393 views

الجهد الثقافي وراء الترامبيّة المناهضة للثقافة – حازم صاغية

img

يردّ تيموثي شنك جذور الترامبيّة إلى اليمين الأميركي الحديث منذ تشكّله بُعيد الحرب العالميّة الثانية. لكنّ محطّته الكتابيّة الأولى، في رصده الجهد الثقافيّ المبذول خدمةً لظاهرة مناهضة للثقافة، هي محطّة متأخّرة في التعاقب الزمني للجهد المذكور.

ففي شباط (فبراير) الماضي، أنشأ بضعة كتّاب غير معروفين مدوّنة تدعو إلى الترامبيّة وتهاجم الحلفاء السابقين في اليمين، وأسموا موقعهم «مجلّة العَظَمة الأميركيّة»، كما كتبوا بأسماء مستعارة مستقاة من التاريخ القديم، كـ»ديكيوس»، الإمبراطور الرومانيّ، معرّفين موقعهم بأنّه «أوّل مجلّة علميّة للترامبيّة الراديكاليّة»، وناشرين مقالات يُفترض أنّها فلسفيّة في الميتافيزيقا والإبستمولوجيا. وقد ميّزت المجلّة بين عناصر ثلاثة في الترامبيّة: القوميّة الاقتصاديّة، إحكام السيطرة على الحدود، والسياسة الخارجيّة التي تضع مصالح أميركا أوّلاً.

أمّا السياسات هذه، فتُقدَّم بوصفها تحدّياً مباشراً لأفكار الطبقة الحاكمة الأميركيّة الجديدة التي هي نخبة كوزموبوليتيّة من المهنيّين الأغنياء الذين سيطروا على منصّات الخطاب العامّ. فهذه الطبقة ممّن هم «ما بعد الأميركيّين العابرين للوطنيّة»، إنّما يوحّدها الاعتقاد بأنّ رفاه العالم يتلازم والبرامج التي تعود بالنفع عليها، أي التّجارة الحرّة والحدود المفتوحة والعولمة وباقي السياسات التي تسهّل العبور إلى مستقبل ما بعد قوميّ يرعى بلوغَه خبراءٌ مستنيرون. فهؤلاء، ممّن تسمّيهم المجلّة «دافوسيّين»، نسبةً إلى منتدى دافوس، يشعرون شعور السمكة في مائها حين يكونون مع مشابهيهم الكوزموبوليتيّين في العالم، وإن كانوا مقطوعي الصلة بالأميركيّين العاديّين. وبدورهم، فإنّ محافظي التيّار العريض وزملاءهم الليبراليّين متواطئون بالقدر نفسه لإقامة هذا النظام وإدامته.

هكذا، وتحت وطأة شعبويّة تجنح في اللفظ يساراً، يمتنع كبار الأثرياء عن التبرّع لمجموعات اليمين الراديكاليّ هذه، تخيفهم درجة تركيزهم على العمّال البيض المُفقَرين، وأن يكون الأمر مقدّمة للمطالبة بضرائب أعلى على الأغنياء. إلاّ أنّ هذا لا يلغي الانفتاح على بعض المليونيرات الشبّان: ففضلاً عمّن أثروا منهم عبر السوشال ميديا النضاليّة، أعلن المدعوّ بيتر ثيال، أحد أقطاب سيليكون فالي، أنّ أميركا لم تعد ديموقراطيّة منذ أصبحت بلداً تحكمه «أجهزة تكنوقراطيّة وغير منتخبة». ونتيجة لتعاطفه مع المجموعات القوميّة البيضاء، صوّت ثيال، بوصفه مندوباً جمهوريّاً، لدونالد ترامب.

بيد أنّ موقع «العظَمة الأميركيّة» ركّز اهتمامه على اليمين الذي انبثق منه. فالسياسيّون والصحافيّون الجمهوريّون النخبويّون هم، عندها، باعة متجوّلون يبيعون المعتقدات «المُفلسة فكريّاً». وبالتالي، إذا نجح ترامب في تدمير الحزب الجمهوريّ، فهذا لأنّ ذاك الحزب، كما هو قائم اليوم، ليس أكثر من برنامج لتوفير فرص العمل لأكاديميّين وصحافيّين فاشلين.

هذه المجلّة – الموقع التي قدّمت مساهمة نوعيّة في بلورة معاني اليمين الجديد، أو البديل، قبل أن تتوقّف، نسّقت وتكاملت في عملها مع عدد من المواقع الإلكترونيّة التي ربّما كان أبرزها «برايتبارت نيوز»، ومع تلفزيون «فوكس». وهي جميعاً أصوات تميل إلى تصوير قضيّتها بوصفها ثمرة انتفاض على الوضع الليبراليّ القائم منذ انتهاء الحرب العالميّة الثانية والمستفحل في الخمسينات. وقد بدأ الردّ، كما يرى شنك، مع إقدام جماعة من المثقّفين على تزويد هذا اليمين أسساً فلسفيّة وجدت إدراكها وترجمتها السياسيّين في حملة باري غولدووتر عام 1964، قبل أن تندفع مع انتخاب رونالد ريغان في 1980 إلى البيت الأبيض.

 

«التروتسكيّ» جيمس بورنهام

على أنّ هناك طريقة أخرى في تأويل تاريخ اليمين الأميركيّ، وهي تولي سلطة الأفكار تركيزاً أقلّ، فيما يذهب تركيزها إلى السلطة ذاتها. والمقصود تاريخ التصويت الأبيض دفاعاً من البيض عن موقعهم في التراتب الاجتماعي، وتاريخ المناشدات التي ناشدها السياسيّون مخاطبين شعور جمهورهم بالمظلوميّة، بما يضمن حصولهم على تبرّعات وتقديمات أسخى، كما يحوّل محافظتهم إلى بيزنس يعود عليهم بالبلايين.

وهذا هو التأويل الذي يعتمده نقّاد يساريّون يعتبرون الحزب الجمهوريّ ائتلافاً تحرّكه القوميّة البيضاء ويموّله المليونيرات. إلاّ أنّ ذلك يغفل عن أوجه الانشقاق والتوتّر داخل اليمين نفسه، بما يخلط الأمور على وجهين: فأوّلاً، وفي لحظات بعينها قابلة أن تطول، قد يتفوّق صراع اليمين واليمين على صراع اليسار واليمين. وثانياً، وعلى جسر الشعبويّة، يمكن المنتفض اليمينيّ أن يستعين إلى أبعد حدود الاستعانة بالنظرة والتأويل الطبقيّين لليسار، كما بحساسيّته الاجتماعيّة حيال الغنى والرأسماليّة. وهذا، كما نعلم، امتداد لتقليد أوروبيّ يستحيل النظر إلى الفاشيّات، لا سيّما في بداياتها، من دونه.

على أيّة حال يُحتفَظ باسم العدوّ، في هذه الأوساط، لـ»النخبة» أو «طبقة المديرين»، فيما يرجع تاريخ هذه العداوة إلى الحرب الثانية. أمّا المؤسّس المنسيّ للمحافظة الأميركيّة الحديثة التي رفعت ذاك العداء عالياً، فليس سوى جيمس بورنهام الذي أعلن ظهور حضارة يقودها الخبراء، وفقاً لكتاب أصدره في 1941، بعنوان «ثورة المديرين: ما الذي يحدث في العالم؟». ولأنّ هذا الكتاب غدا الأكثر مبيعاً عام صدوره (أكثر من 200 ألف نسخة)، تناولته مجلّة «تايم» بوصفه تلخيصاً داكناً لـ»عالم توتاليتاريّ سيأتي قريباً». أمّا «فورتشن» فأسمته «أكثر الكتب التي نُشرت هذا العام استجلاباً للنقاش».

وبورنهام كان ابناً لمدير غنيّ من مديري شبكة سكك الحديد، تخرّج بتفوّق في برنستون عام 1927 قبل أن يتوجّه إلى أكسفورد ثمّ يعود إلى تدريس الفلسفة في جامعة نيويورك.

إلاّ أنّ ما يفوق هذه المعطيات أهميّة، أنّه ظلّ حتّى 1940 أحد أكثر التروتسكيّين الأميركيّين قرباً من ليون تروتسكي. ذاك أنّ الكساد الكبير جذّره فبدأ حياة مزدوجة: يحاضر عن توما الأكوينيّ في النهار ويساجل ضدّ رأس المال ليلاً. لكنْ قبل أشهر على مصرع القائد البلشفيّ الروسيّ في المكسيك، فقد بورنهام إيمانه بالثورة البروليتاريّة فتنصّل منه تروتسكي وهاجمه، فيما انكبّ هو على كتابة الكتاب الذي يبرّر فيه ارتداده ورؤيته الجديدة للعالم.

فعند بورنهام، كان الماركسيّون على حقّ في توقّعهم انهيار الرأسماليّة، لكنّهم أخطأوا بالنسبة إلى ما يليها. ذاك أنّه مع القرن العشرين، تغيّرت وتائر الحياة وإيقاعاتها: فقد تعاظم النموّ السكّاني بينما ابتلعت الشركات والمؤسّسات الضخمة منافسيها الصغار، كما جهد الموظّفون الرسميّون في توسيع نفوذهم بما يجعلهم يواكبون التحدّيات المتكاثرة التي يواجهونها. وهذه التحوّلات البنيويّة كان لها أن غيّرت على نحو عميق توزّع القوى في المجتمع: ففي القرن الثامن عشر، نهضت السلطة على الأرستقراطيّة، وفي التاسع عشر على الرأسماليّة، لتنتقل في العشرين إلى المديرين الذين استمدّوا سلطتهم من قدرتهم الفريدة على تشغيل المؤسّسات المعقّدة التي غدت تسيطر على المجتمع الجماهيريّ. ولئن أصبح التكنوقراطيّون هم الطبقة الحاكمة الجديدة، فما الفاشيّة والستالينيّة وروزفلتيّة النيوديل سوى نتاجات ذاك الانتقال الذي ينعدم كلّ أمل في مواجهته. فقد أصبحت ملكيّة الدولة لوسائل الإنتاج هي القاعدة، وانتقلت السيادة إلى النخبة البيروقراطيّة بينما انقسم الكون دولاً عظمى متنافسة.

 

تأويل أورويل

وفي 1946، أي بعد خمس سنوات على صدور عمل بورنهام، كتب الأديب الإنكليزيّ الشهير جورج أورويل، مراجعة مطوّلة له بعنوان «أفكار مراجِعة حول جيمس بورنهام»، فأوجز بطريقته رسالة الكتاب بالتالي: «الرأسماليّة تختفي، لكنّ الاشتراكيّة لا تحلّ محلّها. ما يصعد اليوم نوع جديد من المجتمع المخطّط والممركز لن يكون رأسماليّاً ولن يكون، في أيّ معنى مقبول للكلمة، اشتراكيّاً. حكّام هذا المجتمع الجديد سيكونون من يسيطر عمليّاً على وسائل الإنتاج، أي مديري البيزنس والتكنوقراط والبيروقراطيّين والجنود، ممّن جمعهم بورنهام تحت اسم «المديرين». هؤلاء سيصفّون الطبقة الرأسماليّة القديمة ويسحقون الطبقة العاملة، وبهذا ينظّمون المجتمع بحيث تبقى في أيديهم كلّ السلطة والامتيازات الاقتصاديّة. حقوق المُلكيّة الخاصّة ستُلغى، لكنْ لن تنشأ ملكيّة عامّة. هذه المجتمعات «المديريّة» الجديدة لن تكون نُتفاً من دول مستقلّة صغيرة، بل ستكون دولاً عظمى وكبيرة تتجمّع حول المراكز الصناعيّة الأساسيّة في أوروبا وآسيا وأميركا، والدول الكبرى هذه ستتقاتل في ما بينها على امتلاك الأجزاء التي لم تُمتَلك من الأرض بعد، لكنْ قد لا تتمكّن واحدتها من غزو الأخرى كلّياً. أمّا داخليّاً، فكلّ مجتمع من هذه سيكون مراتبيّاً، في قمّته أرستقراطيّة ذوي المواهب، وفي أسفله جمهرة من أشباه العبيد».

وقد أنهى أورويل مقالته بالفقرة التالية: «أن يغدو رجل في مواهب بورنهام قادراً للحظة أن يرى في النازيّة شيئاً مُستحسَناً، شيئاً يستطيع أن يبني نظاماً اجتماعيّاً قابلاً للاشتغال وللديمومة، بل قد يبنيه، فهذا يُظهر أيّ تلف أصاب حسّ الواقع من طريق رعاية ما يُسمّى اليوم «واقعيّة»».

والحال أنّ بورنهام لم يكن أوّل من توقّع مجتمعاً يديره المديرون، لكنّه، وفق تيموثي شنك، ربّما كان أوّل من صاغ الحجج التي أتى بها آخرون وسبكها في عمل واحد. وهو، على عكس التقليد الثقافيّ الأميركيّ، المحلّي حتى ذاك الحين، بدا مختلفاً. فكماركسيّ وتروتسكيّ سابق، كان أفق اشتغاله كونيّاً فيما عادت سرديّته قروناً إلى الوراء، فضلاً عن ظهوره بمظهر من يرحّب بمستقبل توتاليتاريّ. فبالنسبة إليه، لاح الردّ الوحيد ذو المعنى على ثورة المديرين في الاعتراف بحصولها والإقرار باستحالة استرجاع العالم الذي كفّ عن الوجود.

لكنّ بورنهام سريعاً ما انتقل إلى أرض جديدة. فموضوعه الفعليّ هو السلطة، ولفهم السلطة نحن في حاجة إلى نظريّة في السياسة. وبعدما كان ماركس مصدره في فهم ثورة المديرين، انتقل، في كتابه الثاني، إلى ماكيافيللي. فبالنسبة الى من هو ماكيافيلليٌّ، كما كتب، تبدو السياسة حرباً بلا نهاية لإحراز السيطرة. ذاك أنّ الديموقراطيّة خرافة، وكلّ الأيديولوجيّات لا تعدو كونها صياغات لتقنيع المصالح الذاتيّة ولعقلنتها. أمّا الجماهير، فلن تتمتّع بأيّة سيطرة على حيواتها، ويمكن فقط أن تأمل بإفضاء صراعات النخب إلى إضعاف الطبقة الحاكمة وإتاحة مساحات صغيرة لا أكثر لحرياتها.

 

وليم باكلي

لاحقاً، في 1955، وفيما الحرب الباردة تترسّخ بالحديد والنار، انتقل بورنهام إلى مجلّة محافظة هي «ناشونال ريفيو»، وعمل لدى مؤسّسها الكاريزميّ وليم باكلي الذي كان يهدف إلى تحويل الفِرق المتناثرة من المحافظين إلى بذور حركة سياسيّة، وهو ما نجح فيه. فمجلّته عملت على جعل النزعة المحافظة شيئاً محترماً فكريّاً بعدما صوّرها الليبراليّون كأنّها موقف كهفيّ من الحداثة. وقد صار بورنهام نائب بكلي في رئاسة التحرير، لكنْ ضمن أسرة التحرير التي كانت تخوض في نقاش متواصل بين الليبرتاريّين والمسيحيّين، كان بورنهام الصوت البراغماتيّ الذي يحضّ زملاءه على عدم مطالبة السياسيّين بالذهاب أبعد ممّا يحتمل الجمهور. فلكي يحظى اليمين بأصوات الطبقة العاملة، كما رأى، على الحركة أن تتبع سياسة اقتصاديّة أكثر شعبويّة، وذلك على عكس زملائه اللادولتيّين وداعميهم في الشركات الكبرى ممّن أرادوا خفض الضرائب عن الأغنياء والتراجع عن دولة الرفاه.

لقد كتب بورنهام في 1972: «الكثير ممّا في العقيدة المحافظة صار أكثر فأكثر تقادماً، إن لم يكن إفلاساً»، وبعد أقلّ من عقد صار ريغان رئيساً وبدا بورنهام نفسه متقادماً. هكذا، ولفترة طويلة، ظلّت الدراسة الوحيدة عن عمله كتاباً صغيراً ظهر في 1948، بعنوان «السلطة والتاريخ»، عن دار نشر أكاديميّة غير معروفة. أمّا مؤلّف الكتاب الذي سيكون دوره اللاحق بالغ الأهميّة، فاسمه صموئيل فرنسيس الذي يبدو من أكبر ثمار الحركة المحافظة والمتمرّدة التي عمل بورنهام على إنشائها. لكنْ حين نشرت في التسعينات طبعة منقّحة عن الكتاب المذكور، كان قد جدّ فارقان: فإلى البيت الأبيض وصل مع ريغان يمينيّون أصبحوا بدورهم مديرين كباراً في المؤسّسة المحافظة، وبانتهاء الحرب الباردة، خسر اليمين اللحمة التي كانت تلحم أطراف ائتلافه. مع هذا، كانت لا تزال هناك معارك كثيرة أخرى تنتظر من يخوضها.

 

صموئيل فرنسيس

وفرنسيس لم يكن البتّة مرشّحاً لأن يصير نجماً في المؤسّسة المحافظة الناشئة. فهو، عملاً بوصف تيموثي شنك، خجول وبدين جدّاً وأسنانه مصفرّة بسبب التدخين، كما لا يُحسن التصرّف في الحفلات الكبرى. وهو بعدما أنهى شهادة الدكتوراه في التاريخ البريطانيّ في جامعة نورث كارولينا، ترك الأكاديميا إلى واشنطن، عاملاً في مركز أبحاث يمينيّ ثمّ مساعداً لسناتور جمهوريّ، وأخيراً انضمّ إلى أسرة تحرير جريدة يوميّة محافظة ومؤثّرة، لكنّها لا تقطع مع التيّار الجمهوريّ العريض، هي «واشنطن تايمز».

واحتفظ فرنسيس باهتماماته الأكاديميّة فيما كان يوالي صعوده في الوسط المحافظ. وهو لئن ألّف في حياته ستّة كتب، فالكتاب الذي عمل عليه طويلاً وضمّنه أكبر قدر من أفكاره إنّما صدر في 1995، إلاّ أنّه لم يُكتشف إلاّ بعد عقد، وكان صاحبه قد توفّي في هذه الغضون.

لقد نُشر الكتاب المذكور هذا العام حاملاً عنوان «ليفياثان وأعداؤه» في 700 صفحة مليئة بالتكرار بحيث بدا، تبعاً لشنك، في حاجة ماسّة إلى محرّر. مع هذا، فهو يبقى أحد أكثر الكتب التي صدرت عن اليمين الأميركيّ على مدى جيل إثارةً وجدارة بالاهتمام، وهو حتماً أكثرها إرعاباً لأنّه تشريح لمجتمع المديرين كتبه مؤلّف يبحث عن استراتيجيّة كفيلة بتدميره.

وكالكثير من كتابات فرنسيس، يبدأ «ليفياثان وأعداؤه» ببورنهام: «فهذا الكتاب»، كما يقول صاحبه في عبارته الأولى، «هو جهد لمراجعة وإعادة صياغة نظريّة ثورة المديرين كما قدّمها جيمس بورنهام في 1941». وبدوره، يوافق فرنسيس على أنّ المديرين استولوا على المجتمع، لكنّه يظنّ أنّ الطبقة الحاكمة الجديدة أكثر هشاشة بكثير ممّا افترض بورنهام. فليس الكلّ مستفيداً من صعود الخبراء، لا بل إنّ هذا التوزيع غير المتكافئ للعوائد أعظم نقاط الضعف في نظام المديرين. وقد أصرّ الكاتب، لأسباب لم يشرحها، على أنّ النخبة الكوزموبوليتيّة إنّما تهدّد القيم التقليديّة العزيزة على معظم الأميركيّين: «الأخلاق والدين والعائلة والأمّة والجماعة المحلّية، وفي بعض الأحيان التماسك العرقيّ والهويّة». فالمبادئ هذه مقدّسة لدى أعضاء «بروليتاريا ما بعد البورجوازيّة» المتشكّلة من الطبقة العاملة ومن الشرائح الدنيا للطبقة الوسطى. وفي افتقارهم إلى المهارات التي يثمّنها التكنوقراط، ولكنْ في بقائهم أعلى قليلاً من سويّة الأسفل الطبقيّ المطلق، يعتبر هؤلاء المقترعون البيض أنفسَهم ضحايا ائتلاف بين الأعلى والأدنى ضدّ الوسط.

والجماعة هذه، وفق فرنسيس، إنّما كانت الروح المحرّكة للسياسات اليمينيّة منذ رحيل فرنكلين روزفلت في 1945. فهي، مثلاً، من دعم غولدووتر في 1964، مع أنّ فرنسيس يعتبره كما يعتبر محافظة «ناشونال ريفيو» لباكلي بورجوازيّين بطريقة تعيد ربطهم ارتجاعيّاً بالسياسات الأوليغارشيّة للقرن التاسع عشر، من دون أن يملكوا ما يقدّمونه للشغّيل في زمننا المعاصر. ذاك أنّ المدافع عن حقوق بروليتاريا ما بعد البورجوازيّة لم يكن غولدووتر، بل جورج والاّس الذي جعلته دعوته إلى الفصل العرقيّ سياسيّاً سيّئ السمعة، علماً أنّه الحاكم الديموقراطيّ لألاباما الذي كسب خمس ولايات جنوبيّة بوصفه مرشّحاً ثالثاً في انتخابات 1968 الرئاسيّة.

ولئن جذب نيكسون ثمّ ريغان هذه الجماعة إليهما، فإنّهما أهملا مصالحها بعد وصولهما إلى البيت الأبيض. ومع أنّ بروليتاريا فرنسيس انتخبت لاحقاً عدداً من الرؤساء، فإنّها ما زالت تنتظر المرشّح الذي يكون صوتها.

وقد تحدّث فرنسيس في كتابه بشيء من الخجل عن «عناصر الطبيعة الإنسانيّة غير القابلة للتغيير»، إلاّ أنّه بدا أوضح وأصرح في خطاب ألقاه إبان عمله على كتابه: «ما علينا أن نفعله بوصفنا بيضاً هو توكيد هويّتنا وتضامننا، وعلينا أن نفعل هذا بتعابير عرقيّة صريحة من خلال صياغتنا، كبيض، وعياً عرقيّاً». وبينما كان يمينيّو التيّار العريض يقدّمون الولايات المتّحدة أمّةً يتّصل تركيبها السكّانيّ المتنوّع بتعاليم الآباء المؤسّسين، رآها فرنسيس مشروعاً عرقيّاً يرتبط بحكم البيض. ولمّا كانت ثورة المديرين تشلّ هذه المراتبيّة العرقيّة وتعطّلها، باتت إطاحتها ضرورة ملزمة.

 

بات بوكانان

وقدّم فرنسيس ملاحظاته حول الوعي العرقيّ في مؤتمر نظّمته «النهضة الأميركيّة» (أميريكان رينيسانس)، وهي مجلّة مغمورة مكرّسة لترويج القوميّة البيضاء أسّسها صديقه جارد تايلر بتشجيع منه. لكنْ بنتيجة انكشاف وجهه العنصريّ، سرّحته صحيفة «واشنطن تايمز»، كما دانه باكلي، فكان الحدثان في مثابة القطيعة النهائيّة مع «اليمين المحترم».

مع ذلك، وبسبب عمق التداخل وتشعّبه بين اليمينين المحترم وغير المحترم، لم يكن سهلاً تطهير فرنسيس. فهو ارتبط لسنوات بعلاقة وثيقة مع بات بوكانان، أحد المقرّبين من نيكسون وأحد كتّاب خطاباته الذي جعله دوره كأحد صاحبَي برنامج «كروسفاير» الشعبيّ في «سي أن أن» نجماً. وفي 1992، نافس بوكانان جورج بوش الأب على الترشيح الجمهوريّ، وعلى عكس المتوقّع، نال في الانتخابات التمهيديّة نحو ثلاثة ملايين صوت.

وكان ما يجمع بين فرنسيس وبوكانان «المحافظة العتيقة»، فحضّ أوّلُهما الثاني على أن يخوض المعركة ثانية في 1996 بوصفه، هذه المرّة، مرشّح «المقاومة ما بعد البورجوازيّة»، وأن يخوضها مستنداً إلى مرتكزات ثلاثة: الحمائيّة، معارضة الهجرة، وسياسة خارجيّة تقوم على مبدأ «أميركا أوّلاً»، بحيث تتخلّى واشنطن عن الالتزامات الكونيّة والتدخّلات الخارجيّة تركيزاً منها على الدفاع عن المصلحة القوميّة.

وبالفعل، خاض بوكانان المعركة وحقّق فوزاً مفاجئاً في الانتخابات الأوّليّة في نيوهمبشاير، ما أنعش قناعة فرنسيس بأنّ نخبة المديرين أكثر هشاشة من أيّ وقت سابق. وفيما كان التيّار العريض الجمهوريّ والديموقراطيّ يحتفل بظهور معطيات تجزم بأنّ سكّان أميركا البيض سينخفضون عن نصف العدد الإجماليّ، وأنّ ذلك برهان على قدرة الولايات المتّحدة على التكيّف والنموّ، رأى فرنسيس أنّ بروليتارياه ما بعد البورجوازيّة تعتبر هذه الديموغرافيّات الجديدة تذكيراً آخر بانحسار قوّتها.

على أنّ حملة بوكانان انهارت بعد نيوهامبشاير، لكنّ فرنسيس كان يملك تفسيراً جاهزاً لذاك الانهيار: لقد كان بوكانان شديد الولاء للحزب الجمهوريّ، ما حال دون استفادته من الفرصة التي سنحت له. هكذا نصحه بأن يكفّ تماماً عن استخدام كلمة «محافظ» التي «لم تعد تعني أيّ شيء»، أي أن يقطع كلّياً مع حزبه الكبير. وبموجب تصوّره الثوريّ، اعتبر أنّ طبقة المديرين استوعبت باكلي وأتباعه الجمهوريّين ممّن ضُمّوا بدورهم إلى قائمة الأعداء.

وإذ انهزم بوكانان ونفى نفسه بنفسه من محافظة التيّار العريض، كرّس فرنسيس جهده لما سمّاه «السياسة العرقيّة»، وأصبح مساهماً دوريّاً في منابر تنشر الوعي العرقيّ الأبيض، بحيث صار، وفقاً لجارد تايلر، «القائد الفكريّ لحركة صغيرة إنّما نامية». وقد أنكر فرنسيس أن يكون من دعاة التفوّق الأبيض، لكنّه دان الاختلاط الجنسيّ العابر للأعراق، وحذّر من «حرب عرقيّة»، كما أصدر مانيفستو للجماعة القوميّة البيضاء جادل فيه بأنّ على الشعب والحكومة الأميركيّين «أن يظلاّ أوروبيّين في تركيبهما وطابعهما».

 

تحدّي أوباما

وحين نظر إلى تحدّيات المستقبل، بدا فرنسيس مهموماً على نحو خاصّ بالخطر الذي يمثّله نجم سياسيّ صاعد. فباراك أوباما، كما وصفه في 2004، هو «موديل ما يُفترض أن يكونه الأميركيّ الجديد»، فيه تتشخصن نخبة المديرين، وهو يمثّل كلّ ما يكرهه فرنسيس في أميركا المعاصرة، من التعدّدية العرقيّة إلى الكوزموبوليتيّة.

لكنّ حقيقة أنّ أوباما، رمز الانحطاط الأميركيّ عند فرنسيس، أصبح أحد أكثر الوجوه شعبيّة في البلاد، أخمدت على مضض جمرة فرنسيس. فهو جادل بأنّ القرن التاسع عشر قرن البورجوازيّة فيما العشرون قرن المديرون، لأنّ هاتين الطبقتين الصاعدتين أنجزتا وظائف اجتماعيّة ضروريّة، لكنّ بروليتاريا ما بعد البورجوازيّة هي التي تعيش ضمورها التاريخيّ اليوم. وهكذا، وبعد حياة من الكتابة النضاليّة لمجلاّت مغمورة، أنهى حياته وحيداً ومكسوراً.

على أنّ البرامج الإذاعيّة الترامبيّة الهوى بعثته إلى الوجود. فروش ليمبو، صاحب البرنامج الأهمّ الذي يستمع إليه 13 مليون شخص أسبوعيّاً، وصف فرنسيس، في كانون الثاني (يناير) الماضي، بنبيّ الترامبيّة. ومن موقع نقديّ، شرع نقّاد ليبراليّون يسترجعون فرنسيس ويشيرون إليه بوصفه من تنبّأ بردّة فعل الطبقة العاملة البيضاء ضدّ نخبة حاكمة كونيّة، لا في أميركا فحسب بل في أوروبا أيضاً. أمّا معبود هذه الطبقة فليس إلاّ دونالد ترامب.
الحياة 21-10-2016

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة