457 views

مشروع الاتفاق الروسي- الأمريكي هل ينقذ سورية؟

إن تتابع الضربات الإرهابية الداعشية، في أوربا خاصة، يعبر عن احتداد أوار المعركة وعن محاولات إجرامية يائسة لرد الاعتبار بعد نجاح الجهود الدولية لأطراف متنوعة، في وقف تمدد تنظيم الدولة ، الذي كان قد أسس ” دولته ” في الرقة والموصل ، بحيث أصبح التراجع العسكري للتنظيم في العراق وسورية هو ما يميز هذه المرحلة ،وربما الأهم من ذلك كله أن إدراك التنظيم لحجم التهديد الذي ينتظره على يد التحالف العالمي ،دعاه إلى استنفار المؤمنين ب “يوتوبيا “الدولة الإسلامية ليظهروا للعالم ،أنه قادر على توجيه ضربات انتقامية موجعة ، عسى أن تشكل تهديدا يعيق القضاء عليه
.إن داعش فهمت جيداً أن الصراع يتجه نحو كسر العظم وأن مقومات استمرارها ،والتناقضات التي كانت تسمح بوجود التنظيم وتمدده قد تغيرت ،فلم يعد الأمر يقتصر على ضربات جوية تضعف التنظيم أو تغتال بعض قياداته أو تضرب بعض مراكزه الاستراتيجية ،من هنا يمكن قراءة مسودة الاتفاق الأمريكي الروسي التي تداولتها وسائل الإعلام والتي نقتطف نقاطها الرئيسة باعتبارها ( مقاربة للتعاون العملي بين الروس والأميركيين ضدّ داعش وجبهة النصرة، ولترسيخ وقف الأعمال العدائية لتكون خطوات باتجاه التوصّل إلى تفاهم أكثر شموليّة بين الولايات المتّحدة و روسيا، مع تحديد مهلة نهائيّة في 31 تمّوز (يوليو) 2016 لحلّ المسائل المترابطة الثلاث التي تمّ تصميمها للتوصّل إلى نهاية مستدامة للصراع وهزم داعش وجبهة النصرة وهي:
1- تعاون عسكري واستخباراتي بين روسيا والولايات المتّحدة لهزم داعش وجبهة النصرة.
2- ترجمة وقف الأعمال العدائيّة إلى وقف إطلاق نار مستدام على نطاق الوطن كلّه ، يُطبّق على مراحل خلال العمليّة الانتقالية السياسيّة . 3- وضع إطار عمل للعملية الانتقالية السياسية يتماشى مع قرار مجلس الأمن رقم 2254. )
بداية نعتقد أن المساهمة الدولية ترتبط بشكل أساسي بالدورين الروسي والأمريكي ، فالتنسيق بين هذين الدورين هو وحده القادر على إيصال الصراع في سورية إلى نهاية حقيقية، وأن دور الأطراف الأخرى الأوربية مثلا أو ربما الأطراف الإقليمية، كلها أو بعضها ، يمكن أن تكون فاعليته من خلال اندراجه في آليات الاتفاق الروسي الأمريكي ، وفي حين أن مواجهة داعش في العراق تتم بدعم أمريكي وبمعزل عن أي دور روسي ، فإن ما يجب التأكيد عليه هو عدم فصل استراتيجية وتكتيكات مواجهة الإرهاب في البلدين المتداخلين سكانياً وجغرافياً ،فتجاوزهذه الحقيقة ،يؤخر تحقيق النتائج ويمكٍن الإرهاب من المناورة والاستفادة من الامتداد الجغرافي الواسع بين البلدين من أجل الاحتفاظ بمواقع نفوذ قادرة ،إن لم يكن على استعادة المواقع التي خسرتها فعلى الأقل،على استخدام مواقعها لتوجيه ضربات إرهابية موجعة .
من جهته لا يزال النظام السوري وحلفاؤه منتشين بالاصطفاف العالمي ضد الإرهاب، ليس فقط سياسيا بل عمليا ومن خلال تنسيق عسكري عملياتي ، لذلك هو يحلم أن يستفيد من هذا العمل العالمي الذي سيتم بدرجات من التنسيق معه ،كما كان يطالب دائماً،دون أن يدفع ثمناً سياسيا حقيقياً ،لا يتفق العالم على تفاصيله،فالصيغة الأخيرة التي صدرت منذ يومين عن الاجتماع الوزاري للتحالف الدولي في واشنطن : “وإن التوصل الى حل سياسي تفاوضي للنزاع هو أمر أساسي لإلحاق الهزيمة بتنظيم داعش “هي صيغة مناسبة تماماً لكنها تحتاج إلى ربط وثيق ،موضوعي و زمني، بالاتفاق الروسي الأمريكي ،وإلا فإن الضغط الأمريكي والأوربي على روسيا من أجل الضغط على النظام السوري، ليس كافياً لإعطاء الانتقال السياسي أهميته الأساسية لدعم استراتيجية مواجهة داعش والنصرة ،ورغم الاختلاف على بعض التفاصيل عالمياً لا تزال السيرورة المرسومة تتسم بالتتابع لا بالتواكب أي أن الانتقال السياسي سيأتي دوره ، ولكن دائما بعد إنجاز هزيمة داعش والنصرة .ورغم ما يتسم به المشروع الثلاثي”الألماني –الفرنسي- البريطاني” من وضوح له أهميته، في جميع الأحوال، بمطالبته بانتقال سياسي حقيقي تنتقل فيه جميع السلطات التنفيذية الى حكومة انتقالية تنتقل اليها سلطات الرئيس، وبعدم مشاركة الأسد في انتخابات ،حتى لو كانت خاضعة لرقابة دولية ،فإن هذا المشروع محكوم بالتتابع أيضاً لا بالتواكب.

نعتقد أن مأزق أي حل سياسي في سورية هو عدم تواكب المسارين السياسي والعسكري فهزيمة داعش والنصرة ليست مسألة تقنية عسكرية فحسب، إنها ترتبط بسياق تطورات الوضع السوري خلال أكثر من خمسة سنوات، وربما تعود جذور المشكلة إلى سنوات سابقة عندما كانت أمريكا تطالب النظام السوري بالسيطرة على حدوده التي يتسلل منها المتطرفون الإرهابيون بالتنسيق الكامل مع المخابرات السورية ،ما نقصده أن المشكلة تعود لطبيعة الأنظمة الموجودة في المنطقة وصراعاتها ،وإذا كان هناك شبه إجماع على محاربة داعش وتراجع كبير في تأييد النصرة ،التي تظاهر الكثيرون من السوريين ضد ممارساتها ، ولكن ربما بسبب ضعف الكيانات العسكرية الأخرى ،فإن بعض الناس في مناطق المعارضة لا يزالون يقيمون إيجابياً دورها في مواجهة النظام ،هذا الدور الذي تعاظم وأصبح رئيسياً في الكثير من المناطق بعد الضعف والتفكك والخذلان الذي تعرضت له كتائب الجيش الحر، وحتى الأن لم يكتب النجاح لكل المشاريع التي حاولت إعادة الإعتبار لهكذا كيان وهنا لابد أن نؤكد أن إعلان النصرة الانفصال عن القاعدة وتغيير اسمها لا يغير في الأمور كثيرا فالمشكلة الحقيقية أن هذا التنظيم لا يحمل مشروعاً وطنياً سورية ، إن عملاً سياسياً عسكرياً على المستوى المحلي يحظى بدعم دولي كاف ،هو وحيده الكفيل بعكس العملية أي بتراجع النصرة ومن يؤيدها ، وتقدم دور الشركاء المحليين من المكونات العسكرية والسياسية التي تحمل مشروعاً وطنياً لسورية ،مع توفير كل الظروف المناسبة لنجاح هذا التفاعل العكسي، وبغير ذلك فإن التنسيق مع النظام السوري سيكون له أثر سلبي على المشروع الأمريكي الروسي وإظهار أنه في مواجهة الشعب السوري وليس في مواجهة داعش والنصرة فحسب ،فالنظام مع حلفائه سيسعى إلى تقديم احداثيات الأهداف التي يفيده ضربها بغض النظر أنها تابعة للنصرة أو داعش أو لغيرهما، وبغض النظر أنها أهداف مدنية “مشافي أو أسواق…الخ” لان ما يريده هو حرب الإبادة وحرب الأرض المحروقة ،على العكس مما يعلنه من استعداد للحل السياسي . وفي حين أقر التحالف الدولي بقتل مدنيين جراء قصف منبج خطأً لا يزال الروس ينكرون ما يقومون به من قصف للمشافي والمنشآت المدنية ، يجب أن يرى السوريون من الوقائع ما يسمح لهم بالقناعة أو الأمل، في المدى المنظور على الأقل بأن التغيير السياسي قادم و حقيقي وأن الضربات العسكرية للتحالف الدولي تتجنب مناطقهم المدنية هكذا يمكن أن يبتعدوا عن النصرة وربما حتى عن أية كتائب أو قوى عسكرية لا تندرج في إطار الحل السياسي ،أما العسكريون من الكتائب العسكرية المختلفة ومن أجل تقدم المشروع الروسي الامريكي فلا يجب إضعافهم عسكريا ، فهم ايضا وبمقدار ما يلوح الحل السياسي في الأفق سيفكرون بوقف القتال ، سيفكرون بالحياة ،وليس بالقتال حتى الموت ،وسيجدون أن الأطر الإدارية والعسكرية والدينية الشرعية والسياسية التي فرضتها عليهم الحرب لا تتناسب مع حاضر ومستقبل البلد .

تيار مواطنة 25/07/2016

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة