164 views

نقاش مع الكاتب الفلسطيني منير شفيق -ماجد كيالي

img

أخذ الكاتب الفلسطيني المعروف منير شفيق على مقالة لي عنوانها: «هل ثمة تفكير سياسي فلسطيني خارج الفصائل؟» («الحياة»، 19/7) مسائل ثلاثاً: الأولى، انتقادها الفصائل الفلسطينية «بقسوة بالغة». والثانية، اعتبار الحديث عن الدولة الواحدة الديموقراطية في مثابة تفريط بهدف «دحر الاحتلال وتفكيك المستوطنات» في الأراضي المحتلة (1967). والثالثة، استكباره الحديث عن وجود فكر سياسي فلسطيني خارج الفصائل.

معلوم أن شفيق يعدّ من آباء الفكر السياسي الفلسطيني الناشئ مع صعود المقاومة الفلسطينية المسلحة (منذ أواخر الستينات)، وقد احتل مراتب متقدمة في إطار الحركة الوطنية الفلسطينية، بعضويته (سابقاً) في «المجلس الثوري» لحركة «فتح»، وفي المجلس الوطني، هذا أولاً. ثانياً، نحن نتحدث عن كاتب له نتاجات عدة وحاز شعبية ربما لم ينازعه عليها في السبعينات سوى الكاتب الراحل ناجي علوش، سواء ككاتب أو في اعتباره مرجعية لأحد التيارات الناشطة في حركة «فتح». ثالثاً، يجدر أن نذكر هنا، أن منير شفيق محسوب على المعارضة الفلسطينية، وأنه نأى بنفسه عن «فتح» والمنظمة والسلطة، وبدا أقرب في ميوله السياسية إلى «حماس» وتيارات الإسلام السياسي، بعد تحوّله إلى الإسلام. وبالطبع، فهذا أمر يخصّه شخصياً، ويدخل ضمن خياراته وحريته.

في مقالته: «هزال شعار دولة لمواطنيها في فلسطين» (http://www.mubasher24.com/44959)، اعـــتــبر شفيق أن ثمة شخصيات «فكرية أخذت تنتقد الفصائل بقسوة بالغة»، والسؤال هنا ما معنى قسوة؟ أو من يعين حدودها؟ أو ما هي شروط النقد المطلوب من جهته، وهو الذي لم يكف يوماً عن النقد، من وجهة نظره، لسياسات القيادة الفلسطينية وخياراتها؟ بل إنه، في مقاله، يرى أن «الهجوم على فصائل المقاومة بالجملة والمفرق واعتبارها منتهية الصلاحية بسبب التقاط سلبية هنا وسلبية هناك، وفي ظروف تحتم عليها أن تلعب دوراً حاسماً في الانخراط في الانتفاضة وتحقيق الوحدة في ظلها، يصبّ، بدوره، في حرمان الانتفاضة ومبادرات شبابها وشاباتها من الدعم في التحوّل إلى العصيان الشعبي الشامل لدحر الاحتلال وتفكيك المستوطنات وإطلاق كل الأسرى وفك الحصار عن قطاع غزة باتجاه تهيئة أوضاع جديدة لتحرير كل فلسطين». وبصراحة، لا أعرف كيف اكتشف شفيق ذلك، ولا أية أوهام يروّجها، ولا لماذا قال ما قاله، وهو بالذات الذي لم يقصّر في النقد. مثلاً، من هي الفصائل التي يدافع عنها، أو ما الذي تبقى منها؟ وهل تدهور الحالة الوطنية الفلسطينية في رأيه هو مجرد ما أطلق عليه «سلبية هنا وسلبية هناك»؟ ثم هل نقد الوضع الفلسطيني، على صعيد الأفكار والبنى وأشكال العمل وطرق النضال، هو الذي يؤخّر «الانخراط في الانتفاضة وتحقيق الوحدة في ظلها، ويصب، بدوره، في حرمان الانتفاضة… من الدعم»، وصولاً إلى قوله: «تهيئة أوضاع جديدة لتحرير كل فلسطين»!

أخيراً، من المسؤول عن التدهور الحاصل، النقد والنقاد، أم المنقود، أي الكيانات السياسية (المنظمة والسلطة والفصائل) ونمط التفكير وطرق الإدارة، والخيارات السياسية والكفاحية المعتمدة؟

هكذا، لا يبدو شفيق هنا، مع التقدير له، سوى واحد من حراس الزمن الفصائلي، بتخلّيه عن عدته النقدية، واشتغاله على مصادرة الرأي الآخر، أو الحطّ من قيمته، أو التشكيك في مقاصده، وهذا أمر غريب كونه يصدر عنه، أولاً، كمثقف، وثانياً، كمعارض.

وعودة إلى مقالتي المذكورة، فإنني عندما أتحدث عن القطع مع التفكير الفصائلي السائد منذ عقود، لا أقصد فصيلاً معيناً وإنما التفكير الذي أنتجته الطبقة السياسية السائدة، أكانت مع هذا الفصيل أو غيره، مع السلطة أو معارضة لها، لأنها تشتغل تحت السقف نفسه، وبالمفاهيم ذاتها، التي ثبت عقمها وفواتها، والتي أوصلتنا إلى ما نحن فيه. والمشكلة أن نقد شفيق جاء متسرّعاً واتهامياً ومستنكراً، وأن عدته المفاهيمية كانت جاهزة، ومبنية على بديهيات تنتمي الى الزمن الفصائلي المتقادم والمستهلك، على رغم تقلباته الكبيرة والكثيرة، مع احترام حقه في تقرير خياراته الفكرية والسياسية.

في الفكرة الثانية، يتهم شفيق دعاة الدولة الواحدة الديموقراطية بالتفريط بـ»دحر الاحتلال وتفكيك المستوطنات»، من دون أن يشرح كيف استنتج ذلك، مع أنه يلتقي عملياً مع فكرة حل الدولتين، التي يرفضها، كأن بقايا هذا الوهم ما زالت معششة عنده! الأهم من ذلك، روح السخرية، والاستهانة، حتى بأصحاب فكرة حل الدولة الواحدة، الذين اعتبرهم كأنهم «اكتشفوا البارود»، علماً أن لا أحداً ادعى السبق في ذلك. فالبارود مكتشف من مئات السنين، وكلنا نعرف أن هذه الفكرة، أي الدولة الواحدة الديموقراطية، كانت طرحتها فتح أواخر الستينات (حتى أنها طرحت من مجموعة يسارية يهودية قبل قيام إسرائيل)، وأن الحركة الوطنية الفلسطينية بدلاً من أن تطور هذه الفكرة نكصت عنها إلى فكرة الدولة في الضفة والقطاع، وهي دولة لجزء من الشعب على جزء من الأرض مع جزء من الحقوق.

واضح في المأخذ الثالث، أن شفيق الذي كرّر هذه العبارة هو ذاته اكتشف أن ثمة فكراً سياسياً وليداً هو غير الفكر الذي ساهم في إنتاجه، وأنه يجافي الحقيقة ويتحدث في شكل تعسّفي بكيله الاتهامات لدعاة حل الدولة الواحدة بدعوى إسقاطهم الهوية الفلسطينية والعربية وإسقاطهم الكفاح المسلح. وحقاً لا أعرف أين هو الكفاح المسلح الذي يدعو له وكيف إلا إذا كان يأتي من مصدر إيراني ومن حزب الله؟ كما لا أعرف عن أي دحر للاحتلال، وعن أي انتفاضة في هذه الظروف، أي في ظل خراب المشرق العربي، وتفكك مجتمعاته من العراق الى سورية ولبنان، بمعيّة إيران، وهو الذي لم يتحدث عن هذا البتة، كأن ما يجري في سورية والعراق، على أيدي نظام الأسد وميليشيات إيران في العراق لا يعنيه فكأنه في قارة أخرى.

أيضاً، يفوت شفيق أن هذه الدعوة هي مجرد رؤية سياسية لإعادة الاعتبار الى التطابق بين قضية فلسطين وشعب فلسطين وأرض فلسطين وحركتها الوطنية، وأنها لا تطرح كعقبة أمام أي دحر للاحتلال من أي شبر، ولا كعقبة أمام قيام دولة في جزء من فلسطين، وإنما لتأكيد وحدة الشعب والأرض الفلسطينيين، وللإجابة عن مختلف الأسئلة الفلسطينية، أي سؤال العودة وتقرير المصير والحق في الهوية والدولة، كما للإجابة عن التساؤلات الناجمة عن إقامة إسرائيل ووجود تجمع يهودي في فلسطين، علماً أننا في منطقة عربية وثقافتها عربية وتاريخها عربي. وهذه الرؤية لا تطرح للتفاوض وإنما لإيجاد إجماعات بين الفلسطينيين وإيجاد مشتركات مع القوى المعادية للصهيونية وللاشتغال على المجتمع الإسرائيلي، أي المجتمع المستعمِر.

أخيراً، أستغرب أن مثقفاً بحجم شفيق يتحدث على هذا النحو، ويأخذ أفكار المقالة، التي تضمنت نماذج لما اعتبرته دليلاً على بروز نوع من تفكير جديد من خارج الفصائل (لثلاثة كتاب هم: نديم روحانا، وغانية ملحيس وهنيدة غانم)، نحو اتهامات أو تشكيكات أو ليقوّلها ما لم تقله، واعتباره دعاة «الدولة الواحدة» سذجاً لا يقرأون موازين القوى، وحتى بليدين!

* كاتب فلسطيني / سوري
19-8-2016 الحياة

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة