114 views

حلب كجزء ضروري من «سوريا المفيدة»-بكر صدقي

شكل قصف طيران النظام الكيماوي لمشفى القدس في حي السكري، جنوب حلب، نقطة الذروة في حرب الإبادة التي يشنها التحالف الروسي ـ الإيراني ـ الكيماوي على عاصمة الشمال. ومن المحتمل أن تشهد هذه الحرب الموضعية، في إطار الحرب الشاملة على سوريا، انحساراً نسبياً، تمهيداً لابتزاز المعارضة في حلب وجنيف لتقديم تنازلات، تحت ضغط المأساة الإنسانية، من شأنها تقوية الموقع التفاوضي للنظام وحلفائه.
بهذا المعنى تتفوق الحرب على حلب، في أهميتها الاستراتيجية، على الحروب الموضعية الأخرى التي حقق فيها التحالف المذكور بعض النجاحات.
تتحدث تقارير صحافية عن مطالبة روسية بخروج «الفصائل المعتدلة» من حلب الشرقية، على غرار ما حدث سابقاً في مدينة حمص. ولا يبدو أن الولايات المتحدة على خلاف، بهذا الخصوص، مع روسيا، بعدما أعطى جون كيري الضوء الأخضر لقصف حلب، بحديثه عن صعوبة الفصل والتمييز بين جبهة النصرة والفصائل المعتدلة. وإذا كان الأمريكي يريد، من خلال هذا الموقف، الضغط على الهيئة العليا للمفاوضات لتعود إلى طاولة جنيف، فالروسي يريد أن يستعيد النظام السيطرة على كامل المدينة، بعد تدمير شرقها على رؤوس شبح جبهة النصرة غير الموجودة أصلاً إلا بعدد قليل من المقاتلين. فإذا تحقق لها ذلك، سواء بصفقة جزئية أو بمواصلة الحرب الحالية بلا توقف، ستكون الحملة القادمة على محافظة إدلب والريف الشمالي لحماة المجاورين لحلب، أكثر يسراً، بعد قطع خط الإمداد الرئيسي من الشمال. خاصة وأن القوى الرئيسية المسيطرة على إدلب تتشكل من جبهة النصرة وحليفها أحرار الشام اللذين لن تمانع واشنطن في شن روسيا حرب إبادة عليهما.
ولكن ماذا تستفيد روسيا أو الولايات المتحدة من سقوط مفترض لمدينة حلب؟ فالنظام كان يواجه صعوبة في مواصلة سيطرته على حلب الغربية، أصلاً، بسبب محدودية قواته، ويستعين بميليشيات أجنبية ومحلية لسد هذا العجز والحفاظ على مناطق سيطرته. ذلك أننا نتحدث عن حسم عسكري سريع تمهيداً لـ»حل سياسي» مفترض، يحافظ على النظام كما هو، بلا أي تعديلات جدية، وفقاً للفهم الروسي للحل السياسي.
يراهن الروس وعميله المحلي على ضغط أمريكي على المعارضة لإرغامها على القبول بما لا يمكنها القبول به، تحت طائلة فقدانها لشرعيتها وتمثيليتها. ولن يبقى أمام التحالف الروسي ـ الإيراني ـ الكيماوي، والحال هكذا، إلا استبدال «المعارضات» المفبركة (مجموعات القاهرة وموسكو وحميميم) بوفد الهيئة العليا للمفاوضات، في محاولة يائسة لفرض حل سياسي مزعوم، لن يكون غير إعادة انتاج رديئة لنظام فاقد السيطرة والشرعية والمعنى. بكلمات أخرى، لن ينجح الروس في تحقيق انتصار سياسي سريع يتوج حملتهم العسكرية المكلفة. فما البديل؟
بعد الإمساك المفترض بحلب، وفشل الروس المحتم في جني ثمرة سياسية من ذلك، لن يبقى أمامهم غير العودة إلى الخطة (ب) ربما بمباركة من «المجتمع الدولي»، أي السيطرة على «سوريا المفيدة» من حلب إلى دمشق وما يقع غرب هذا الخط العمودي من اللاذقية شمالاً إلى جبال القلمون جنوباً وصولاً إلى القنيطرة ودرعا والسويداء.
لكن السؤال العنيد سيبقى قائماً، حتى لو سارت هذه الخطة المشؤومة على خير ما يرام، من وجهة نظر التحالف الكيماوي: هل يستطيع هذا النظام أن يحكم «سوريا المفيدة» نفسها كأي حكومة طبيعية في دولة طبيعية؟
ففي تلك السوريا المفيدة المفترضة لن يشكل الموالون العضويون الملتصقون بالنظام إلى النهاية إلا أقلية، مقابل معارضة اجتماعية واسعة مرغمة على الصمت، يسهل أن تتحول إلى بيئة حاضنة لعنف مضاد للنظام وموالاته العضوية. وكأن سوريا القديمة تقلصت جغرافياً، وفقاً لهذا السيناريو المشؤوم، من غير أن تتغير توازناتها الاجتماعية بين موالاة ومعارضة، مع الحفاظ على كل أسباب الثورة على «نظام» تجاوزه التاريخ، لكن الفاعلين فيه رفضوا الاستجابة لمتطلباته. وهذا على فرض استمرار الموالاة العضوية في موالاتها، وهو افتراض مشكوك فيه بعد التضحيات الكبيرة التي قدمتها تلك البيئة الاجتماعية في حرب نظامها الكيماوي على سوريا طوال السنوات الخمس الماضية.
المؤسف أنه ليس أمام السوريين غير مزيد من الحرب والخراب، إلى أن تحدث المعجزة في زمن لا يعترف بالمعجزات.

٭ كاتب سوري

القدس العربي  5-5-2016

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة