570 views

حتى لا يصبح تعميم الظلم عدالة – سمير الزبن

قد لا نفهم ما جرى ويجري في المنطقة، لوقت طويل، فحجم الأحداث في السنوات الست المنصرمة من الهول بمكان، يجعل إمكانية تفكيك ما جرى، وتحليله، وبناء صورة تقارب الواقع الموضوعي، تكاد تكون ضرباً من المستحيل، فبين تداخل الموضوعي والإرادي، تم التلاعب بقضايا كثيرة في الثورات التي شهدتها المنطقة، بمعنى أن هناك جهات كثيرة أيدت الربيع العربي في مواجهة الأنظمة التي واجهت هذه الثورات، لم تكن (ولا الآن) تريد أن ينتصر الربيع العربي فعلاً، وأن يكرّس سلطاتٍ وعلاقات سياسية من نوع آخر غير التي ثارت عليها الشعوب. وما يُتحدّث عنه ليس المقصود به المؤامرة، بل إن إدارة هذه الأطراف لتأييدها هذه الثورات لم تكون للوصول إلى تحقيق مطالب الشعوب التي انفجرت دفعةً واحدةً، بعد صمت طويل، فهي تعاني المشكلة نفسها مع شعوبها.
ما جرى ويجري كان، في واحدٍ من جوانبه، كاشفاً عمق الخراب والتفكك الذي وصلت إليه مجتمعاتٌ عاشت في ظل حكم استبدادي مديد، في بلدانٍ مغلقة، كانت كل معلومة تمس النظام تعتبر أمناً قومياً لا يمكن الاقتراب منها، وكان افتتاح دكان صغير في حي ناء موضوعاً مخابراتياً، يحتاج تدقيقاً أمنياً، لعل مطعماً لبيع الفول في حي شعبي يشكل تهديداً للأمن القومي. لذلك كان يجب التدقيق في المخاطر الأمنية لمثل هذا المطعم، لعله يستهدف إطاحة النظام (!).
ليست المسألة سخرية، كان هذا السلوك من أهم استراتيجيات الأنظمة العربية الأمنية، تدخل أجهزة المخابرات مباشرة في حياة الناس الشخصية والعائلية، ولم يكن يكفي التدخل في التحرّكات السياسية، واجتثاث أي نوع من العمل السياسي، لا يكون خارجاً من عباءة السلطة، بل يجب نخر المجتمع بكل آليات الفساد والإفساد والتخريب، حتى لا تنمو بيئة مناسبة لولادة معارضةٍ من أي نوع لسلطة الاستبداد. وكانت النتيجة أن الاستبداد لم يحطم السياسة في المنطقة فحسب، بل حتى يصل إلى نتيجةٍ كاملةٍ في هذا المجال، كان عليه أن يحطم التعليم والاقتصاد والمجتمع أيضا. إنها عملية إخصاء وتدمير مديدة، قامت بها هذه الأنظمة بأبشع الوسائل الممكنة.
ليس الخراب الذي نشاهده اليوم في المنطقة نتاج ثورات الربيع العربي، كما يقول جهابذة تأييد الأنظمة البائدة، إنه تفسير مقلوب للواقع. على العكس، كانت الثورات وليدة هذا الخراب المديد الذي عانته بلدان المنطقة، فما نراه اليوم ليس وليد اللحظة التاريخية الآنية، إنما وليد تراكم ظروف تاريخية، فرضت على المنطقة أنظمة من الأكثر استبداداً ووحشيةً، وأقلها وطنية وأكثرها تخريباً لبلدانها، حتى أني أعتقد أنه لو تم فتح المجال للأعداء لتخريب بلدان المنطقة، لما أجادوا في تخريبها، كما فعلت أنظمة المنطقة ببلادها وشعوبها، بذريعة الوطنية، وكأنها أنظمةٌ تحمل حقداً دفيناً أسود على أوطانها وشعوبها.
أما كان الأفضل والأجدى للشعوب أن تحافظ على صمتها التاريخي، حتى لا نصل إلى هذا الخراب الذي وصلنا إليه اليوم، هل كانت الشعارات التي رفعتها هذه الشعوب تستحق كل هذا الثمن الذي دفعته شعوب المنطقة؟

سؤال مرعب، نسمعه كل يوم، ليس من أشخاص أيّدوا الاستبداد، بل من أشخاص أيدوا ويؤيدون الثورة أيضاً. سؤال بريء من أشخاصٍ ليست نياتهم خبيثةً على الإطلاق. يبدو أن الوحشية المديدة والشاملة، والخراب الذي لا قاع له، جعل الأسئلة العبثية تظهر على السطح، جعلت المنطق المقلوب يسود حتى عند حسني النية، خصوصاً مع اليأس الذي أصاب قطاعات واسعة مؤيدة للربيع العربي، ليس من الوصول إلى النتائج التي كان توخّاها الثائرون، بل للخراب الذي ما زال يتوسع. لم يتوقعوا، حتى في كوابيسهم، الوصول إلى الحالة المزرية التي تشهدها بلدان الربيع العربي، بحيث تغدو المقارنة بين اليوم واليوم الذي سبق انطلاق الربيع العربي هي، بدون أدنى شك، لمصلحة ما قبل الربيع العربي. لكن، هل هذا السؤال صحيح، وهل مضامينه وحمولاته تعبر عن حقيقة ما جرى ويجري في المنطقة؟
هذا السؤال خاطئ وظالم، فهو يعكس الصورة، ويجعل الضحية مسؤولةً عمّا يلحق بها من أذى، لأنه كان عليها أن تعرف أن أنظمتها وحشية وقمعية بلا رحمة. لذلك كان عليها أن تتوقع مستوى الإجرام الذي ستقوم به الأنظمة في مواجهة تحرّكاتها. قد يبدو في هذا المنطق، بالمعنى الشكلي، بعض الوجاهة، لكنه، في المضامين، هو فعلا يبرئ الاستبداد من جريمته، بوصف الإجرام اعتياداً بالنسبة له، ويُحمّل الضحية المسؤولية عن مقتلها. وهو المنطق الذي ساد ضمنياً خلال فترة حكم الاستبداد الطويلة. وإذا عدنا إلى نصائح الآباء التي اعتادتها هذه المجتمعات لحماية أبنائها من عسف الأنظمة، نراها تحمل المضمون نفسه.
كان من الطبيعي أن يقول الآباء لأولادهم “يا ابني، لا تقترب من السياسة، فالمخابرات لا ترحم، ولست بحاجة أن تضيع عمرك في السجن” أي أن من يمارس السياسة هو من يرتكب الخطأ بحق نفسه، لأنه يعرف أن النظام سيحبس كل من يعمل في السياسة. يبدو أنه، مع الممارسات المقلوبة فترة طويلة، ينقلب المنطق، وتصبح مصادرة استبداد مديد السياسة حالة طبيعية، وغير الطبيعي هو التمرّد عليها، ومطالبة البشر بحقها الطبيعي في ممارسة السياسة. الصحيح أن الشعوب تأخرت في المطالبة بحقوقها الطبيعية، وأن الوحشية التي كشفت عن وجهها هي المدانة، أما أن تثور على أوضاعٍ ظالمة، فهذا الطبيعي، وليس الطبيعي أن تبقى الحالة الظالمة، والكارثة أن تتحوّل الحالة الظالمة إلى مطلبٍ مثاليٍّ في ظل الخراب. تستحق الشعوب حريتها في كل وقت، وفي كل الظروف. واليوم، بات من الضروري الخروج من المنطق الذي كرسه استبداد مديد في المنطقة، والذي يختصره المثل “إذا عمَّ الظلم أصبح عدالة”. هذا ما يجب تجاوزه في واقعنا وعقليتنا، الظلم هو الظلم، ولا يمكن أن يتحول عدالةً، حتى لو عمّ الكون. ومن حق المظلوم أن يقول: لا لظالمه، وهو محقٌّ في ذلك بالمطلق.

العربي الجديد 22/09/2016

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة