30 views

من “الثورة السورية” إلى “القضية السورية” ـ وسام سعادة

ثمّة من ينحاز إلى الثورة، وثمّة من ينحاز الى النظام.

الانحياز إلى الثورة لا يمكن إلا أن يكون مباشراً. بمجرّد الإقرار بأن ما هو حاصل في الديار السورية منذ أكثر من عامين “يساوي” ثورة أو “يتضمّن” ثورة يكون هذا الانحياز قد عبّر عن نفسه. التمييز يكون بعد ذلك بين انحياز عاطفي حماسيّ هو بالضرورة انحياز انتقائي لأنه لا يمكنه أن يرى من أطياف الثورة والواقع السوريين إلا ما يستثير العاطفة ويظلّ يوقظها ويلهبها، وبين انحياز لا يخاف الوعي النقديّ، وشرطه التفريق بين الوقائع الحاصلة وتلك المنشودة، والتأهب لمراجعة التوقعات عند كل منعطف، ورؤية أساس الصدام، على أنه بين نظام فئوي استبدادي دموي وبين من لم يعد بإمكانهم تحمّل هكذا نظام “أبدي” لعقود اضافية، في مقابل عدم اختزال عموم اللوحة بين “أبيض وأسود”، وعدم التعامي عن تعقيدات خارطة الطوائف والمناطق والطبقات الاجتماعية. بشكل إجمالي، يمكن القول إن أسماء ثقافية أساسية انخرطت في عملية انتاج هذا الوعي النقديّ العضويّ والمواكب للثورة السورية، لكنه لا يزال وعياً هامشياً، كثيراً ما يفرّط بنفسه، تارة أمام الحماسة والعاطفة، وتارة أمام نزعات التبرير السياسي. فالتبرير السياسي يدعو في زمن الثورات لتأجيل النقد الى ما بعد الانتصار النهائي والحاسم، أو هو يجبره على البقاء “نقداً اعتذارياً” ما أن يشير الى الخطأ من جهة الثورة أو الثوار حتى ينشغل بدلاً من ذلك في محاولة تبرئة نفسه. يبقى أن وجهة النظر التبريرية التي عادة تكون قوية عندما يبدو التغيير الثوري قاب قوسين أو أدنى، إنما تعود فتصير وجهة نظر مبتذلة وتعوق العمل الثوري عندما لا يعود هذا التغيير مرهوناً بترقّب لحظة مركزية بعينها يسقط فيها الاستبداد بالضربة القاضية.

هذا عن النمطين، العاطفي الحماسيّ والنقديّ العضويّ في الانحياز الى الثورة وبلورة وعيها لنفسها.

أما الانحياز الى النظام فلا يمكنه أن يتجزأ تبعاً لهذه القسمة. لا يمكن أن يكون هناك من ينحاز الى نظام بشار الاسد بـ”وعي نقديّ”. إنما ثمة من ينحاز الى هذا النظام بشكل مباشر، نافر، وبين من ينحاز اليه برياء وخفر.

وفي الرهط الأخير ثمّة حيل شتى، إلا أن الجامع بينها هو إنكار واقعة الثورة، واعتبار أن الحرب الأهلية تلغي محل الثورة من الإعراب رأساً. بمعنى آخر، إذا كان النظام يواجه ثورة في مرحلة أولى فإن ممارسة هذا النظام اقصى حد من الجرائم قد أدى وفقاً لهذه القراءة الى تحويل الثورة إلى حرب أهلية، ومن ثم يؤدي إلى إلغاء شرعية إسقاط النظام، لأن الثورة لم تعد ثورة، حتى إذا استفحلت الحرب الأهلية عاد النظام فاكتسب شرعية من جديد كونه في الحد الأدنى “نظام” أو “ذكرى نظام” في بحر من الفوضى والدماء. هذه هي القراءة الخبيثة والعدمية للصراع في سوريا، التي يجهد لتسويقها أناس كثر في مواقع مختلفة. منهم من يفعل ذلك من موقع الديبلوماسيات الاستعمارية التقليدية وشكل رؤيتها للانتفاضات الشعبية عند الشعوب الملونة على أنها انتفاضات تبدأ بنزعة تحررية ثم تنحدر دائماً وبسرعة الى الهمجية. ومنهم من يفعل ذلك من موقع الايديولوجيات اليسارية، فيحفظ للنظام السوري أنه على الأقل يباهي بتقدميته وعلمانيته وعدائه للأمبريالية. ومنهم من يكاد أن يقول بصريح العبارة إنه ليس المهم ما يحصل في سوريا بالفعل، إنما المهم “المؤثرات المشهدية” التي يولدها الحدث السوري عبر العالم: عودة روسيا، مأزق الغرب. ومنهم، كي لا ننسى، من يقدم على هذه القراءة، المنحازة بشكل ملتو للنظام السوري، على أساس غريزته الفئوية او الطائفية، أو متأثراً بأحد أنواع “رُهاب الإسلام” أو “الإسلاموفوبيا”، كما لو أن النظام السوري، هو هذا الحاجز المنيع بين الحضارة والهمجية، الذي نظّر مطلق الحركة الصهيونية ثيودور هرتسل بإقامته في هذه المنطقة من العالم.

وهل إن ما يقوله بشار الأسد يختلف عن ذلك؟ في كل مرة يدلي بمادة إعلامية يردّد علينا مقولة هرتسل. مقولة الحاجز المنيع بين الحضارة والهمجية الذي إن سقط استبيحت الحضارة من قوم هاجوج وماجوج، وانتشر الإرهاب عبر العالم.

في المقابل، فإن الارتفاع الى منزلة الدعم العضوي للثورة السورية بوعي نقدي متماسك يستدعي تحطيم هذا المنطق. نعم، عنف النظام بدّل من طبيعة الثورة. لكنه لا يمكن لا سياسياً ولا أخلاقياً ولا قانونياً أن تكون “المبالغة في الجريمة” مدخلاً الى تخفيف العقوبة عن المجرم: وهنا جوهر المسألة. نجاح النظام في تشويه الطبيعة الأولى للثورة هو سبب إضافي لمعاداة هذا النظام والعمل لإسقاطه وليس أبداً سبباً مبرراً للحياد، هذا الحياد الذي لا يعدو كونه انحيازاً “غير مباشر” لصالح النظام. من هنا، لم يعد الأمر يقتصر على تحديد الموقف من الثورة السورية. إنه يتعلّق ببلورة الموقف من “القضية السورية”: قضية التخلص من نظام يبحث عن “نجاته” من خلال الترويج لمقولة عنصرية بحق السوريين، من نوع أنهم أقوام عنيفة وعدوانية، لا يمكن المجتمع الدولي أن يفصل في أمرها من زاوية حقوق الإنسان. يقول النظام ما معناه: أنا عنيف بطبيعتي لكن العنف الذي مارسته على شعبي أظهر أن هذا الشعب هو أيضاً عنيف بطبيعته، شرّه من شرّي، وشرّي من شرّه. القضية السورية سواء من حيث هي قضية وطنية أو قضية إنسانية تستدعي رأساً إهماد هكذا منطق دمويّ عصابي. سواء كانت الثورة موحدة أو مشرذمة، ليبرالية أو إسلامية، معادية للإمبريالية أو مشايعة للبترودولار، فإن الموقف العملي الضاغط باتجاه إسقاط هذا النظام ينبغي أن يظل راسخاً وثابتاً ولا قابلية فيه للأخذ والردّ.

29/4/2013 – المستقبل

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة