86 views

السفير: «أحرار الشام» لواشنطن: نحن من تبحثون عنه13.07.2015

من وراء ستار واهٍ من الانتقادات المهذبة التي وجهها مسؤول العلاقات الخارجية في «أحرار الشام» لبيب النحاس إلى سياسات الولايات المتحدة في سوريا، في مقالة نشرتها له صحيفة «واشنطن بوست» قبل أيام، عرضت الحركة خدماتها على إدارة الرئيس باراك أوباما لتكون السبيل إلى تصحيح الأخطاء الأميركية، مقابل أن تتبناها واشنطن كقوة معتدلة تتحالف معها على الأرض.
وكان لبيب النحاس واضحاً في الرسالة التي أراد إيصالها عبر المنبر الأميركي إلى إدارة أوباما، ومفادها باختصار «نحن المعتدلين الذين تبحثون عنهم للتحالف معهم على الأرض».
وفي تساؤل يمثل جوهر هذه الرسالة، يقول النحاس: «السؤال الوحيد الذي بقي برسم الإجابة هو من سيطلق عليه (على النظام السوري) رصاصة الرحمة، تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) أم المعارضة السورية؟ هذا السؤال يجب أن يدفع واشنطن للاعتراف بأن الفكر المتطرف لتنظيم الدولة لا تمكن هزيمته إلا عن طريق خيار سني سوري». وبالتأكيد فإن هذا الخيار السني ليس سوى «أحرار الشام»، التي وصفها النحاس، في مقالته، بأنها «جماعة إسلامية سنية ضمن تيار الغالبية. يقود هذه الجماعة سوريون يقاتلون من أجل السوريين».
كما أن فحوى الانتقادات التي وجهها النحاس، بأسلوب موارب، لسياسة واشنطن في سوريا تتمحور حول الخطأ الذي ارتكبته إدارة أوباما في تحديد مفهوم «الاعتدال»، وإخراج حركته من هذا المفهوم. وفي هذا السياق، ذكّر النحاس بتصريح وزير الخارجية الأميركي جون كيري في كانون الأول الماضي الذي قال فيه: «لا يجب أن يختار السوريون بين طاغية وإرهابيين، فهناك خيار ثالث هو المعارضة السورية المعتدلة التي تقاتل كلا من المتطرفين الإرهابيين و(الرئيس السوري) بشار كل يوم». ويعقب النحاس بأن «هذه النظرة الجديرة بالثناء تم تحطيمها بسبب تعريف الولايات المتحدة لمفهوم الاعتدال بطريقة ضيقة واعتباطية، استثنت جل التيار الرئيس للمعارضة»، في إشارة إلى «أحرار الشام» التي قال عنها كما سبق لزعيم «جبهة النصرة» أبو محمد الجولاني في لقاء «الجزيرة» أن قال عن جماعته «تتمتع بالدعم الشعبي بين صفوف الحاضنة المحلية. ويعتبرنا السوريون جزءا أساسياً وعنصراً ثميناً في المشهد العام للثورة، ومع ذلك تم تشويهنا ظلما من قبل إدارة أوباما منذ اليوم الأول».
وفي تأكيد مباشر على رغبة حركته بالتحالف مع الولايات المتحدة، وعدم ممانعتها في أن تلعب دور «القوة المعتدلة» التي تبحث عنها واشنطن، قال النحاس، في ختام مقالته، «ما زالت الفرصة سانحة للولايات المتحدة لتغيير مسارها. الخيار الثالث الذي طرحه جون كيري موجود، ولكن على واشنطن أن تفتح عينها وتبصره». كما شدد على «التزام حركته بالحوار مع المجتمع الدولي، وأن القضايا التي تحتاج النقاش هي كيفية إنهاء حكم الأسد، وكيف يمكن هزيمة تنظيم الدولة، وكيف يمكن أن نضمن حكومة مستقرة تمثل السوريين في دمشق، ومن شأنها أن تضع سوريا على طريق السلام والتصالح والتعافي الاقتصادي، بينما نمنع تفكك الدولة».
وتأتي هذه المقالة، التي نشرت تحت عنوان «النتائج القاتلة للتصنيف الخاطئ للثوار في سوريا»، لتؤكد من جهة أن «المراجعات» التي تقوم بها بعض قيادات «حركة أحرار الشام» لا تزال مستمرة، وأنها لا تقتصر على الجانب العقائدي الديني وإنما تشمل أيضاً الجوانب السياسية ومعايير التحالفات التي يمكن إبرامها. ولتؤكد من جهة ثانية أن المشهد «الجهادي» السوري لم ينضج بعد، وما زال أمامه مشوار طويل من المفاصلات بين الفصائل الإسلامية، خاصةً أن الآراء الواردة في المقالة تناقض بشكل كبير التوجهات التي تعلن عنها «جبهة النصرة». وما يؤكد ذلك أن النحاس لمّح إلى براءة جماعته من فكر «القاعدة»، معتبراً أن الاتهامات التي تتحدث عن وجود روابط تنظيمية أو فكرية بينها وبين «القاعدة» هي اتهامات باطلة. ولكن النحاس لم يحاول تبرير أو تفسير استمرار التحالفات العسكرية المتينة بين «أحرار الشام» و «جبهة النصرة» (فرع «القاعدة» في الشام).
وليست هذه النقطة الوحيدة التي تجاهلها النحاس، بل يمكن القول إن ما سكت عنه أكثر بكثير مما تحدث عنه، فهو لم يشر من قريب أو بعيد إلى مصير «الدولة الإسلامية»، التي تهدف الحركة إلى تأسيسها وتحكيم الشريعة الإسلامية بموجبها، وذلك حسب ما يتضمنه ميثاق الحركة وأدبياتها كافة.
كما لم يتطرق إلى موضوع وجود «المقاتلين الأجانب» في صفوف حركته، وإشغال مئات «الأمراء» المصريين والسعوديين والتونسيين لأعلى المناصب في سلم تراتبيتها، بالإضافة إلى تولي بعض قدامى «الأفغان العرب» مناصب قيادية في الحركة، كان على رأسهم أبو خالد السوري وأبو حفص المصري وأبو أسيد الجزراوي الذين قتلوا في حوادث منفصلة.
وما يلفت الانتباه أنه بينما يتولى المحور القطري ـ التركي مهمة تلميع «جبهة النصرة»، وفتح الأبواب أمامها للظهور الإعلامي ومخاطبة الرأي العام بالرغم من أنها مصنفة عالمياً كتنظيم إرهابي، فإن بعض الصحف الأميركية تستمر في نشر مقابلات أو لقاءات مع قياديين في بعض الفصائل الإسلامية الأخرى ـ غير المصنفة إرهابية ـ وعلى رأسها «جيش الإسلام» و «أحرار الشام»، حيث أجرت صحيفة «مكلاتشي» الأميركية لقاء مع زعيم «جيش الإسلام» زهران علوش قبل أسابيع، هو الأول من نوعه، فيما تولت «واشنطن بوست» مهمة نشر مقالة مسؤول العلاقات الخارجية في «أحرار الشام» وهي خطوة غير مسبوقة في الإعلام الأميركي، لا سيما أن كيري هدد في تصريحات سابقة بوضع «أحرار الشام» على قائمة الإرهاب الأميركية. وهو ما يشير إلى أن مثل هذا التعاطي الإعلامي المستجد مع «أحرار الشام» قد يعكس تغيراً في نظرة الإدارة الأميركية تجاه الحركة، أو بشكل أدق فهو يشير إلى نجاح المساعي الأميركية في استقطاب الحركة بعد محاولات عدة باءت بالفشل.
ومن المعروف في هذا السياق، أن السفير الأميركي السابق في دمشق روبرت فورد حاول، منذ العام 2013، من خلال اجتماعات عديدة عقدها في تركيا مع قيادات من «أحرار الشام»، أن يستقطب الحركة إلى المحور الأميركي ويجعلها أداة أميركا في الداخل السوري، إلا أن شروط القيادة السابقة للحركة، التي اغتيلت من قبل جهة مجهولة أواخر العام الماضي، كانت تعرقل الوصول إلى نتائج إيجابية لهذه الاجتماعات. وهو على ما يبدو أن القيادة الحالية تجاوزته بفعل التطورات الميدانية وبفعل تراجع دورها المؤثر في الأحداث، وقررت أن تعرض هي خدماتها على واشنطن بانتظار شروط أميركا هذه المرة لقبول هذه الخدمات.
ويكفي للتدليل على التغير الذي طرأ على توجهات «أحرار الشام» مقارنة كلام مسؤولها الخارجي السابق مع تصريح أدلى به «أميرها العام» الراحل حسان عبود، في العام 2013، عندما أكد أن «كل قوة غازية تطأ الأرض السورية، تحت أي ذريعة سواء لمناصرة النظام أو بزعم إيقاف عدوانه، ستعامل كقوة احتلال» ولكن وبسحر ساحر أصبحت القيادة الجديدة، اليوم، تقدم نفسها لتكون مطية يركبها «الاحتلال».

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة