74 views

الافتتاحية.. تيار مواطنة 03-08-2015

انتهى استعصاء المباحثات الإيرانية الغربية بعد ثماني سنوات باتفاق يضعف الدور النووي والعسكري الإيراني استراتيجياً دونأن ينهي دور إيران وتدخلاتها الإقليمية،على الأقل في الأمد المنظور،مع أنه ربما يضعفها ويحد من غلواء اندفاعها وابتهاجها بدورها السياسي والعسكري في أكثر من عاصمة عربية،لكن الاتفاق التركي–الأمريكي لن ينهي الاستعصاء الموجود في سورية بل ربما يكتفي بفتح نافذة ضيقة فيه. مع ذلك فإن هذا الاتفاق بموازنته بين المصالح التركية والأمريكية ربما يشكل بداية لمسار حل سياسي، لا يبدو أنه وشيك أو سريع،ولا يزال يكتنفه بعض الغموض، هذا الاتفاق يحقق المطلب الغربي والأمريكي ليس فقط في السماح بضرب داعشمن أكثر من قاعدة طيران تركية بل في المشاركة التركية المباشرة في ملاحقة داعش في تركيا وسوريا وضرب مواقعها،وهذا ينقل الموقف التركي نقلة هامة،بعد زمان من السكوت والتستر على تسرب المقاتلين والسلاح والإمداد لتنظيم الدولة الإسلامية، بهدف ضرب وإضعاف النظام الأسدي،هذا الهدف الذي لم يكن وارداً على جدول الأعمال الغربي والأمريكي،إلا بعد استخدام الكيماوي من قبل النظام واستطاعت حينها الدبلوماسية الروسية تجنيب النظام هذا المصير.ولكن مقابل هذا التنازل التركي قدم الأمريكان تنازلات مهمة لصالح التوجهات التركية في طريقة التعامل مع الملف السوري، فحصلوا على الموافقة على المنطقة الآمنة بطول يقارب 100 كم،ربما بين جرابلس شرقاً على الحدود التركية ومارع غرباً،وبعمق حوالي 50 كم،وحظر الطيران الحربي فوقها،وحصلوا على وعود بالعمل من أجل تسوية سياسية تنهي نظام بالأسد، وعلى دورعسكري للمعارضة المعتدلة ضد كل من الأسد وداعش والتيارات التكفيرية الأخرى، وأخيراً-وهذا أمر يلامس الوضع الداخلي التركي بشكل كبير- حصل الأتراك على الموافقة الأمريكية على تنفيذ ضربات عسكرية ضد مقاتلي “حزب العمال الكردستاني” الذي هو بالتعريف الأمريكي حزب إرهابي، لكن مواجهة فرعه السوري “حزب الاتحاد الديمقراطي الكردستاني PYD”لداعش كانت تحظى دائما بالتقدير الأمريكي الايجابي.

وقبل محاولة تلمس تأثير هذا الاتفاق على أوضاع سورية والمنطقة لابد من الانتباه إلى عامل الوقت وآليات التنفيذ، فالأتراك لن يتورطوا وحدهم في “المستنقع السوري”، خاصة أنهم سيكونون بمواجهة-ليست عسكرية دائماَ- مع ثلاثة أطراف:داعش ومن يؤيدها، وأنصار حزب العمال الكردستاني، و النظام السوري، لذلك لن نستغرب أن يمر بعض الوقت قبل التوصل إلى خطة التنفيذ التي سيكون حلف الأطلسي هو المسؤول عنها، وهذا ما يحقق للأتراك ضمانة في أن لا يكونوا وحدهم في مواجهة أية مضاعفات محتملة مع الأطراف المتضررة من الخطة التركية-الأمريكية.

ورغم التأخر المحتمل الذي لا يتوقع أن يكون طويلاً، فإن هذا الاتفاق يشكل منعطفاً هاماً في تغير السياسات في المنطقة يخرجنا من التناقضات والتعارضات بين طرفين هامين فاعلين يعارضان استمرار النظام الأسدي.

ودون الإفراط في التفاؤل، فإن  ما سيحصل في المستقبل القريب هو: إبعاد داعش عن مناطق سيطرتها وخطوط إمدادها غرب سورية، دون أن يكون الطرف المستفيد، الذي سيملأ الفراغ، هو النظام السوري بل قوى عسكرية وسياسية سورية، وربما هنا تطرح من جديد مشكلة البديل العسكري المقبول غربياً و/أو تركياً للتواجد والسيطرة، وإذا افترضنا عودة اللاجئين الموجودين في الجانب التركي وعددهم ربما لا يقل عن مليون ونصف فلابد أن يكون هناك مجال لعمل سياسي وشعبي، ولعمل منظمات المجتمع المدني وربما عودة وبناء الكثير من المؤسسات والهيئات الخدمية والبنى التحتية التي يتعثر عملها بسبب عدم استقرار الأوضاع والقصف المستمر لهذه المناطق من قبل النظام الذي جعل الحياة فيها صعبة أو مستحيلة، هذا الوضع الجديد يشكل تجسيداً لحلم المتظاهرين السلميين السوريين في تأمين حماية دولية لهم وسيساهم في عودة هامش كبير من الحريات العامة :حرية التنظيم،حرية الصحافة، حرية التظاهر….الخ، وبتفاؤل أكثر قليلاً ربما نأمل بعودة شعارات الثورة السورية في الحرية والكرامة وفي وحدة الشعب السوري إلى صدارة المشهد السياسي. وبعد التجارب ومعاناة الشعب السوري في الكثير من المناطق من فوضى السلاح وتجاوزات المسلحين ومن إرهاب وقمع ومصادرة المجتمع من قبل التنظيمات المتطرفة، سيعود للنشاط السلمي والمدني أهميته، إن تحقق التصور السابق في المنطقة المحمية سيكون له أيضاً تأثير كبير على بقية المناطق فهو سيشكل مثالاً جاذباً للمناطق التي تخلصت من سيطرة النظام وسيخلق أملاً جديداً للمناطق التي لا تزال واقعة تحت سيطرته.

لكن هذه التصورات المحتملة، الوردية إلى حد ما، سيتفاوت تحققها تبعاً للطرف أو الأطراف العسكرية والسياسية التي ستكون لها الغلبة في هذه المناطق، وعلى الرغم من الأنباء المتعلقة بقيام النصرة بخطف ثمانية مقاتلين دربتهم أمريكا فإن الحادثة تعطي مؤشراً عن الصراعات المتوقعة في المنطقة الآمنةولكن ربما نتوقع أنالإشراف المباشر للأطلسي وتركيا لن يقدم هذه المنطقة لقوى الإسلام المتطرف، مع ذلك فإن المستقبل يبقى مفتوحاً على احتمالات عديدة.

بقي أن نقول فيما يخص الجانب المتعلق بالـ PYD، إن التغيرات الكبيرة التي طرأت على وضع الحزب وأنصاره في تركيا في السنوات الأخيرة، وبعد اعتقال أوجلان، لم تعد تسمح بالعودة إلى العمل المسلح كوسيلة نضال لتحقيق أهداف الحزب، ولذلك فإن الرد التركي على الممارسات المسلحة سيكون محصوراً ومحدوداً،وفي الجانب التركي من الحدود، وتبقى مشكلة مواجهة الـ PYD في سورية، فهذا الحزب يواجه داعش في أكثر من مكان ويحظى بتأييد شعبي كردي لكنه أيضاً، على الرغم من عدم تبنيه لمشروع دولة أو كيان كردي،يضيق على أشكال النشاط والتنظيم لبقية التنظيمات الكردية وغير الكردية، ويقيم شكلاً من أشكال التنسيق والتعاون –ينفيه زعيم الحزب صالح مسلم ويعتبر أن النظام السوري “فقد شرعيته ويلفظ أنفاسه الأخيرة”- في حين نشهد فعلياً تنسيقاُ ظاهراً في الحسكة بين الطرفين في مواجهة داعش، وعلى الرغم من أن هذا التنسيق يأتي على قاعدة ضعف النظام الأسدي فإن الـ PYDيجيره لمصلحته الخاصة ولتصوره الخاص بالمصلحة الكردية وليس بما يصب في مصلحة الثورة السورية التي أول ما تستلزم هو إنهاء حكم الأسد والبدء في المرحلة الانتقالية وفق جنيف 1، لذلك فإن الاتفاق التركي الأمريكي، بمقدار إدراكه للوضع الخاص لهذا الحزب، لن يستهدف الأكراد السوريين كقومية باعتبارهم  يشكلون خطراً راهناً أو محتملاً على تركيا، لكن هل يمكن أن يصطدم مع الـ PYD باعتباره حليفاً للنظام السوري وباعتباره سيرى في أي دور تركي استهدافاً لأكراد سورية؟

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة