسات وقواعد قانونية معروفة لا تحتاج إلى إعادة اختراع، تعالج بشكل متكامل قضية المصالحة، ويجمعها علم اسمه العدالة الانتقالية.

سيقولون إن أحد مكونات العدالة الانتقالية هو العدالة العقابية (punitive justice)، التي تنظر إلى أحداث سوريا التي تعرضت للعنف من منظار ثنائية الجريمة والعقاب في ظل محاكمة عادلة. وسيبيّنون بأن العنف نجم عنه جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية موصوفة في مدونات ومعاهدات دولية. وسينصحون بإقامة محاكمات في سوريا تتعاطى مع وقائع العنف من وجهة نظر المسؤولية الشخصية لمجرمين أفراد. وسيشددون على وضع الجلاد في قفص الاتهام، وعلى حضور الضحية، وعلى الأثر العلاجي الجماعي للمحاكمة، وعلى أهميتها في إعادة الاعتبار لحكم القانون والثقة بمؤسسات الدولة، وإعادة بناء اللحمة الوطنية في البلد.

ومن ثم سينصح خبراء الانتقالوجيا بأن العدالة العقابية لابد أن تصاحبها عدالة ترميمية (reconstructive justice). وسيشددون على أن العدالة الترميمية تتوجه نحو تحقيق الشفاء النفسي والاجتماعي لجميع السوريين، وبأن هدفها ليس العقاب بقدر ما هو استعادة توازن اجتماعي بعد العنف في المجتمع، وإصلاح العلاقة بين أفراده عن طريق إشراك الضحية والجلاد وجماعاتهما في إطار لجان، للتعرف على حقيقة ما جرى ولتحفيز المصالحة. وسيركزون بأن لجان الحقيقة والمصالحة ما هي إلا أدوات تسمح للعدالة بأن تكون أكثر إنسانية وأكثر قرباً وأكثر تعاطفاً مع قصص الضحايا. وسينصحون بأن يتم إقرار عفو عمن ارتكبوا الجرائم من الجلادين، ضمن حدود وضوابط، كجزء من إجراءات العدالة الترميمية. وسيعززون ذلك باقتراح إجراءات تسمح بفرز من كان متعاوناً أو شريكاً مع الجلاد من الآخرين الذين لم يكونوا كذلك. وسيحاججون بأنه لئن كان العفو يؤدي إلى أن يُترك الحق الفردي للضحية، لصالح استعادة عدالة عامة شاملة، فإن أثر العفو مهم لوقف حلقة العنف والانتقام. وهكذا فإن خبراء الانتقالوجيا سيقدمون وصفات على شكل لوائح إجرائية، تنظم عمل لجان الحقيقة والمصالحة بشكل يسمح للضحايا والجلاديين أن يلتقوا ويحكوا قصصهم، ليعتذر من بعدها الجلاد لقاء حصوله على العفو ويمضي إلى بيته، ولتدون في المحاضر آلام الضحايا وقصص الجلادين، في سياق يهدف إلى تعزيز فرص المصالحة وتكوين وتثبيت ذاكرة وطنية واحدة جامعة لما حدث.

وسيقدم خبراء الانتقالوجيا نصائح لتحقيق عدالة تعويضية. وسيبينون بأن إقامة نظام يضمن التعويض المادي والمعنوي للضحايا سيعزز من فرص المصالحة. كما سيشددون على أنه يجب أن يصاحب ذلك جهد تنموي شامل، لتجاوز التهميش الاقتصادي للضحايا، وليسمح لهم بأن يتخلصوا من شعورهم بالخوف والتوجس ضد مؤسسات الدولة، ويعيد بناء حياة عامة يكون فيها للناجين مكان في المستقبل7.

وأخيراً سيشدد خبراء الانتقالوجيا بأن كل مكون من مكونات العدالة الانتقالية سيساعد على استقصاء الدروس من العنف الذي حصل في سوريا، وعلى علاج وترطيب النفوس، وإعادة اللحمة الوطنية. وسيساهم في إعادة التواصل والحوار بين أعداء الماضي، والتأسيس لصياغة خطاب موحد ورسمي وجامع حول ما حصل. وسيكون فرصة لتحرير الكلمة والتقاء الوجوه. ورغم أن العدالة الانتقالية ستتطلب تجرع والقضم على مرارة الماضي، إلا أن ذلك سيكون مصحوباً بالوعد المتبادل بعدم تكرار العنف، في سياق عملية اجتماعية حية تعزز الثقة المتبادلة وحرية التعبير، والتحول الديموقراطي. وسيكون مآل العدالة الانتقالية المصالحة بين الأطراف المتحاربة.

تحديات المصالحة في سوريا

لست أدري إذا كانت هذه الصورة الوردية للعدالة الانتقالية ستكون قابلة للتطبيق بهذه البساطة والتفاؤلية في سوريا، أمام عِظم الجريمة وعمق الشرخ. قد يبدو بأن في سوريا اليوم مجتمعان، يعتبر كل منهما نفسه ضحية. في ظل هذه الظروف، هل يمكن فعلاً إقامة جلسات محاكمة أو لجان حقيقة ومصالحة، وقطاعات واسعة من السوريين ترفض إلى الآن الاتفاق على من هو الضحية؟ وفي حال تم التعاطي مع الماضي في محاكمات وجلسات مصالحة على أنه نتاج مسؤوليات شخصية لأفراد، فكيف يمكن ضمان عدم انزلاق هذه المحاكمات لتصبح أدوات لإلقاء المسؤولية الجماعية على جماعات أو طوائف بكاملها؟ وفي نفس الوقت، كيف يمكن حصر النظر بالمسؤولية الفردية بمعزل عن كونها ناتجة عن بنية اجتماعية ونمط تفكير جماعي، سمح وبرر وحرض ودفع لأن ترتكب أفعال مريعة؟ وفي ظل هذيان النظام الخرافي، كيف يمكن تفادي عدم تحويل أدوات وإجراءات العدالة الانتقالية لتصبح مضمار سباق على احتلال موقع الضحية، الأمر الذي يمكن أن يشكل سبباً لمزيد من العنف؟

ليس الهدف من إبراز حجم الشرخ السوري الراهن الوقوف الحيادي أمام مجتمعين متناقضين يحتلان درجة متساوية على سلم الأخلاق. لا أعتقد بأن هذا واقعي أو محبَذ عند النظر إليه من وجهة نظر المصالحة. بل إنني أعتقد بأنه لا بد من الوقوف بشكل مجرد للإقرار بأن أفعالاً مريعة حدثت في سوريا هي جريمة يمكن التعرف عليها بشكل موضوعي وجامع بين السوريين.

صحيح بأنه قد يبدو بأنه يوجد في سوريا اليوم مجتمعان. إلا أن أحدهما يتألف من مدن مدمرة وقتلى ومعتقلين ومهجرين ونازحين بمئات الآلاف؛ وفيه رغم كل العنف الذي يتعرض له مقاومة حتى في الحياة اليومية لكل أشكال الاستبداد وشيطنة الآخر بكافة أشكال الحراك الجماعي المدني. أما المجتمع الآخر فهو يُقيم حياته اليومية على التبرير والتحريض لارتكاب أفعال مريعة بحق الآخر والتشفي والتشجيع على المزيد منها بداعي أنه مستهدف كضحية. في سوريا اليوم تُرتكب أفعال مريعة، يُعرف في غالب الأحوال من يقوم بها ويشترك مباشرة في تنفيذها. إلا أنها تجد من يبرر لها، ويحرض على المزيد منها ضمن بيئة اجتماعية يسودها فكر تحريضي. إن تحدي المصالحة يكمن في التمكن من الوصول إلى الإجابة على سؤال فيما إذا كان ذلك الذي يحصل هو جريمة، بدون أن يؤدي ذلك إلى إلقاء المسؤولية الجماعية على فئات بعينها. إنه سؤال كبير لأن هول تلك الأفعال قد أسقط كل منظومات القيم والقواعد التي تساعد على تكييف أفعال معينة بأنها جريمة.

سيأتي الانتقالوجيون ليبينوا بأنه لامجال للاجتهاد في معرض النص. إذ إن الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب موصوفة في اتفاقيات دولية عديدة، وهي تبقى المعايير الذي يجري بناء عليها تقييم أفعال مريعة وإسباغ صفة الجريمة عليها. قد يكون ذلك صحيحاً، ولكن كيف يتم استقبال تلك المعايير حول جرائم موصوفة داخل وسط اجتماعي يعتبر نفسه بأنه مستهدف كضحية، وهو لأجل ذلك برّر وحرّض على ارتكاب أفعال مريعة؟ هل هو قادر على الإقرار فعلاً بأن ما ارتُكب بحق الآخر جريمة؟ قد يكون من الواجب القول إن المصالحة تبدأ أولاً وقبل كل شيء من داخل المجتمع الذي برّر وحرّض على ارتكاب الجريمة. إنها تبدأ من التصالح ذاتياً، داخل كل مجتمع، مع واقع بأن ما قام بارتكابه بحق الآخر كان جريمة، وبأن كل الخطاب التبريري والتحريضي لم يكن سوى هذيان خرافي. إن التصالح مع واقع أن الذات الجماعية تشكلت على تبرير جريمة ليس بالأمر السهل. قد يتطلب في جزء منه نقاشاً داخلياً حول الموقف من الجريمة8. ولكن كيف للذات الجماعية أن تنخرط في أي نقاش داخلي حول ما إذا كان الذي حدث هو جريمة بدون أن تؤنسن الآخر الذي شيطنته واستباحت دمه بدون حدود؟ لن يكون هذا النقاش الداخلي منتجاً وقابلاً للبناء عليه وطنياً إلا بوجود نقاش عام أوسع مبني على التواصل. إن التحدي الأكبر في المصالحة الوطنية هو استعادة مجال عام جامع، واستعادة إمكانية اللقاء فيه، وخلق إمكانيات التواصل الحر داخله9، بعد أن مزقها الهذيان الخرافي والعنف والجريمة. وإن التحدي بالنسبة للقانونيين هو أن يواكبوا، دون أن يفرضوا من الأعلى، محاولات المجتمع لبناء المؤسسات والقواعد والإجراءات الدستورية والقانونية التي تسمح لتواصل عام منفتح حول الجريمة أن يبدأ بين كافة مكونات السوريين. لا مانع بعد ذلك من أن تُستخدم الترسانة الانتقالوجية لإدارة علاقة الضحايا بالجلادين. إلا أنه ما لم يتم التخلص طوعاً وباقتناع جماعي ناتج عن نقاش عميق من هذا الهذيان الخرافي الذي سمح للجريمة أن تحدث، فإن كل الإجراءات التكنوقراطية التي تتخذ لن تكون بأي مغذى أو أثر.

لم تكن للحظة الاستقلال كامل جلالها إلا لأن معناها كان التحرر من استعمار وتحقيق العيش المشترك. ولن يكون للكرامة والحرية كامل المعنى إلا إذا رافقها تحقيق إمكانية التصالح الذاتي مع واقع أن ما ارتكب كان جريمة.

انظر: Hannah Arendt, On Revolution, (London: Penguin Books, 1965), pp. 28-29 [↩]

انظر: Frantz Fanon, The Wretched of the Earth, (New York: Grove Press, 1963), p35. [↩]

انظر تقرير مشروع اليوم التالي الصادرة عن معهد السلام الأمريكي على الرابط: http://www.usip.org/the-day-after-project [↩]

صادق جلال العظم، نقد الفكر الديني (بيروت: دار الطليعة، 1970)، ص. 83-85. [↩]

عن طريقة تقديم تلك الحوادث من قبل وسائل إعلام النظام: http://www.albaath.news.sy/user/?act=print&id=1116&a=99081 [↩]

المشاهد مريعة وهي ما زالت على اليوتيوب. [↩]

انظر حول نظرة نقدية للعدالة الانتقالية: Kora Andrieu, La justice transitionnelle, (Paris, Gallimard (Folio), 2012 [↩]

أشير في هذا الصدد إلى عمل هنا أرندت التي تسائلت في الكثير من كتاباتها عن كيفية الوصول إلى التعرف على الجريمة بشكل موضوعي، بعد أن هدم العنف كل أنظمة القيم: Hannah Arendt, Responsabilité et jugement, (Genève : Payot, 2009), p. 87. [↩]

أشير هنا إلى كتابات هابرماس، ولاسيما حول الحيز العام والتواصل. انظر Jürgen Habermas, Between Facts and Norms. Contributions to a Discourse Theory of Law and Democracy, (Cambridge, Massachusettes: MIT, 1998), pp. 352 ff.، كذلك: كوينتين دولافيكتوار، “مفاهيم المواطنة والفضاء العمومي عند حنه أرنت وهابرماس، استمرارية السياسي من العصور القديمة إلى الحداثة”، ترجمة نور الدين علوش، إضافات، ربيع 2013، ص. 48-59. [↩]

 

 موقع الجمهورية

10 آب 2013

 

Loading

الكاتب admin

admin

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة