60 views

“الربيع العربي” والحاجة إلى إسقاط الأسطرة ـ ربيع بركات

لم يأت مسلسل انهيار الأنظمة العربية من فراغ، بل كان نتاج الفراغ الذي ولّدته الأنطمة عينها. والخواء هذا، الذي عنون فضاءات السياسة والثقافة والإبداع، لم يعكس بدوره لحظة عابرة، فهو شكّل آخر ذرى التراكم السلطوي فوق صفائح مجتمعية، تعاني عوارض التفسخ منذ أن تشكلت بعيد الحرب العالمية الأولى. غير أن “الربيع العربي” لم يترجم تصوراً واضحاً غايته إعادة إنتاج الفضاءات المتداعية تلك بانتظام. ولعل فراغ الفضاءات المذكور، حال تماماً دون إمكانية تنظيم كهذه. فحيث مساحة الإنتاج العقلي مفقودة (كما في دول ما قبل “الربيع”)، تنتفي إمكانية إدارة أي تحول وفق تصورات مسبقة. وغني عن القول، إن عجزاً كهذا عن التحكم بمقاليد الأمور، ولو بالحدود الدنيا، جذاب في العادة لخطاب ما ورائي. فالتهرب من مواجهة الواقع والتحديات التي يطرحها يغري باستحضار ما لا يفيد الجدل فيه لعجز المنطق عن دحضه. ولئن كان الدين يشكل في العادة أداة مثلى للتوظيف في سياقات مماثلة، فإن “الربيع العربي” شهد توظيفاً مغايراً، ظاهره منطق رافض للايديولوجيا، وباطنه غارق فيها. هكذا، لمسنا خطاباً اشتق جله برثاثة وتبسيط خياليين من فرضيات “نهاية التاريخ” وحتمية المآل الديموقراطي لكل تحول سياسي واسع وعميق على مستوى العالم. وإذ صورت الفرضيات تلك على هيئة سنن كونية، عد شمول العالم العربي بها بديهياً. وقد كان الخطاب المعبر عن هذا المنطق، إذ يهجي الايديولوجيات الزائلة ويشدد على ضرورة اجتثاث بقاياها، يثبت عقيدته الماورائية الخاصة. فقيل «إذا الشعب يوماً أراد»، «لا بد أن يستجيب القدر». وأُغفل أن جرعة “اللبرلة” في وصف الديموقراطية التي يريدها الشعب، مماثلة في توظيفها إلى حد التطابق لتظلل القوميين سابقاً بما تريده “الأمة” واليساريين بما تقتضيه “العدالة الاجتماعية” والإسلاميين بما تنص عليه “الشريعة الإلهية”، من دون إفاضة في شرح سبل الوصول إلى أي من الغايات المنشودة (باستثناء الركون إلى الحمولات الايديولوجية لكل من المدارس المذكورة). بذلك، ثبّت جيل من الليبراليين في العالم العربي ايديولوجيتهم الخاصة بحجة مقارعة الايديولوجيات. واستحضروا من أجل ذلك إسهامات تراجع عنها كتابها أنفسهم. وما كانت “نهاية التاريخ” إلا أولها، وأكثرها تهافتاً في مطلق الأحوال.

مبعث المقارنة تسليمُ البعض بحتمية مسار “الربيع العربي”. فقطار الأحداث، بحسب هؤلاء، ثابت على سكة لا حياد عنها. محطتها الأخيرة ثقافة مدنية، عمادها المواطنة، وإطارها السياسي الناظم قائمٌ على تداول سلمي للسلطة. بناء عليه، يصبح التغيير، كيفما اتفق، مقصداً بحد ذاته. فما دامت السكة ضامنة للمسار، لا ضير في الاندفاع من دون ضوابط. وفي عالم يقوم على يقينيات كتلك، يغدو المتن ما يغذي نزعة اليقين هذه، فيما التشكيك بها هوامش في أحسن الأحوال، ومعوقات تستوجب النزع في أسوئها. والمنطق هذا يستوجب التوقف عنده لأسباب عدة. أولها أن في خلفيته خلطاً بين المراد والملموس. فالمطلوب، وفق الفهم الإنساني/الفلسفي لليبرالية، ضمان حقوق الفرد بحيث لا تطويها هوية جماعة ولا يلغيها طغيان نظام. فيما الشكل السياسي للفضاء الليبرالي آلية عمل ديموقراطية تقوم على أساس تعدد السلطات والفصل بينها وتنظيم محاسبتها وفق قوانين تعبر عن عقد اجتماعي رضائي.

وقد قيل الكثير عن قدرة الثقافة الديموقراطية هذه على تطويع مخالفيها تلقائياً بمجرد إدخالهم الفضاء السياسي المعبر عنها. لكن السؤال هنا حول منطقية عقد الرهان على قوى كتلك، متى شكلت طرفاً وازناً في ميدان صراع أهلي، وبرز لديها ميل واضح لتثبيت منطق الغلبة (الحركة الأصولية في سوريا نموذجاً). ثاني هذه الأسباب يخص بعض ما طرح حول جذور “الربيع العربي”، ويمتد السؤال هنا استطراداً ليشمل فهم معانيه. والمقصود في هذا المجال هو الربط الذي تواتر الحديث عنه مؤخراً بين احتلال العراق وإطلاق أول موجة ديموقراطية في المنطقة (مقال جهاد الزين في “النهار”، “الدبابات الأميركية أطلقت الربيع العربي من بغداد” مثالاً). فالتسليم بواقعة سقوط نظام شمولي لا ينفي مشروعية السؤال عما جرى بعد هذا السقوط. إذ إن انتهاكات حقوق الإنسان وعقلية الانتقام من الماضي (بدلاً من اعتماد نموذج مصالحة كما في جنوب أفريقيا) ومأسسة الطائفية (بما يتجاوز الفهم الليبرالي للمواطنة تماماً) أمور لا تعبر تماماً عن موجة الديموقراطية الموعودة (ألا تسلك ليبيا اليوم مساراً مشابهاً؟). ثالث الأسباب يتعلق باستسهال التفكيك واعتبار التركيب التالي له تحصيلاً حاصلاً. ثمة استخفاف بتداعيات فض النسيج الاجتماعي والدولتي للكيانات الموجودة. وثمة من لا يريد الإقرار بأن التفكيك الكامل مؤداه فوضى شاملة، وأن إرادة التجميع ووجهته أثناء الفوضى هي رهن من يملك المال والسلاح. وفي عملية تأسيس كهذه، يصعب الحديث عن مكوّن ديموقراطي (ألا يُخشى من انهيار مماثل في مصر جراء العجز عن صوغ عقد اجتماعي مؤسس للجمهورية الثانية؟). رابع الأسباب يتعلق بوهم الحتميات.

ثمة من لا يزال مصراً على التسليم بصحة عقيدة فتنته أصلاً لإعلانها أن عصر العقائد انتهى. وثمة من يهوى اختبار صحة النظرية تطبيقياً، ما دام المجال مفتوحاً ويتسع لكثير من الاختبار.

غير أن المجال اليوم، في هذه المرحلة التأسيسية بالذات، لا يسمح بقدر كبير من ترف التجربة إلا لقاء أكلاف باهظة، وإكثار الثناء على إنجازات “الربيع” لا يحجب الأحمال الثقيلة المتأتية عنه. وهذا الكلام لا يحمل تجريحاً بإنجاز ولا ثنياً عن استكماله، إنما هو دعوة لعقلنة المخاض حتى لا يخرج عن طور المنطق وشروطه العلمية الضابطة. وهذه الشروط لا يمكن اختصارها بداخل ولا رمي مسؤوليتها على خارج. وبمثل ما لا يجوز إغفال الإنسان كقيمة وجودية محورية، تقتضي المصلحة عدم إهمال الكيانات الجمعية. والأخيرة قد تأخذ شكلاً قومياً أو وطنياً، رغم ضمورها اليوم لتلامس الإطار الأهلي في ظل التفكك المتمادي. ولا يعقل هنا التسليم بكلام طفولي حول “خشبية” الحديث عن الجماعة بحجة أنها، بشكلها الحاضر عربياً، قد أصبحت من الماضي، إذ إن البديل نزاع أهلي مديد وغير معلوم النتائج. والحسم إيجاباً بشكله النهائي، على قاعدة أن السيرورة ولاّدة للأفضل حكماً، هو ضرب من ضروب الايديولوجيا. بعد ذلك، لا يفيد إطناب الحديث عن أهمية تحطيم “الربيع” أوثاناً، إن كان الخلاص منها مجرد تأسيس لبدائل منها.

ثمة حاجة للتسليم بأن العودة عن أسطرة “الربيع العربي” هي أول شروط نجاح المسار الراهن أو ترجيح كفة أرباحه على خسائره. والقبول بالتسويات التي تحفظ الحد الأدنى من الاجتماع السياسي، من دون أن يشكل ذلك تنازلاً عن المطالب الحقوقية التي رفعها هذا “الربيع”، شرط لازم يوازي الأول أهمية. أما عدا ذلك، فمجرد تسوير جديد لدواخل مجتمعات يزداد انفراطها، وخلق مساحات صراع ترث المساحات السابقة، ومد لأمد حروب يبدو الجزم في شكلها ومنتهاها أبعد عن الواقعية وأقرب إلى العبث من أي شيء آخر.

  22/04/2013 ـ السفير

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة