217 views

أردوغان والانقلاب في أنقرة- فادية فهد

img

«تمّ اعتقال كلّ الشخصيات في تركيا، ولم يبقَ سوى أمينة»!، والمقصود هنا أمينة أردوغان سيدة تركيا الأولى. هذا ما كتبه بعض الناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي تندّراً، في إشارة الى حملة التطهير الواسعة التي شهدتها تركيا بعد محاولة الانقلاب الفاشلة، والتي شملت كل مؤسسات الدولة، العسكرية منها، والتشريعية والمالية والإعلامية وحتى التربوية والدينية. أكثر من خمسين ألف شخص عوقبوا على محاولة الانقلاب الفاشلة وصِلتهم بفتح الله غولن، المتّهم بالتخطيط والتدبير لها، بينهم جنرالات وضباط كبار وجنود ورجال شرطة وقضاة واقتصاديون وعمداء كليات وجامعات وأساتذة وتربويون ورجال دين وغيرهم. فبدا المشهد الديموقراطي المؤثّر الذي تصدّرَتْ صوره الصحف العالمية غداة فشل الانقلاب الشهير، وفيه حشود تركية تملأ الطرق وتمنع الدبابات من التحرّك لتنفيذ انقلابها، وتؤدي صلاة الفجر في الشارع، بدا كمقدّمة لانقلاب من نوع آخر، وصفه المحلّلون ب «الانقلاب على الدولة التركية». وهو ما كان استشرفه وزير الخارجية الفرنسي جان مارك إيروت غداة فشل الانقلاب، عندما صرّح بأن «الانقلاب الفاشل في تركيا لا يمنح الرئيس رجب طيّب أردوغان شيكاً على بياض لتجاوز المبادئ الديموقراطية… يجب ان يأخذ القانون مجراه».

والواقع أن أردوغان استغلّ الشيك الذي تحدّث عنه إيروت وصرفه لحسابه الشخصي وتقوية موقعه، مقوِّضاً بردّ فعله المبنيّ على خوفه من انقلاب جديد، أُسس الجمهورية التركية الحديثة التي بناها أتاتورك، بكلّ مؤسساتها الحكومية والعسكرية والدستورية والقضائية والاقتصادية والتربوية، والتي استوحاها «أبو الدولة التركية الحديثة» من دساتير الدول الأوروبية وقوانينها المتطوّرة، ومسيراتها الطويلة في التنظيم المؤسساتي العصري والحديث.

وصل أردوغان إلى الحكم مستفيداً من نظام انتخابي ديموقراطي، لينقلب عليه عند أول انقلاب وتهديد بخسارة كرسيه. تركيا اليوم أقرب الى دولة الشخص، منها الى دولة القانون والمؤسسات. لقد أمعن أردوغان في تقوية حكمه بنرجسية مطلقة، الى حدّ انتهك فيه كيان الدولة وهيبة مؤسساتها، متجاوزاً خطوطاً حمراء عدّة، في سابقة خطيرة. ديموقراطية تركيا اهتزّت بتوجّهات ما بعد الانقلاب، وآمالها بالانضمام الى الاتحاد الأوروبي باتت بعيدة جداً، بعد تلويح أردوغان بإعادة العمل بعقوبة الإعدام، وإيغاله في خطوات التطهير. هيبة أردوغان، في مقابل هيبة الدولة التركية.

لقد وقع «سلطان أنقرة» في فخّ الخلود في الحكم، على طريقة صدام حسين ومعمّر القذافي وبشّار الأسد. تجاوزَ انقلاباً غير ديموقراطي هدفه تقويض حكمه المستمدّ من إرادة الشعب، والاستحواذ على السلطة، واستنكرته الدول العربية والغربية. لكنه بتقويضه أسس الدولة التركية ونقضه النظام الديموقراطي فيها، وإطلاق يده فوق يد أجهزة الدولة، يمهّد الساحة الداخلية لانقلاب ديموقراطي لاحق، يُعيد لتركيا الدولة هيبتها، ويُطيح النظام الشمولي الذي يتقدّم لفرضه. ثورة ستباركها الدول العربية والغربية نفسها التي استنكرت الانقلاب الأول. فهل يدرك أردوغان ما يفعله، أم أن الخوف على الكرسي أعمى بصيرته؟.

* صحافية وشاعرة لبنانية
الحياة 29 تموز 2016

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة