70 views

نهاية “لبنان الكبير” ـ جهاد الزين

في لبنان… في السنتين الأولييْن ونيف من الصراع في سوريا، كان دعم “تيار المستقبل” بالسلاح والعتاد للمعارضين السوريين شبهَ علنيٍّ، فيما كان دعم “حزب الله” للنظام في سوريا سرّيا. الآن انقلبت الأدوار.

بعد خطاب أمين عام “حزب الله” يوم السبت المنصرم أصبح دعم “حزب الله” للنظام السوري علنيا ورسمياً بينما أصبح دعم “تيار المستقبل” (ومحيطه) شبهَ سرّي!

“تيار المستقبل” من شبه العلنية إلى شبه السرية بالسلاح والعتاد، و”حزب الله” من السرية المطلقة إلى العلنية المطلقة بالسلاح والعتاد والأهم بالمقاتلين.

كان انطباعي وأنا أسمع خطاب أمين عام “حزب الله” أننا وصلنا إلى هاوية أعمق في الصراع. ها نحن في سوريا ولبنان داخل حرب أهلية صافية سنية شيعية. كأنما كل ما سبق من تاريخ حديث في العقود الأخيرة كان “تدريبا” ممهِّداً للوصول إلى هذه اللحظة-الذروة في الأدوار. كان شعوراً بهَوْلٍ منتَظَر منذ انطلقتْ نذرُهُ من “انفصال” طرابلس وأريافها المسلمة عن لبنان والتحاقِها ب”الثورة” السورية. مع خطاب الأمين العام أمس الأول التحق البقاع الشمالي رسميا بالحرب في سوريا. هكذا هو لبنان اليوم عمليا: بلا شمال ساحلي سني وبلا شمال بقاعي شيعي. وإذا شئنا الصورة الرمزية الأوسع: عاد جبل لبنان (مع منطقة الأشرفية من بيروت) عمليا وحده هو لبنان السياسي… ولتهنأ الحركة الوطنية السورية بفرعيها السني والعلوي بهذا الإنجاز: لقد استعادت سوريا كل المناطق التي ألحقها الاستعمار الفرنسي قسرا بِ”لبنان الكبير”. ليس فقط الأقضية الأربعة بل كل جبل عامل وطرابلس وعكار.

ولْتهنَأ القوى المسيطرة على الأكثرية السنّية والأكثرية الشيعية في “لبنان الكبير” السابق: لقد أمّنتْ هذه القوى في الربع الأول من القرن الحادي والعشرين – ولوْ بصيغة حربٍ أهلية- إعادةَ هذه “المناطق المسلوبة” من سوريا في أواخر الربع الأول من القرن العشرين… إعادتَها إلى الكيان السوري الأوسع. الفارق الوحيد بعد تسعين عاما هو أن جدودنا السُنّة والشيعة رفضوا إلحاقهم بلبنان الكبير(“جدودنا” في حالتي الشخصية بالمعنى الحرفي) بينما نحن الأحفاد غير المنتمين إلى الأحزاب المسيطرة على طوائفنا لا نريد الالتحاق بالكيان السوري… نريد البقاء في “لبنان الكبير”.

نحن في قعرٍ جديد عميق بادئ في الهاوية التي أحدثها الزلزال السوري في لبنان.

طائفة سُنّية مجيّشة بروافد تمتد من اليمن إلى الأنبار بتعبئة ضد “الشيعيّة” المعاصرة بقيادة إيرانية، مضافا عليها تعبئة ضد الطابع العلوي للنظام السوري.

طائفيّة شيعيّة نجح “حزب الله” في تكوين وتربية مجتمعٍ معسكَرٍ واسعٍ داخلها وتشرب ماءها من تحوّلات وبنى جديدة في العقود الأربعة الأخيرة منذ قيام الثورة الإيرانية إلى سقوط صدام حسين. وعلى هذا المستوى ثمة قوى جديدة لم تكن موجودة خلال “سايكس بيكو” الأول قبل تسعين عاما. فإيران كانت لاعبا بعيدا عنه بقوة الحاجز العثماني منذ القرن السادس عشر. بينما بالنسبة لتركيا اللاعب العائد كان “سايكس بيكو” الأول مؤامرةً عليها، بينما في “سايكس بيكو” الحالي قد تكون شريكةً جديدة في الصراع على المشرق السوري العراقي بصورةٍ من الصور أو ربما ضحية متجدّدة له؟

الذي أريد أن ألفت نظرَ قرّاء هذا المقال له، أنني هنا لا أجادل “تيار المستقبل” ولا “حزب الله” في ما يفعلانه ويوغلان في فعله. فهما لا يفعلان في صراع إقليمي ودولي بهذا الحجم سوى ما لا يمكن إلا أن يفعلاه، الأول كتنظيم سعودي ذي شعبية واسعة وتحالفات في محيطه والثاني كتنظيم إيراني ذي شعبية واسعة. يحمل كلٌ منهما سمة “بلد المنشأ”: الأول قوة مدنية دينية سلفية مدعومة بتقاليد عقود من توظيف القوة المالية في مشاريع تعبئة والثاني قوة أمنية عسكرية تحمل كفاءة اللمسة الإيرانية في التنظيم السري.

ليس ما يفعله هذان التنظيمان هو الذي أناقشه ولكن النتائج المتمادية للدرجة الخطرة المعلنة التي بلغاها بنا باعتبار أن مايفعلانه هو ما “يفعله” كل السُنة وكل الشيعة. وهذا ليس صحيحا أيا تكن شعبيّتهما وشعبية الملتحقين بهما أو الناشطين في بيئتهما.

أريد أن أذكّر بأمرين:

الأول هو أن تجارب إطلاق أصوات خارج التنظيم أو التنظيمات المسيطرة على الطوائف خلال الحرب الأهلية السابقة… كلها فاشلة.

الثاني أن تجارب تجميع هذا الجهاز الطائفي لشخصيات معارضة لتنظيم طائفي آخر هي تجارب ليس فقط فاشلة بل بائسة أيضا إن لم أقل وخيمة بحيث كثيرا ما تحوّل (وليس دائما) إلى باب رزق فردي وحضور شكلي.

ما العمل إذن؟ لا عمل… سوى انتظار أقدارنا باعتبار أننا نعيش في “محطة قطار” وليس في وطن. على الأقل أنا أتصرّف على هذا الأساس مع ضرورة لفت انتباهكم أيها القراء الكرام إلى أن العيش على محطة قطار هو عيش ممتع من حيث تنوّعُهُ الحياتي والثقافي وإثارته وانفتاحه على الخارج…

28/5/2013 – النهار

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة