3٬012 views

الافتتاحية:إرادة الحل الروسي في سوريا وخياراتنا الصعبة

«لقاء موسكو» ليس يتيماً، وربما لن يكون كذلك، لكن المخرجات تشير إلى سباق تقوده موسكو، بدرجات محتلفة من الإنسجام أو التنافر، مع أنقرة وطهران، كفاعلين أساسيين في الوضع السوري،وذلك بعد السيطرة على حلب، وقبل انطلاق إدارة ترامب .
اللقاء بين وزراء الخارجية والدفاع للدول الثلاث هو، بلاشك، حصيلة تطورات عسكرية جرت في الأشهر الأخيرة، أدت إلى سيطرة النظام على مدينة حلب بدعم روسي-إيراني مكثف، وحملت معها عناصر جديدة إلى واجهة المشهد السوري المعقد. ولعلّ أبرزها كان بروز تنسيق ثلاثي مشترك بين موسكو وأنقرة وطهران، حيّد التجاذب الروسي ــ الغربي، وأسفر في نهاية المطاف عن اتفاق التسوية الأخير في حلب، والتي خرجت حلب بموجبها من دائرة الصراع، على الأقل بالمدى المنظور.
واقعيا، لا يمكن لأحد إنكار أن روسيا أصبحت القائد الفعلي “المايسترو” للعمليات العسكرية في سوريا وخاصة في حلب، ولا يمكن إنكار جدية روسيا بدفع الأمور إلى نهاياتها،معتمدة على “شرعية”وجودها في سورية، وفقا للقانون الدولي، وعلى إقرار الغرب بالمصالح الإستراتيجية للروس في سورية، من هنا كان الإصرار على تحقيق النصر العسكري، وكسر إرادة المعارضة المسلحة، الذي أدى بالنتيجة إلى إفراغ حلب الشرقية من سكانها. وقد أصبح ذلك ممكناً بعد تطورات داخلية تركية، وتطورات في العلاقات الدولية هيأت إلى تغير الموقف التركي، ومن جهة أخرى فقد جرى ذلك على حساب التطرف الإيراني الذي لم يكن يرغب بمجرد تهجير السكان وترحيل المقاتلين بل بمتابعة حرب الإبادة حتى النهاية.
يأتي تعاظم الدور السياسي الروسي تتويجاً للتدخل العسكري الروسي المباشر في 30 أيلول/سبتمبر 2015، في حين يصرح اليوم وزير الخارجية الروسي لافروف بأن :” الحل لا يكمن في الحسم العسكري”إن هذا التصريح بديماغوجيته الواضحة لا يخفي أن الدور الروسي، منذ بداية تدخله المباشر، لم يفعل أكثر من خلق وقائع عسكرية على الأرض يحاول الآن استثمارها بعد انتصاره في حلب.
لكن من جهة أخرى هو موقف جاد وحقيقي، من حيث رغبته في حل سياسي يعيد صياغة الوضع السوري وفق تصوراته و مصالحه، وهو، حتى الآن على الأقل، ليس حلّاً سياسياً عميقاً،حيث يحصر همه الأساسي بتلبية متطلبات النظام، وهذا ما لا يمكِن المعارضة السياسية،حتى المعتدلة منها، من التعاطي معه.هذا في حين استمرت المعارضة التي تراهن على العمل العسكري بالقتال رغم تراجع وهزالة الدعم الدولي والإقليمي، ودون إدراك لطبيعة التغييرات السياسية وما تفرضه من استحقاقات.
إن إعلان لافروف في المؤتمر الصحفي عن أن بيان وزراء الخارجية ينص على”عدم امكانية حل الأزمة السورية عسكرياً” يشي بفرض الإرادة الروسية عند نقطة تقاطع المصالح الإيرانية التركية الروسية، رغم وجود بعض التنافر بين مصالح هذه الأطراف .

ومن جهة أخرى لم يخرج الإعلان عن قبول مرجعيات التفاوض الدولية والحل السياسي:”لقد دعت الدول الثلاث، بقية الدول المعنية بالشأن السوري، للتعاون من أجل الحل السياسي حسب قرار مجلس الأمن 2254″. ورغم اختلاف تفسير هذا القرار فيما يخص مصير الأسد فإن مثل هذا الإعلان يخفف حدة الإستئثارالروسي أو الروسي-التركي-الإيراني ويفسح المجال للمجتمع الدولي لإيجاد الحل السياسي الممكن والقابل للتطبيق والاستمرار، في الوضع السوري.
يبدو إيجابياً أيضاً، بالإضافة إلى الدعوة للحل السياسي، الدعوة لوقف إطلاق النار وتوسيع دائرة الهدنة لتشمل كامل الأراضي السورية، ذلك في مواجهة الخطاب الإنتصاري الذي يروج له النظام وحلفاؤه، لكن التحقيق الفعلي لمثل هذه الدعوة لا يزال بعيداً، وربما بانتظار إجماع دولي ذي فاعلية أكبر.
بعيداً عن الرغبات وعن الإندفاعات العاطفية ،التي اعتاد عليها السوريون خلال السنوات الست الماضية،لابد من الإقرار أن فكرة الحسم العسكري لصالح المعارضة أصبحت في مهب الريح، على الأقل منذ التدخل الروسي المباشر لصالح النظام، ولا نعتقد أن هذا الأمر يحتاج للتأكيد، بل ربما يحتاج فهم الوضع الجديد إلى إجراء مراجعة واضحة وصريحة لأسباب الإنكسار والتراجع، وعدم الإكتفاء بإلقاء اللوم على ما هو “خارجي”فعلى المعارضة السياسية التفكير في أسباب فشلها في استثمارالإمكانات العسكرية والسياسية، وفي تشرذم الفصائل العسكرية وتزايد نفوذ المتطرفين لدرجة تشوية سمعة ثورة الحرية والكرامة، وفي فشل الإدارة المدنية في مناطق المعارضة، وفي درجة الإرتهان للداعمين ..الخ.
أخيراً نقول إننا لا نعفي روسيا من دماء السوريين الأبرياء، ولا نخفي حالة القهر التي نعيشها جميعاً ، ولكن علينا أن ننظر إلى ما جرى في حلب من زاوية أخرى، زاوية الإمكانات الواقعية التي تجعلنا نبحث عن مخرج آخر غير الحل العسكري، فمن الناحية العسكرية لم يعد الأمر موضوع كر وفر كما استمر لمدة ثلاث سنوات، أما ما تبقى من إمكانات عسكرية فإن إمكانية توظيفه لصالح حل سياسي أفضل، مرهونة بوجود إرادة سياسية عسكرية تتبنى المشروع الوطني السوري، مشروع ثورة الحرية والكرامة، وتعمل بالأساليب التي لا تتناقض مع هذه القيم.
وهذا لا يتناقض مع العمل من أجل وقف لإطلاق النار وهدنة تشمل كافة الأراضي السورية كمقدمة باتجاه تسوية سياسية تعتمد القرار”2254″ الذي استند إلى بيان جنيف وبيانات فيينا ،باعتبارها الأرضية الأساسية لتحقيق عملية الإنتقال السياسي وإجراء انتخابات حرة ونزيهة، على أساس دستور جديد تحت إشراف الأمم المتحدة .

تيار مواطنة 26/12/2016

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة