65 views

سوريا و”إسرائيل” ونذر الحرب ـ مأمون الحسيني

من الصعب الوصول إلى استنتاج قاطع حيال إمكان اشتعال جبهة الجولان ما بين سوريا و”إسرائيل”، رغم تراكم مؤشرات التصعيد الميداني، شبه اليومي، ما بين الجانبين، والتي كان الأبرز والأخطر فيها تلك الغارات التي شنها سلاح الجو “الإسرائيلي” على مواقع عسكرية قرب العاصمة دمشق، وتدمير القوات السورية عربة “إسرائيلية” تجاوزت خط وقف إطلاق النار في الهضبة المحتلة التي قررت دمشق فتح جبهتها أمام فصائل المقاومة الفلسطينية والعربية الأخرى . ومرد ذلك، لا يعود فقط إلى التغير العملي في النهج السوري الذي كان يرفض الرد مباشرة على أي اعتداء إسرائيلي، ويصرّ على اختيار “الزمان والمكان” المناسبين، أو إلى اختلاف وجهات النظر “الإسرائيلية” في كيفية التعاطي مع الملف السوري الملتهب، أو اختلال ميزان القوى العسكري السائد بعد الحديث عن تسلّم سوريا منظومة الصواريخ “ياخونت” من روسيا، وإتمام صفقة صواريخ ال “إس 300”، اللتين تصعّبان على “إسرائيل” (وكل قوة عسكرية أخرى)، أن تهاجم من الجو أهدافاً داخل سوريا أو أن تنفذ اجتياحاً من البحر، وإنما يتجاوز ذلك إلى الخشية من التدحرج نحو حرب إقليمية تشارك فيها أطراف إقليمية، وبروز رزمة من التعقيدات الإقليمية والدولية التي تتسارع عملية انتظامها في جبهتين متقابلتين على وقع الأحداث السورية المتصاعدة وتأثيراتها البيّنة والواضحة على الجوار الإقليمي، وبالأخص في العراق ولبنان والأردن .

وفق ما يفيض به الميدان من اعتداءات “إسرائيلية” متكررة، ومن حوادث متتالية في خطوط الهدنة، وبصرف النظر عن تفاؤل رئيس الأركان “الإسرائيلي” بني غانتس بتدني احتمالات انفجار حرب شاملة، في ظل انشغال الجيش السوري بمحاربة المعارضة المسلحة، وعدم قدرة اللبنانيين على مواجهة “إسرائيل”، فإن الحرب في جبهة الجولان القريبة من العاصمة السورية، وكذلك من جبهتين داخليتين ساخنتين هما حوران وريف دمشق، قد تقع، وبشكل مباغت، في أية لحظة، وفق ما يقدّر قائد سلاح الجو “الإسرائيلي” الجنرال أمير إيشل . وما يعزز هذا الاحتمال الذي لم يستبعد المحلل الروسي فيكتور كريمنيوك من “معهد الولايات المتحدة” في موسكو لجوء “تل أبيب” إليه بهدف ضرب منظومات ال “إس300” عندما يتم تسليمها ويبدأ في تجميعها، هو هرولة رئيس الحكومة “الإسرائيلية” ووزير حربه ورئيس أركانه إلى تحذير القيادة السورية من “العواقب الوخيمة” لأية عملية إطلاق نار جديدة في الجولان، ومكابرة هؤلاء وغيرهم من القادة العسكريين حيال قدرة سلاح الجو “الإسرائيلي” على مواجهة ال “إس300”، بعد أن سبق لهذا السلاح أن تدرب من قبل على مواجهة منظومات مشابهة موجودة عند حليفات له مثل اليونان وقبرص وأذربيجان .

غير أن كل ذلك لا يحجب واقع التردد والحيرة والارتباك الذي يلف القيادة “الإسرائيلية”، ومن خلفها الإدارة الأمريكية التي لا بد من موافقتها على أي عمل عسكري، سواء ضد سوريا أو أي من حلفائها، والذي يعكس، وبشكل جلي، عدم القدرة على اتخاذ قرار حاسم بخصوص سوريا التي تنوس الرغبة “الإسرائيلية” حيالها ما بين حدّي، الفرصة التي يمكن اقتناصها للمساهمة الفعّالة في عملية تدمير بناها العسكرية والاقتصادية، كتوطئة لتوريط حلف “الناتو” في حرب شاملة في المنطقة، والمخاطر الكبيرة التي ستترتّب على مغامرة كهذه يمكن إطلاق شرارتها، ولكن لا يمكن توقع سياقاتها ونتائجها، وخاصة في ظل تهافت الغرور الذي يجري على ألسنة القادة السياسيين والعسكريين أمام التقديرات الواقعية التي أعلنها قائد سلاح الجو، والمحذرة ل “الإسرائيليين” من أنهم “سيكونون مخطئين إذا تصوروا أن التفوق لمصلحتهم سيتكرر، كما كان الحال في الاشتباكات الأخيرة مع المسلحين الفلسطينيين في غزة أو حرب العام 2006 مع “حزب الله” في جنوب لبنان”، أو حتى ما شهدوه خلال حرب أكتوبر/ تشرين الأول 1973 . إذ إن “الجبهات مختلفة، وأنواع المخاطر، والمهل الزمنية، كل شيء يختلف . وهذا يستلزم قدرات أخرى تماماً تترجم في حجم قدرات تفعيل نار جوهرية من جانب سلاح الجو، لأن الجبهة الداخلية ستصاب، مهما دافعنا عنها” .

على أية حال، وبانتظار ما تحمله الأشهر والأسابيع، وربما الأيام المقبلة من تطورات ومفاجآت، فإن المثال الأبرز للرؤية “الإسرائيلية” المرتبكة حيال تعاطي الدولة الصهيونية مع الأوضاع المتدحرجة في سوريا، والمنطقة عموماً، يمكن العثور عليه لدى رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية السابق، اللواء (احتياط) عاموس يادلين الذي يمكن تلخيص مقاربته بما يلي: إن “تل أبيب” حددت أربع منظومات سلاح تلزمها بالعمل على وقف نقلها إلى “حزب الله” مهما كان الثمن: منظومات الدفاع الجوي المتطورة، صواريخ أرض- أرض بعيدة المدى، صواريخ شاطئ – بحر (ياخونت) والسلاح الكيميائي . لذا، فإن المواجهة مع “إسرائيل” خطرة جداً بالنسبة إليه . والأمر ذاته ينطبق على “حزب الله” الذي يريد الحفاظ على عمقه الاستراتيجي وعلى الجسر الذي يربطه بإيران، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الإيرانيين المعنيين بالحفاظ على أضلاع مثلث التحالف، وبحماية البرنامج النووي العسكري كمصلحة عليا .

ومع ذلك، وعلى رغم إمكان الرد السوري من خلال منظمات صغيرة من دون تبني ذلك، يصح الافتراض، حسب ما يرى يادلين، بأن الحدث لم ينتهِ، لا تكتيكياً ولا استراتيجياً، في المدى القصير، ما يفرض على أصحاب القرار في “إسرائيل”، وفق ما يرى، اتخاذ قرارات حاسمة وسريعة حيال كيفية مواجهة حيازة “حزب الله” منظومات سلاح متطورة وحرجة، وخاصة أن فرضية حرية العمل النسبية هي مجرد وهم وذخر متآكل، فضلاً عن الضغط المتراكم على القيادات في الطرف الآخر (سوريا وحزب الله) الذي يمكن أن يدفعه إلى نقطة انكسار، وإلى رد واسع متدحرج نحو تصعيد خطر .

26/5/2013 – الخليج

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة