2٬998 views

ماذا يعني سقوط حلب؟

في انشغال الإدارة الأمريكية بالإنتخابات وفي غياب الدور الاوربي الميداني الفعّال, يستغل “بوتين” اللحظة ويصعّد القتال على حلب في مسعى للسيطرة على معقل قوى المعارضة المسلحة المهم وربما الأساسي, مستغلاً عدم خروج مقاتلي جبهة فتح الشام “النصرة سابقا” من المدينة, مغردا على معزوفة محاربة الارهاب الدارجة، حيث تربط روسيا عملياتها بنفس الاسطوانة والتي راحت تطال أرواح ودماء المدنيين المحاصرين في “حلب” ومتذرعة بما يكافئ ما يفعله التحالف تجاه “الموصل”, غير عابئة بحجم الجرائم ضد الانسانية التي ترتكبها قنابل طائراتها التي تفتك بأطفال المدارس ونساء المدينة المحاصرة, رغم تكاثر التصريحات الرسمية والشعبية الأوربية الجديّة تجاه هذه الانتهاكات والجرائم, حيث يسعى الروس بذلك لحسم تسيّدهم السّاحة السّورية حتى على حساب الأتراك فضلاً عن الأوربيين, ولتسطر روسيا مجدداً شراكتها الولايات المتحدة سيطرة وإدارة للصراع بالمنطقة وربما أكثر, مستعيدة بعضاً من أمجاد الدولة العظمى كعهدها في الحقبة السوفيتية والحرب الباردة.
معلوم إن استمرار تواجد عناصر “فتح الشام” ولو بنسبة صغيرة في “حلب” سيبقى مادة دسمة للدبلوماسية الروسية, ومسمار جحا في تبرير هجمات طائراتها المسعورة التي أزهقت أرواح المئات, وسفحت يومياً دماء المدنيين الأبرياء, الذين لا ذنب لهم سوى فقدهم سبل الخروج من هذا الموت والحصار الغاشم.
وفي تلكؤ حملة فك الحصار الموعودة من قبل “جيش الفتح” وشبه توقفها, لا يختلف إثنان أن “روسيا” قد شارفت أن تحقق نصراً كبيراً, يسهم في تغيير قواعد اللعبة منذ جنيف 2012, وتصل الى مستوى زيادة تعنت النظام في شروط التسوية المحتملة, الأمر الذي يزيد من تعقيدات المسألة السورية.
النظام الذي كان قد استقدم كل هذه الويلات والمليشيات الطائفية والقوى الخارجية الإيرانية والروسية, ورفض أو استهتر بكل المؤتمرات واللقاءات التفاوضية السابقة, سيعود الى فرض أغلب شروطه, ان لم نقل تأكيد مسعاه في الهروب الى الامام وتأجيل نهايته المنتظرة إلى مدى أطول وبالتالي تأخير الخروج من دوامة العنف واستمرار تدفق شلال الدماء السورية.
أمام اعتماد التحالف ضد الإرهاب على قوى الأمر الواقع الممكنة والمتاحة في عملية دحر “داعش” التي باتت تعد بالأسابيع وليس بالأشهر والسنوات, لا تزال فرص انتعاش التطرف قائمة واقعياً ليس فقط بسبب عيب استخدام آليات طائفية في مواجهة التطرف “السني”, بل أيضا بسبب غياب مشروع وطني ديمقراطي عند اغلب تشكيلات “السنّة” وانتشار هذا التطرف حتى خارج فصيلي “القاعدة” الابرزين “داعش” و”النصرة”, لتمتد عدوى الطائفية والتشدد الى معظم التشكيلات الاسلاموية المنتشرة بمسمياتها وولاءاتها العديدة “كالجبهة الاسلامية” و” أحرار الشام” و”جند الأقصى” و”فيلق الرحمن” و”نور الدين الزنكي” ومعظم التشكيلات المتبقية على ساحات القتال دون ان نستثني حتى الفصائل التي تقاتل “داعش” شمال حلب بإمداد ودعم تركي معروف الاسباب والغايات.
وعليه فالمرحلة الصعبة الراهنة ستزداد صعوبة ما لم يجد الثوار حلا لمعظلة التخلص من التطرف وسمة الارهاب، كي تتجاوز المعارضة المسلحة السورية محنة الأسلمة وتنفيذ أجندات الداعمين التي أغرقتها, وما لم تعاد صياغة الفصائل المسلحة المقاتلة كجيش وطني حر يحقق وحدة التنسيق بين التشكيلات ويرتبط رحمياً بالسياسة, المبنية على وضوح مآلات الدولة الوطنية السورية القادمة.
ببساطة إن سقوط حلب سيعني سقوط العملية التفاوضية بمأزق أشد يؤدي إلى تردي برنامج التسوية الذي كان معتمداً في جنيف وسينسف أسس القرارات الدولية المبنية على تقاسم السلطة مناصفة، و التي جاءت لتشكل صمام أمان محتمل للسوريين, يضمن عدم استلام مسلحي التكفيريين القاعديين او أشباههم كبديل للاسد وسلطته, وهذا يعني فيما يعنيه, ان العالم يئس من قدرة المعارضة السورية على التخلص من منظمات القاعدة المتطرفة, رغم اعلان “نصرة بلاد الشام” تغيير اسمها والانشقاق عن “القاعدة” شكلاً (كالطلاق مع استمرار الزيارات الليلية بين الطليقين), وبالتالي أذعن هذا العالم لاستمرار سلطة الديكتاتور على أوسع بقعة من البلاد السورية, وبهذا الحل الهزيل يمنع انتصار دعاة الماضي والارهاب على دعاة المستقبل والديمقراطية… رغم أن السلطة الشمولية الأسدية لا تختلف كثيراً في الأداء عن أصحاب الفكر الشمولي الظلامي, إلا ان الجميع يعرف أن براغماتية الديكتاتور الضعيف تبقى محط مرونة وقابلة للتصفيق “من صفقة” في جني المصالح وانتزاعها من “سيادته”, وتمنع أقلها بالتالي من انتصار الارهاب ورموزه, الذي مازال يفجر بين الحين والاخر في أوريا والعالم.
آن أوان سقوط مقولة “كل من يقاتل الاسد يعتبر مفيدا للثورة السورية”, وسقوط وهم المراهنة على القتال المرتبط بالاجندات الدينية, بالرغم من دور التأثير الدين على العزيمة القتالية للمقاتل المنعزل, وقد تنفع الذكرى قبل فوات الأوان.
7-11-2016 تيار مواطنة

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة