208 views

إحياء جمهورية «مهاباد» بعد تحرير الموصل!-سليم نصار

img

بعد انقطاع عن الأمم المتحدة استمر أكثر من تسع سنوات، أطل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من فوق منبر الجمعية العامة ليطرح أمام ممثلي 193 دولة مبادرة سياسية تهدف الى حلّ أزمة سورية.

حدث ذلك خلال دورة السنة الماضية، عندما ادّعى أن الدول الغربية والعربية تخاذلت أمام حرب الاستنزاف التي استمرت في سورية لمدة أربع سنوات، الأمر الذي أدى الى نشوء «الدولة الإسلامية» (داعش) فوق أراضي العراق وسورية.

التبرير الذي قدمته موسكو بعد عرض المبادرة يمكن اختصاره بالحرص على حماية نظام صديق ظلّ يعتمد في تسلحه على عتادها الحربي لأكثر من أربعين سنة.

في حين ادعت واشنطن أن تحركات القوات الروسية في البحر الأبيض المتوسط تؤكد رغبة بوتين في بناء قاعدة راسخة داخل منطقة الشرق الأوسط. لهذا السبب، قامت موسكو بنقل طائرات هجومية ومنصات صواريخ ودبابات وجنود الى قاعدة حميميم المجاورة للاذقية في قلب الإقليم العلوي.

وهذه القاعدة ليست كبيرة بما يكفي لتستوعب الطائرات العملاقة من طراز «تو- 22»، أي طائرات القصف الاستراتيجي التي انطلقت من قاعدة همدان في إيران.

وأثارت تلك النقلة المفاجئة استغراب الدول الغربية التي تعرف جيداً مدى حرص إيران على منع قوة غريبة من خرق سيادتها واستخدام أراضيها. لذلك لم يكن قرار طهران بالموافقة سهلاً، ولو أن الهدف من وراء تلك العمليات كان ينحصر بشنّ غارات جوية ضد مواقع سورية تسيطر عليها «جبهة النصرة» و»داعش».

وادعت إسرائيل أن قرار إيران اتخذ بسرية تامة، وأن الضباط من ذوي الاختصاص في البلدين عقدوا سلسلة اجتماعات في طهران وموسكو قبل اتخاذ هذه الخطوة الاستراتيجية. وكان واضحاً من طول المدة التي استنفدتها إيران أن نقاشاً حاداً جرى بين المؤيدين والمعارضين داخل القيادة، قبل أن تعلن طهران عن استعدادها لاستضافة طائرات قوة عظمى مجاورة.

وقبل انقضاء أسبوع تقريباً، صدر عن وزير الدفاع الإيراني حسين دهقان تصريح غير متوقع اتهم فيه الروس بالقيام بعمل استعراضي من دون أن يأخذوا في الاعتبار موقف الدولة المضيفة.

ولم تكن موسكو بحاجة إلى شرح أو توضيح، لذلك سارع الناطق باسم وزارة الدفاع الروسية اللواء إيغور كوناشينكوف، إلى اختصار رد فعل بلاده بعبارة مقتضبة مفادها: «في الوقت الراهن عادت الطائرات التي شاركت في تلك العملية إلى أراضي الاتحاد الروسي!»

ومن المؤكد أن صيغة البيان الروسي أوحت بأن موقف طهران قد يتغير في المستقبل. علماً أن دستور إيران يحظر منح تسهيلات عسكرية لدولة أجنبية.

ويستدَل من التعبير الذي استخدمه وزير دفاع إيران بأن بلاده لم تكن راضية عن نشر صور الطائرات الروسية وهي تنطلق من قاعدة همدان غرب البلاد، لتضرب أهدافاً في سورية. لذلك اختار كلمة «استعراضية» لوصف تلك العملية.

وشدد وزير الدفاع على تلك الكلمة بعدما ذكرت وسائل الإعلام الروسية أن طائرات «تو- 22» تنطلق من قاعدة دولة ثالثة. أي أن هذه العمليات لم تعد مقتصرة على قاعدة حميميم السورية، والتي ثبت أن مدرجها يتحمل مختلف أنواع الطائرات، بما فيها: «سوخوي- 34» و»تو- 22». ولكن موسكو تريد إظهار نفوذها في الشرق الأوسط مقابل انحسار النفوذ الأميركي، الأمر الذي دفعها الى توزيع الصور على وكالات الأنباء العالمية.

تقول الصحف الأميركية إن الرئيس بوتين يريد استغلال سياسة العزلة التي يعتمدها الرئيس باراك أوباما في آخر أيام ولايته الثانية والأخيرة. وهو يسعى إلى التركيز على الحملة الانتخابية على أمل ضمان فوز هيلاري كلينتون، لاعتقاده بأن وصول المرشح الجمهوري دونالد ترامب إلى البيت الأبيض يُعتبر كارثة الكوارث.

بيد أن إيران لم تكن مهتمة بهذه الناحية من معركة الانتخابات الأميركية قدر اهتمامها بانعكاسات استخدام أهم قواعدها العسكرية من قِبَل قوة خارجية. ويبدو أن مرشد الجمهورية والقائد الأعلى للقوات المسلحة علي خامنئي هو الذي أثار هذا الموضوع مع الجنرالات، منبهاً الى خطورة الأداء العسكري الروسي. وفي تصوره أن بوتين يريد الإيحاء بأن تعاونه مع إيران كان بمثابة خدمة مجانية لإنقاذ بشّار الأسد من نتائج الفشل الذي منيت به القوى التي اشتركت في الدفاع عن نظامه.

ومع ظهور هذا الخلاف العرضي، بدأت إيران تراجع مواقفها لئلا تظهر في أعين الرأي العام وكأنها تابعة لوصاية موسكو. ولكنها في الوقت ذاته، تحاول ألا تبتعد عن تعاونها مع روسيا خوفاً من خسارة تركيا، والعودة إلى سياسة العزلة.

وأفضل مثل على رفض العزلة هو الصمت الذي قابل به النظام اقتراح الجنرال محمد علي فلكي. فقد دعا أثناء مقابلة أجراها معه موقع «المشرق الإيراني» إلى تأسيس جيش تحرير شيعي يضم فصائل شيعية من مختلف دول العالم. وكان الجنرال يتوقع من الدولة أن تؤيد دعوته. ولكنها التزمت الصمت المطبق.

ويرى الديبلوماسيون في طهران أن اللقاء الذي تم في موسكو بين الرئيس التركي رجب طيب اردوغان والرئيس الروسي فلاديمير بوتين مهّد الطريق لبناء تحالف ثلاثي رحبت به إيران بطريقة غير عادية. والسبب أنه أخرجها من حيّز القوقعة الإقليمية. لذلك بدت لها علاقة التعاون والانفتاح على تركيا السنّية كمخرج مريح لأكثر من سبب:

أولاً – أن النظام الذي أسسه أردوغان ورفاقه في تركيا لا يختلف في جوهره وتحفظه عن النظام الذي يمارسه أتباع الخميني في إيران.

ثانياً – إذا كان تاريخ إيران يعود بجذوره العميقة إلى تاريخ الامبراطورية الفارسية، فإن سمات الإمبراطورية العثمانية ما زالت حيّة في سلوك حكام تركيا الجدد.

ثالثاً – أعلن رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم أن بلاده على استعداد لمراجعة موقفها من الرئيس السوري بشّار الأسد، أي أنها توافق على بقائه في الحكم طوال الفترة الانتقالية.

رابعاً – طلب بوتين من اردوغان منع تسلل المقاتلين عبر الحدود التركية الى سورية. ومن المؤكد أن تنفيذ هذا المطلب يخدم إيران، راعية الأسد والمانعة سقوطه بواسطة قواتها وقوات أنصارها في «حزب الله».

ويتفق المحللون على أن التغيير الذي طرأ على موقف أردوغان تجاه بشّار الأسد، هو تغيير فرضته سياسة محاربة الأكراد الذين يسيطرون على جانب كبير من الحدود التركية.

وقد أثار موقف أردوغان المنفتح على إيران وإسرائيل حفيظة الدول العربية التي رأت في هذا التحول المفاجئ خطوة ناقصة لا تخدم مصلحة الفريقين. خصوصاً أن أنقرة وعدت إسرائيل بعدم السماح لـ «حماس» بالقيام بأي نشاط عسكري ضدها.

والملفت أن البرلمان التركي صادق بسرعة على اتفاق المصالحة مع إسرائيل، وحوله إلى قانون. وبناء على الاتفاق ستلغي تركيا كل الدعاوى المقامة ضد الجنود الإسرائيليين الذين اعتدوا على سفينة «مافي مرمرة».

في زحمة التغييرات المتسارعة، تطل معركة الموصل كحد فاصل بين مرحلتين متباعدتين يعاني رئيس حكومة بغداد حيدر العبادي من تداعياتهما الخطرة على وحدة بلاده. ولقد اضطر العبادي الى إرجاء ساعة الصفر عدة مرات بسبب الاختراقات التي تعرض لها التحالف الدولي ضد «داعش». علماً أن واشنطن حددت شهر أيلول (سبتمبر) موعداً لبدء الهجوم الذي يطمح الرئيس أوباما إلى قطف ثماره لمصلحة مرشحته هيلاري كلينتون. لذلك طلب من البنتاغون زيادة عدد المراقبين والخبراء إلى خمسة آلاف، على أن يتولى هؤلاء إرشاد الطائرات والمروحيات الحربية.

وعلى الرغم من سقوط الفلوجة في مرحلة الاقتراب من الموصل، «عاصمة داعش» في العراق… إلا أن القوى المشاركة تفتقر إلى وحدة الهدف، وإلى الانسجام مع الخط الذي رسمته بغداد. والسبب أن أهالي مناطق السنّة ينظرون إلى جيش العراق نظرة تشكيك، تماماً مثلما ينظرون إلى الميليشيات الشيعية التي تأتمر بأوامر إيرانية.

الزيارة التي قام بها رئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني الى تركيا، صادفت بعد وصول دعوة أخرى من إيران للقيام بزيارة مماثلة. والسبب، كما فسره المراقبون، أن قوات البيشمركة لن تتخلى عن الأراضي التي حررتها في كردستان. ويعترف حيدر العبادي بأن الجيش العراقي لن يتمكن من الدخول إلى الموصل من دون مساعدة البيشمركة وإقليم كردستان. علماً أن التحالف الدولي أمّن للحزب الديموقراطي الكردستاني بقيادة مسعود بارزاني السيطرة على شمال شرقي الموصل وجنوب غربها، ثم ترك للقوات العراقية مهمة إحكام الطوق على الموصل.

ومع أن نتائج محادثات بارزاني مع اردوغان بقيت سرية، إلا أن وجود نائب الرئيس الأميركي جو بايدن في أنقرة كشف عن جزء من مهمته المتعلقة بتشجيع إقامة دولة مستقلة للأكراد تحيي لهم ذكريات «جمهورية مهاباد»، أي الجمهورية التي ساهم في إنشائها والد مسعود الملا مصطفى بارزاني في شتاء 1946 والتي لم تدم أكثر من 11 شهراً…

* كاتب وصحافي لبناني
3 ايلول 2016

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة