49 views

العدالة هي العدالة جرائم الحرب ما بين “الأشرار” و”الأخيار”! ـ محمد م. الارناؤوط

تصادف إعدام بائع القهوة الفتي محمد قطاع (15 سنة) في حلب خلال شهر حزيران من قبل الهيئة الشرعية التابعة لـ”الدولة الإسلامية في العراق وسوريا”، وغير ذلك مما تقوم به “الهيئات الشرعية” من توقيف وتحقيق (وتعذيب) بحق “المشبوهين”، مع جرائم حرب فظيعة تقوم بها قوات النظام أيضاً في أرجاء سوريا، وهو ما يثير مسؤولية جرائم الحرب بين “الأشرار” و”الأخيار”. وطالما أن الوضع يزداد انفلاتاً فإن هذا الملف يتضخم ويحتاج الى توثيق لكي تقوم العدالة بدورها في المستقبل القريب.

ويتصادف هذا أيضاً خلال شهر حزيران الحالي مع إعادة تعريف “الأشرار” و”الأخيار” ومسؤوليتهم عن جرائم الحرب التي وقعت في البوسنة وكوسوفا وغيرها من دول يوغسلافيا السابقة. فالحروب التي واكبت انهيار يوغسلافيا التيتوية قامت على أساس “الأخيار” و”الأشرار”، أي أن كل طرف يستخدم القوة لفرض رؤيته على الآخر كان يمثل “الأخيار”، بينما الطرف الآخر يمثل “الأشرار” الذين يستحقون ما يلحقهم به “الأخيار”. ولكن مع التدخل الدولي الذي اشتمل على ما هو عسكري وعلى ما هو سياسي وقانوني أيضاً (المساعدة على بناء دولة العدل والقانون) أعيد تعريف “الأخيار” و”الأشرار” وأصبح الجميع على منصة واحدة أمام القانون الذي لا يميز بين من يقوم بجرائم حرب هل هو من الصرب أو من الألبان، أو هل هو من “الجيش المحتل” أو من “جيش التحرير” إلخ.

صحيح أن بعض الصرب لا يزالون يعتبرون مجرمي حرب من أمثال راتكو ملاديتش ورادوفان كاراجيتش وغيرهم من “الأبطال” أو من “الأخيار”، ولكن العدالة تأخذ مجراها الآن ويُحاكم هؤلاء أمام القضاء الذي سيصدر في النهاية أحكامه العادلة. إن التحدي الأكبر يكمن في استمرار الفرز بين “الأخيار” و”الأشرار” على مستوى الدولة وليس على مستوى الأفراد والميليشيات، أي حين تستمر السلطة الجديدة في تبني تمثيل “الأخيار” ويقوم القانون بعكس ذلك أو اتهام هؤلاء “الأخيار” بأنهم من “الأشرار” الذين ارتكبوا جرائم حرب ضد مواطنيهم أيضاً وليس ضد “الأعداء”.

ولدينا في هذه الأيام حالة غير مسبوقة تتمثل في توقيف بعض كبار الشخصيات في الدولة الكوسوفية بتهمة ارتكاب جرائم حرب بحق مواطنيهم خلال “حرب التحرير” التي خاضوها خلال 1998-1999 ضد “جيش الاحتلال”(الصربي). فقد تم توقيف سفير كوسوفا في ألبانيا سليمان سليمي وفاضل درماكو عضو البرلمان الكوسوفي وسامي لوشتاكو رئيس بلدية سكندراي وغيرهم، وكل هؤلاء من شخصيات الحزب الحاكم “الحزب الديموقراطي الكوسوفي” أو الواجهة السياسية لـ”جيش تحرير كوسوفا” السابق. ويتهم هؤلاء بارتكاب “جرائم حرب” تتمثل في توقيف وتعذيب وقتل مواطنيهم في مركز الاعتقال التابع لـ”جيش تحرير كوسوفا” في قرية ليكوفتس خلال 1998-1999.

ومع أن ما حدث آنذاك نُسي مع التدخل الدولي العسكري خلال آذار- حزيران 1999 و”تحرير” كوسوفا من القوات الصربية وتأسيس إدارة دولية مؤقتة انتهت في 2008 بإعلان استقلال كوسوفا، وبخاصة مع ارتقاء هؤلاء “الأبطال” أو “الأخيار” (كما كان ينظر اليهم أولاً) وتوليهم مراكز مهمة في الدولة الجديدة، إلا أن التدخل الدولي كان له بعده القانوني أيضاً: المساعدة على بسط العدالة وإرساء دولة القانون الذي تمثل في تأسيس البعثة الأوروبية للأمن وحكم القانون (الاولكس). وإذا كان التدخل العسكري مرحباً به في البدء إلا أن التدخل القانوني لم يكن ذلك، وبخاصة بعد أن وسع تحقيقاته لتشمل أسماء كبيرة في موقع المسؤولية.

ويوضح هنا برنارد بورشار رئيس البعثة الأوروبية للأمن وحكم القانون (الاولكس) صعوبة العمل في مثل هذه الظروف، أي حين يرحب البعض بالتدخل الدولي العسكري بحجة وجود “جرائم حرب” ثم لا يرحبون بالتدخل الدولي القانوني لأجل التحقيق في “جرائم الحرب”. ويعطي بورشار هنا أمثلة على ذلك حيث أن إدارته ورثت عن الإدارة الدولية (الاونميك) 1200 قضية من “جرائم الحرب” وبتّت في 500 منها نتيجة لـ”نقص الأدلة” على حين أن الأمر احتاج الى مراجعة حوالى مليون صفحة من الوثائق المختلفة لأجل البت في القضايا الأخرى التي لا تزال عالقة.

وهكذا من أصل مئات الحالات يتم التحقيق حالياً في 100 حالة وتجري 5 محاكمات الآن بينما صدرت أحكام بحق 15 “مجرم حرب” فقط نتيجة للتموية والتغطية على أمثال هؤلاء من قبل مواطنيهم الذين يعتبرونهم من “الأبطال” أو “الأخيار”. ولكن بورشار يوضح هنا أن أكثر من نصف “جرائم الحرب” التي قام بها هؤلاء كانت ضد مواطنيهم (الألبان) وليس ضد “الأعداء” (الصرب) كما كان يعتقد.

وبعبارة أخرى إن ما جرى في البلقان من حروب وجرائم حروب باسم الصراع بين “الأخيار” و”الأشرار” وأدى الى تدخل دولي عسكري ثم قانوني يعني أن جرائم الحرب بحق المدنيين هي جرائم حرب وينبغي أن توثق بغض النظر عما يدعيه الآن “الأخيار” و”الأشرار” في سوريا لكي تأخذ العدالة مجراها في المستقبل القريب.

 25/6/2013 – المستقبل

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة