1٬061 views

الافتتاحية: من الحسكة إلى جرابلس إلى داريا

تعيش سورية هذه الأيام ظروفاً شديدة التعقيد يزدحم فيها اللاعبون المحليون والإقليميون والدوليون وسط التباسات و تعارضات وتشابكات وتداخلات ، فيما يبدو أنه رمي تمهيدي لتسوية تلوح في الأفق، لم تتضح بشكل نهائي ملامحها بعد ، بل إنها قد لا تستطيع التحول الى صيغة نهائية قبل تحركات إضافية عسكرية وسياسية تعيد رسم اللوحة .

ففي الحسكة وصل تقاطع المصالح بين النظام السوري وال (ب ي د) إلى نقطة مفصلية فبين الخطاب القومي الرسمي الرافض لأي شكل من أشكال حصول الكرد على تقرير مصيرهم، من الاعتراف الدستوري بوجودهم إلى الفيدرالية، وبين متطلبات السياسة البراغماتية بل الإنتهازية التي دفعت النظام إلى دعم (ب ي د) في مواجهة فصائل مُعارضة سورية ، وفي مواجهة داعش ، تصل الأمور الى حد المواجهة العسكرية التي يستخدم فيها الطيران للمرة الأولى ضد مواقع كردية مستقوياً بما يبدو أنه صحوة تركية إيرانية أسدية ضد التمدد الكردي ليقول النظام أنه لن يسمح للمشروع الكردي بهذا التمدد ،لكن الدعم الأمريكي للكرد بما يشبه حظر طيران ،الذي تم تبريره رسميا بحماية المستشارين الأمريكان إضافة إلى لغة المصالح التي ربما أفهمت النظام أن خطوته كانت مستعجلة ومتهورة وستفقده حليفا موضوعياً في الوقت غير المناسب، وكذلك دور الوساطة الروسية، كل ذلك أجبر النظام على قبول تسوية في الحسكة ببقاء المراكز الحكومية في مركز المدينة ،المراكز التي في الأصل يرغب ال (ب ي د) ببقائها ، مع فقدان السيطرة الأمنية الحقيقية على مركز المحافظة.

إن المواجهة مع النظام في الحسكة يجب أن تدفع ال (ب ي د) إلى التفكير في أن مصلحتهم الاستراتيجية هي في البحث عن تحالفات حقيقية مع المعارضة السورية تضمن مستقبلهم فرغم عدم وجود موقف واضح للمعارضة من قبول الشكل الفيدرالي إلا أن ذلك سيكون ممكناً بالحوار باعتباره الحل الذي يحقق مصلحة الجميع في سورية موحدة ديموقراطية.

أما في حلب فما تزال نتائج معركة فك الحصار موضع اختبار على الأرض، بعد أن استجمع النظام مع حلفائه، قوته من جديد ليوقف تمدد المعارضة أو محاولتها إحراز تقدم جديد بل انه ربما استطاع استعادة بعض المواقع ، وبينما تدور معارك الكر والفر في شرق وجنوب حلب حصل في شمالها دخول الجيش التركي إلى جرابلس وطرد داعش منها.

إن مشاركة فصائل عسكرية سورية باسم الجيش الحر او غيره لا تنفي الدور الرسمي التركي وهو الأمر الذي دفع البعض إلى استذكار التاريخ الاستعماري للعثمانيين و لا نعتقد بوجود معنى حقيقي لهذا الربط ، فلو كان الهم التركي هو الهم الامبراطوري لكانت تركيا تدخلت قبل ذلك بكثير وبطريقة سهلة قبل التزاحم العسكري والسياسي على الساحة السورية، لكن التدخل في نفس تاريخ معركة مرج دابق له بالتأكيد قيمة رمزية لاستعادة الثقة التركية داخلياً ولفرض المكانة الإقليمية والدولية في ظروف مشجعة. فالأمريكان دعموا التدخل جوياً طالما هو ضد داعش، والروس خاصة بعد تقاربهم مع الاتراك ، لا يمكن أن يقفوا ضده، إلا بشكل خجول تناغما مع حليفهم النظام السوري ، للسبب نفسه. وحتى رد النظام السوري يبدو باهتاً و إعلامياً اكثر مما هو رد حقيقي ،والسهولة النسبية التي تم بها اقتحام جرابلس تفسر بكون داعش عموماً في حالة انحسار بعد كوباني “عين العرب” وتل أبيض ومنبج في سورية وبعد الخسارات المتتالية في العراق أيضاً وبعد انقطاع طرق الإمداد وربما حتى الموارد المحلية وربما الأهم من ذلك كله أنها تواجه هنا ليس فقط كتائب عسكرية سورية بل الدولة التركية ذاتها المدعوم تدخلها بغطاء جوي أمريكي كل ذلك يفسر انسحاب داعش دون مقاومة عنيفة .

إن الوجه الآخر لمعركة جرابلس هو رسالة تركية قوية للكرد بعدم السماح بوصل المناطق الكردية ببعضها الأمر الذي يثير مرة أخرى ضرورة الحوار والتفاهم العقلاني بعيداً عن تصورات فرض الحلول بالقوة العسكرية وبعيدا عن التصورات المتعصبة قومياً من الطرفين، من أجل مستقبل الكرد ضمن المستقبل السوري .

والتطور الأخير هذا الأسبوع هو خسارة موقع متميز للثورة السورية في داريا، وقد تكون الخسارة الرمزية هنا أكثر أهمية من الخسارة العسكرية ، فداريا رفضت المقاتلين الأجانب ورفضت أي دور للقاعدة وحافظت على راية الثورة دون غيرها وكانت القيادة العسكرية فيها خاضعة للمجلس المحلي أي المدنيين، وقاومت لفترة طويلة بإمكانات محدودة بسبب انقطاع طرق الإمداد وتعرضت للحصار والتجويع وللقصف المتواصل بالبراميل الذي طال أخيرا المشفى الوحيد فيها ثم تعرضت أخيراً للقصف بالنابالم ،إن القبول بترحيل العسكريين إلى ادلب يحمل رسالة ضمنية أن النظام يقر بالأمر الواقع المفروض في هذه المحافظة والذي لا يمكن هزمه عسكريا و لن يحسم وضعه إلا ضمن تسوية شاملة في سورية، أما إصرار النظام على تفريغ داريا أو إبادتها فيحمل رسالة تقول أنه لن يسمح بوجود عسكري قرب مواقع قواته وسيطرته الأساسية في دمشق.

أخيراً رغم أن من بقي من المدنيين في داريا هم بضعة آلاف فإن ترحيلهم يتعارض مع القوانين والأعراف الدولية، والمفارقة أن هذا الترحيل يجري بإشراف الصليب الأحمر الدولي في حين أعربت الأمم المتحدة بخجل عن عدم موافقتها على الاتفاق وقال البيان الصادر عن ديمستورا أن ” الأمم المتحدة لم تشارك في المفاوضات ولم يتم التشاور معها بشأن الإتفاق” و أكد على “ضرورة حماية سكان داريا في سياق اية عملية إجلاء و أن تتم تلك العملية بشكل طوعي”. إن هناك تخوفات مشروعة من عدم السماح للمدنيين بالعودة إلى مناطقهم، كما حصل في مناطق أخرى، وربما بحجة أنهم ليسوا سكانا أصليين لداريا وهي حجة غريبة لمن يدعي حكم سورية كبلد وليس كمجموعات بشرية فالريف الدمشقي كله متداخل مع المدينة ومع القادمين من محافظات أخرى لذلك يجب على الأمم المتحدة وكل المنظمات المهتمة في العالم العمل على إعادة المدنيين إلى مناطق سكناهم بعد إعادة تأهيل البنية التحتية.

إن القصف العنيف لتلبيسة وريف حمص الشمالي والعودة لقصف الوعر الحمصي بالقنابل العنقودية والنابالم، بعد هدوء طويل نسبياً، يثير القلق من تحضير هذه المناطق لمصير مشابه لداريا ليكون النظام بأفضل وضع ممكن عند مواجهة الاستحقاق التسووي القادم والذي يحاول الامريكان والروس صياغة تفاصيله التي لم يتفق عليها تماما حتى الآن .

أخيراً إن تحرير جرابلس من داعش يجب أن يتبعه ملاحقة داعش وأمثالها، وطردهم تماماً من كل الأرض السورية وهذا التحرير قد يوفر فرصة للمعارضة السورية باعتبار جرابلس قاعدة انطلاق نحو المشروع الوطني السوري لتكون منطقة يسمح فيها لهيئات الائتلاف والحكومة المؤقتة ولجميع التنظيمات المدنية والسياسية السورية بالعمل، ويسمح فيها بإعلام حر متعدد ومتنوع وبالحريات العامة كل ذلك اذا حصل فهو قد يعيد بعض الأمل للسوريين المفجوعين بخساراتهم المتتالية وآخرها خسارة داريا .

تيار مواطنة 29/08/2016

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة