40 views

سوريا العالقة بين “العقيدة” الروسية والإنكفاء الاميركي ـ وهـيـب مـعـلـوف

تكشف عقيدة موسكو الجديدة التي أقرت ونشرتها وزارة الخارجية الروسية في شباط الماضي الكثير عن سياسة روسيا الخارجية واستراتيجياتها العالمية، خصوصاً بالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط والأزمة السورية تحديداً.

حملت هذه العقيدة خطاباً متشدداً للمرة الأولى منذ انهيار الاتحاد السوفياتي، انطلاقاً من مخاوف جديّة تمثّلها التحديات “الجديدة” وفي مقدمها “المتغيرات الأخيرة في العالم بما فيها الأزمة المالية والاضطرابات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا”. وتشمل هذه أيضاً تأثيرات “الربيع العربي” المتزايدة على النظام الدولي القائم منذ خمسينيات القرن الماضي على مبدأ سيادة الدول. وتحذّر العقيدة في هذا السياق من أن “بعض المفاهيم التي تُطبّق تهدف إلى الإطاحة بحكومات شرعية في دول ذات سيادة بحجة حماية السكان المدنيين”، وذلك في إشارة واضحة إلى تدخّل حلف الـ”ناتو”العسكري في ليبيا، مشددة على أن أي نشاط عسكري أو مهمات دولية تتعلق بعمل مجلس الأمن، ينبغي أن تُحدّد في قرار واضح، لا لبس في تفاصيله ولا يُسمح بتأويل بنوده، لضمان عدم تكرار السيناريو الليبي في أي منطقة أخرى من العالم.

وتعبّر العقيدة الجديدة، التي تميزت بزيادة حدّة الفقرات المتعلقة بدور روسيا على الساحة الدولية، عن نية روسيا الدفاع عن مصالحها الوطنية ومواطنيها في أي مكان، بما فيها المحافظة على مواقع نفوذها في المنطقة العربية. وهنا تُظهر العقيدة عزم روسيا على عدم السماح للاعتبارات الانسانية بأن تطغى على التزامها الوقوف إلى جانب النظام السوري.

يتزامن دخول هذا التوجه الجديد للسياسة الخارجية الروسية حيز التنفيذ، مع ما بات مؤكداً في المدى المنظور، وهو عدم رغبة واشنطن لعب أي دور عسكري ملموس ومباشر لمساعدة المعارضة السورية المسلحة، سواء عبر إدخال قوات إلى الاراضي السورية، أو فرض منطقة حظر طيران، أو إرسال سلاح نوعي.

ومع دخول الأزمة السورية عامها الثاني من دون أي مؤشرات على نهاية قريبة لها، تبرز أصوات داخل الرأي العام الأميركي، محاججة بأن المخاطر على المصالح القومية للولايات المتحدة الناتجة عن استمرار الحرب السورية تتطلّب سياسة خارجية أكثر فعالية تضمن هذه المصالح. وبين هؤلاء إدوارد جيرجيان، السفير الأميركي السابق في سوريا، الذي اعتبر في مقالة أخيرة (مع أندرو بوين) في مجلة “فورين بوليسي” أن أكلاف الحرب الأهلية على البلد واستقرار المنطقة تكبر يوماً بعد يوم”، مقدّراً تكاليف إعادة بناء سوريا بما يفوق الـ60 مليار دولار اميركي، وهي تكاليف سترتفع بنحو أكبر مع استمرار القتال في دمشق.

ويدعو جيرجيان وبوين في هذا الصدد القيادة الأميركية إلى إطلاق محادثات رفيعة المستوى مع روسيا بهدف ايجاد موقف ديبلوماسي مشترك للانطلاق منه لوقف العنف في سوريا بالتزامن مع الاستثمار في بناء قدرات “الائتلاف الوطني السوري” و”الجيش السوري الحر” وتزويد الأخير من قبل الدول الأساسية في مؤتمر “أصدقاء سوريا” بالأسلحة التي تمكّنه من مساعدة المدنيين الذين تروّعهم ضربات النظام الجوية والأرضية (من دون أن تكون هذه الأسلحة من النوع الذي قد يشكل خطراً أمنياً كبيراً على المنطقة في حال وقوعه في ايدي مجموعات متطرفة)، وتشجعه على النأي بنفسه عن الاعتماد على “جبهة النصرة” التي صنفتها الادارة الأميركية “تنظيماً ارهابيا”.

ويشدد الكاتبان على وجوب أن ترعى الولايات المتحدة وروسيا معاً قراراً لمجلس الأمن يعكس مخاوف كل منهما و”يطرح خارطة طريق لضمان سوريا مستقرة”، ويقترحان أن يُبنى هذا القرار على “بيان جنيف” الذي وُقّع في حزيران 2012 بهدف إنهاء النزاع السوري والذي تستمر روسيا بدعمه.

ولبناء الثقة، يرى الكاتبان ضرورة أن تساعد الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في التوسط لاجراء مفاوضات بين “الائتلاف المعارض” والحكومة الروسية، يكون مدارها “الاتفاقات التعاقدية” بين سوريا وروسيا، ومصالح الدولة الروسية طويلة المدى. وتحديداً، على الولايات المتحدة أن تشجع “الائتلاف” على تطمين روسيا لناحية مصالحها الاساسية في سوريا، ومن بينها القاعدة البحرية الروسية في ميناء طرطوس وحماية المواطنين الروس في سوريا والاتفاقات التجارية.

وتأسيساً على الدروس المستقاة من حل حزب “البعث” العراقي في 2003، يشدّد الكاتبان على ضرورة أن يأخذ “الائتلاف” الخطوات الضرورية لتفادي انهيار الإدارات العامة وجهاز الأمن وغيرها من المؤسسات الأساسية في الدولة. ولفعل ذلك، يوصي الكاتبان بأن يضمّ “الائتلاف” إلى صفوفه موظفين سوريين سابقين في الإدارة العامة “الذين سيساعدون في تحديد مؤسسات الدولة للحفاظ عليها في مرحلة ما بعد الأسد الانتقالية”.

يخلص الكاتبان إلى أنه من دون هكذا قيادة فاعلة للولايات المتحدة، فإن سوريا قد تتحول “دولة فاشلة” ومسرحاً لصراعات على السلطة بين ميليشيات مسلحة متعددة تتقاتل على خلفيات طائفية.

ويبقى السؤال: هل من إمكانية لسياسة خارجية أميركية فاعلة قادرة في المدى المنظور على الدفع باتجاه توافق دولي بشأن سوريا يوقف مشهدها المأسوي ويحول دون تحولها “دولة فاشلة” بالكامل، أم أننا بتنا أمام السيناريو الأسوأ الذي عكسه مؤخراً رئيس هيئة الاركان الاميركية المشتركة الجنرال مارتن ديمبسي حين لم يستبعد استمرار النزاع في سوريا “عقوداً”؟

19 أبريل  2013

 موقع now

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة