1٬080 views

عن الفرق بين التسوية والحل السياسي في سورية- منير الخطيب

img

الحديث عن جيوبوليتيك سوري جاذب للتدخلات الدولية والإقليمية صحيح، إلى جانب الحديث عن تراخٍ أميركي ودور مخفي لإسرائيل في استفحال النكبة السورية. وصحيح أيضاً، الحديث عن آثار العدوان الإيراني العسكري – الميليشياوي – الأيديولوجي على المشرق العربي، وتغذيته الصراعات المذهبية، بالتوازي مع صعود فوضوي ووفير لتنظيمات الإسلام السياسي السنّية والشيعية، وانعكاس ذلك كله على تخريب الفكرة الوطنية السورية نظرياً وواقعياً.

لكن كل الحديث السابق عن أدوار الدول في سورية ومصالحها، يجب ألاّ يحجب رؤية دور النظام التسلّطي ودور الانقسام المجتمعي في استقدام التدخلات الخارجية وترسيخها، فتلك التدخّلات تستمد فاعليتها من تراكبها مع النواة الأمنية – العسكرية للسلطة وملاحقها الميليشياوية، ومن تراكبها مع الفصائل الإسلامية المسلحة. في المحصلة، طرد هذا التراكب المزدوج الكتلة المجتمعية الحاملة فكرة الحل السياسي الوطني إلى مواقع هامشية.

من الواضح أن السياسات الدولية – الإقليمية في سورية لا يمكنها إنتاج أكثر من «تسوية» في أفضل الاحتمالات، لكنها لا تستطيع إنتاج حل سياسي، لأن مفهوم «التسوية» مختلف كلياً عن مفهوم الحل السياسي في مسائل كثيرة، من أبرزها:

أولاً، تقوم «التسوية» على تثبيت واقعة الانقسام المجتمعي والتعبير عنها في نظام محاصصة سياسية، بوصفها تسوية بين مكوّنات مجتمعية ما قبل وطنية، وتطرد مفاهيم مثل: المجال العام، الغالبية والأقلية السياسيتين،الدولة والشعب، المواطنة والعدالة والمساواة، أي المفاهيم التي ينبني عليها الحل السياسي.

ثانياً، «التسوية» هي عملية تنضيد لعلاقات القوة بين الطوائف والمذاهب والإثنيات، وفق ظروف اللحظة التاريخية التي فرضتها، وهذا يؤسس لشروط انفجار أزمات وحروب، تبقى مطروحة على الدوام، بمجرد تغيّر الظروف التي أنتجت «التسوية» المذكورة. بينما الحل السياسي يذهب باتجاه وضع سورية على سكة التغيير السلمي الديموقراطي، لأنه قائم على علاقات سياسية ومدنية بين مواطنين أحرار، ينظّمها القانون العام، الذي يتوافق السوريون على وضعه، إما بواسطة جمعية تأسيسية أو بواسطة برلمان منتخب.

ثالثاً، تتصل «التسوية» بموازين القوى الإقليمية والدولية وبمصالح الدول المشاركة فعلياً بصناعتها، من طريق انجدال القوى الطائفية والإثنية والجهوية المحلية على حبال القوى الخارجية، بعد تفتيت المجال الوطني واغتيال فكرتي العمومية والمواطنة، فتغدو سورية مع هذا الانجدال بين قوى ما دون وطنية داخلياً ومصالح خارجية عمياء، ساحة نفوذ في أوقات السلم، وساحة تفريغ صراعات في أوقات التوتر والحروب، متحولة بذلك إلى وضعية الوطن – الساحة. فيما يتجه الحل السياسي إلى تحييد سورية عن تجاذبات الخارج باستناده إلى المصلحة الوطنية النافية للمصالح الجزئية.

رابعاً، تجهد قوى الأمر الواقع (قوى الحرب) إلى إجهاض الحلول السياسية، وإلى التمسك بتسويات تُبقي نفوذهم حتى في أوقات السلم الفاصلة بين حربين، وتسمح بهروبهم من العدالة والمساءلة القانونية. لذا يسعى النظام السوري جاهداً ومن ورائه روسيا وإيران، الى فرض «تسوية» تفضي إلى تهرّبه من العدالة الانتقالية، التي من دون تحقّقها، لا يمكن اجتثاث عناصر الحرب من البنى المجتمعية. في المقابل، فالعدالة من المداخل المهمة لأي حل سياسي قابل للاستمرار وتوليد الحياة بدل تعميم الموت.

خامساً، إن أي «تسوية» تُطبخ دولياً وإقليمياً ليصار إلى فرضها على السوريين، وتؤدي إلى نظام محاصصة، في حيّز جيوسياسي يقع بين تجربتي محاصصة فاشلتين (التجربة اللبنانية والتجربة العراقية)، يصبح معها المشرق العربي في حالة سيلان مذهبي وطائفي وإثني، وتصبح حدود الهويّات هي حدود «الأوطان» الحقيقية، حتى لو لم يتم تقسيم فعلي لكيانات سايكس – بيكو، وهذا يُبقي المشرق العربي إلى أمد غير منظور مجالاً حيوياً لإيران، ويريح إسرائيل إلى أمد بعيد. بينما يمنع الحل السياسي القائم على الفكرة الوطنية السورية ذلك السيلان المذهبي في الإقليم، ويقطع مجال إيران الحيوي في مفصله السوري الأهم، بما يتيح إعادة التفكير وطنياً في كل من لبنان والعراق.

سادساً، الحل السياسي المبني على المسألة الوطنية، يفتح أمام السوريين إمكانات التقدم على كل المستويات، ويضعهم على مسار البحث عن دور إقليمي – اقتصادي لسورية، وإعادة بنائها عمرانياً وسوسيولوجياً، ووصلها بالبشرية العاقلة والمتمدنة، في حين تُبقي «التسوية»، بين المذاهب والإثنيات والطوائف، السوريين مجرد رعايا مذهبيين لهذه الجهة الإقليمية أو تلك، أي تحوّلهم إلى طوائف للإيجار ومتناحرة في ما بينها تناحراً عدمياً.

وغني عن القول إن الخيار الوطني السوري، بعد هذه المحرقة، التي جر النظام سورية إليها، أصبح ضرباً من «رومانسية وطنية»، لكنها رومانسية مشروعة أخلاقياً وسياسياً، وتتوافر على ممكنات في الواقع السوري، قابلة للانتقال من طور القوة إلى طور الفعل.

* كاتب سوري
الحياة 5 تشرين الاول 2016

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة