2 views

دولة ودولة المواطنة الحديثة..!- دهام حسن

الدولة ظاهرة تاريخية من الظواهر الطبيعية للمجتمعات، وليست حالة مفروضة على بني البشر من فوق. نشأت الدولة في حقبة زمنية ما، جراء التناقضات الاجتماعية، وستختفي في يوم ما، فهي لم تكن موجودة منذ الأزل، ولن تستمر في الوجود إلى الأبد. هذا ما يؤكده غالبية علماء الاجتماع.
لقد ترافق نشوء الدولة مع نشوء الملكية الخاصة، أي في مرحلة التطور الاقتصادي وانقسام المجتمع إلى مالكين ومحرومين، وبسبب هذا الانقسام وما نجم عنه من تناقضات، اقتضت ضرورة المرحلة وجود الدولة، “دولة الطبقة الأقوى الحاكمة اقتصاديا” وهي كذلك دولة “الطبقة الحاكمة سياسيا”
ففي المجتمعات العبودية كنت ترى السيد الحر المتكوّن اقتصاديا يحكم ويأمر،والعبد المعدم يمتثل لإرادة سيده، أي بمعنى آخر تمثلت الدولة في تلك المرحلة باستعباد وقمع طبقة لطبقة أخرى..
والدولة كما بيّنا آنفا، ظاهرة تاريخية، فهي لا تبقى على حال واحدة جامدة، بل تتطور وتتغير وتغتني بتطور المجتمع وتغيره وغناه.. فالدولة العبودية ليست كالدولة الإقطاعية، والدولة الرأسمالية لم تكن كالدولة الإقطاعية وهكذا، أي في تحكّمها ووظائفها ودرجة استبدادها؛ فسوف تبرز عناصر جديدة مؤثّرة تدخل في قوام الدولة، وتغيّر من هيكليتها..
لقد عرف علماء الاجتماع والقانون الدولة بأنها “جماعة من البشر يعيشون في أرض معينة مشتركة، مؤلفين هيئة سياسية مستقلة ذات سيادة” أي أن الدولة بتعريف هؤلاء: أرض وشعب وسلطة عامة.
هذا التعريف آخذ بالطابع العام للدولة، فقد أغفل تفاصيل كثيرة، فلم تقحم فيه حالة الصراع السياسي على السلطة، لأنه لم تكن مهمة هؤلاء التعريف بشكل السلطة، أو بيان طبيعة من يحكمون، هذا الجانب أثاره بقوة أصحاب العقائد السياسية والمصالح الاقتصادية المتناقضة، والحركات الاجتماعية المختلفة..
فالدولة بتعريف إنجلز: “ليست إلا جهازا لقمع طبقة من قبل طبقة أخرى” ولا يختلف عنه تعريف لينين فهي”آلة لقمع إحدى طبقات المجتمع من قبل طبقة أخرى” بيد أن غرامشي أضفى على هذا التعريف بعدا آخر، فأغناه برؤية جاوزت تلك النظرة المحكومة بإطارها المحدود، فأعطى مــدى لنشاطات الدولة ووظائفها؛ يقول غرامشي: “الدولة هي جملة النشاطات العملية والنظرية والتي بواسطتها تتمكن الطبقة المهيمنة من تبرير هيمنتها والمحافظة عليها محققة بذلك توافقا فعالا لــدى المحكومين” فالطبقة المهيمنة عند غرامشي تبرر هيمنتها بما لها من قدرات اقتصادية وفعالية ثقافية، وما للحقلين الاقتصادي والثقافي من علائق وثيقة من الترابط والتبادل في ميدان الدولة.
إن هذا التحقق في الهيمنة يلقى تفهما وتقبلا لدى المحكومين، أي الإقرار والتبرير لهذه الهيمنة؛ وتجد مثل هذه الفكرة، فكرة تفهّم المحكومين بهذه الهيمنة عند مهدي عامل؛ أي أن القدرة الاقتصادية، تؤهلهم وتبرر لهم مثل هذا الحكم والهيمنة..
فضلا عن ذلك فإن الدولة لها دينامية مستقلة نسبيا، فعندما تتجاذبها حركات اجتماعية وسياسية مختلفة، تأخذ الدولة طابع التوازنات، حيث تتضارع في الصراع قوى سياسية ومصالح اقتصاديـة متناقضة، ينجم عن ذلك ضبط في سلوك الدولة، يحـد من انحيازها الفاضح لهذه الشريحة أو تلك، حيث تبدو الدولة بثوب الحياد نسبيا، دولة لسائر الحركات الاجتماعية والسياسية، لا يحتكرها فريق، ولا تكبل بعـقـيـدة سياسية معينة، دون أن ننسى أن أصحاب النفوذ وذوي المصالح يسعون لتسخير الــدولة لمصلحتهم، فالصراع على الدولة يبقى قائما، وبسبب ديمومة هذا الصراع قـد تتمخض عنه حالة مـن التفاهم والتوافق تعكس التوازنات بين الأفرقاء المتخاصمين فيجري التواطؤ فيما بينهم على شكل وطبيعة الـدولة..
قامت الدولة الحـديثة في أوربا نتيجة لانتصار الرأسمالية على الإقطاع بعد صراع مستميت امتـد قرونا، سبقتها ورافقتها عوامل مساعدة، فقـد جاءت النهضة في القرن الخامس عشر، حيث انهمكت البرجوازية الجنينية في التنمية والتصنيع، ثم جاءت حركة التنوير في القرن السابع عشر حيث امتدت حتى الثورة الفرنسية في عام1789تلك الحركة التي توسلت الأدب والفلسفة في محاربة الجهل والخرافة والتخلي عن المعارف التقليدية، والأفكار القديمة التي ولّى زمانها. فقـد كانت الإقطاعية تتلبس بلباس الدين، أدين توماس هوبز لـدعوته بأن “كل سلطة مـدنية هي من أصل مجتمعي دنيوي وليس حقا لاهوتيا كونيا” لقد دعا هوبز وسبينوزا إلى شمولية السلطة حتى لو عارضت تـوجـهات الكنيسة؛ بل لابـدّ للكنيسة -برأيهما- أن تخضع للدولة، وهـذا ما يخالف تعويـذة القديس أوغسطين الـذي كان يرى أن “السلطة القائمة معطاة من الله فمن يعصاها إنما يعصى الله ويجلب على نفســه اللعـنة” ثم جاء جان لوك الـذي رأى السلطة نتيجة تعاقد اختياري وليست أمـرا إلهيا يرغم عليه العباد وبعـد ذلك نشر جان جاك روسو في عقـده الاجتماعي تلك المفاهيم التي أصبحت شائعة ومتـداولـة كالدستور والشعب والأمة والمساواة القانونية وفكرة المواطنة وحقوق المواطن والحرية…إلخ كلّ هـذا مهّـد للثورة البرجوازية والصناعية فتحررت أوربا من ربقة المجتمع التقليدي القـديم وتحقق فيها تطور وتنمية غير مسبوقين، لتبلغ بالتالي شأوا مازال مثار إعجاب وتقدير ودراسة، لـدى العاملين في حقول العلوم الاجتماعية.
هـذا في أوربا، أما في العالم العربي فقد ظهرت معالم الدولة الحـديثة في بـدايات القرن التاسع عشر مع تطلعات محمد علي باشا في مصر لتأسيس دولة حديثة على غرار ما تحقق في أوربا. لقد ظهرت ملامح هذه الدولة في أحضان الإقطاعية تحت ظل السيطرة العثمانية، حيث سعت الأخيرة إلى بعض الإصلاحات تلافيا لعواقب التذمر والاستياء اللذين عمّا أرجاء السلطنة، مع دور يكاد لا يذكر للبرجوازية الناشئة الضعيفة، حيث كانت السلطنة تابعة بمقتضى الحال للرأسمالية الأوربية.
إذا كانت أوربا بـدأت بالتنمية أي بالتطوير الاقتصادي والاجتماعي، ففي العالم العربي كانت البـداية مع التحرر من النير العثماني؛ فورث عنه الواقع العربي الجديد كل أدران ومفاهيم الدولة السلطانية التي أفاض في الحديث عنها الكواكبي في “طبائع الاستبداد” فقد ظفرت بالسلطات تكتلات المجتمع الأهلي مجتمع القبائل والعشائر والطوائف والمذاهب والطرق الصوفية…الخ،ولم تمض سنتان حتى كان العالم العربي يبتلي من جديد بالاستعمار الغربي من ضمنها منطقة بلاد الشام والعراق، ومصر من قبل، حيث كانت تلك البلاد من نصيب فرنسا وبريطانيا.
إذا ما توخينا الدقة فإن أسس الدولة الحديثة قـد أرسيت في عالمنا العربي في الحقبة الكولونيالية.. ومن الطريف أن يشهد أحـد المؤرخين بأن الصحافة قـد ازدهرت والقضاء وجـد نزاهته في تلك الفترة؛ وبعـد عقود من النضال المستميت؛ تم التحرر أخيرا من النير الأجنبي، وانتقلت السيادة إلى العنصر العربي، ثم آل الحكم في آخر المطاف في كثير من الأقطار العربية “سوريا مصر العراق الجزائر مثلا” إلى قوى راديكالية تبنّت شعارات قومية، وتـداخلت معها قوى اليسار ببرامجها الثوريـة الطموحة؛ فانساقت الجماهير العربية سيكولوجيا وراء الشعارات القومية ذات الرطانة الثورية بكثير من الجيشان في العاطفة وضعف في الوعي والنضج السياسي، ولا ضير في ذلك فيما لو تمّ توظيف هـذه المشاعـر لاحقا على نحو صحيح ..
على العموم فقـد أفلحت الحركة العربية التقدمية في جـذب قوى بشرية واسعة إلى تنظيماتها دون عناء يذكر.. لقد كانت النزعة القومية ذات الميول التقدمية أمضى سلاح لاستثارة مشاعر الجماهير العربية، وجذبها إلى الحركات السياسية، تلك الحركات التي قيض لها في هذه الأجواء أن تظفر بالسلطة بطرق ثوروية انقلابية ..
الآن تحررت الأوطان، فهل تحقق تحرير المواطن؟ أو بعبارة أخرى هل تحققت المواطنة؟ التي تعني أن يكون الإنسان عضوا حرا في دولة وطنية حرة! إن حرية المواطن يجب أن تكون من حرية الوطن، وإن أي انتقاص من حقوق جماعة أو أقلية يعد تعـدّيا على حقوق الشعب؛ وبالمقابل يتبدل المشهد عكسيا فيما لو تمكنت إحـدى هذه الجماعات من السلطة وتفردت بها، وهنا لا مناص من خيار ورقة الاضطهاد والقمع والإقصاء والتهميش للآخرين..
إن هيمنة فريق على الدولة واستئثاره بالسلطة وإقصاء الآخرين كل هذا يقضي على فاعلية الشعب ويقضي على الطابع الديمقراطي في المؤسسات ويفرغها من محتواها ويكبّل الحركات الاجتماعية والسياسية بقوانين وتدابير صـارمـة وتسجن العقول عنـدما يضيق من محيط تفكيرها ويحول دونها والإبداع.. كان سبينوزا يقول:”كلما قلت رقابة الـدولة على العقول ازداد المواطن والدولة صلاحا”..
الحداثة السياسية تؤسس للمواطنة، وتكفل سائر حقوق الفرد، بخلاف الدولة الشمولية التي تفكر رجالاتها بعقلية السلاطين ولا تنظر إلى سلطتها السياسية إلا بمعنى الولاية على البشر، ولا ترى في الشعب إلا رعايا ومحكومين، وما على السلطة إذن إلا أن تصدر أحكاما وأوامر وليس أمام المحكومين سوى الطاعة والانقياد..
ينقل لنا أحد الأثينيين على لسان حاكم جائر قوله: أليست الدولة لمن يحكمها؟! وأيضا في ظل دولة استبدادية، تتخلق بيئة مؤاتية لإنعاش العصبيات العرقية، والقبلية، والطائفية،والمذهبية إلخ وتسبب لإنبات الضغائن، والأحقاد بين مختلف الجماعات، وتفضي بالتالي إلى إضعاف الوحدة الوطنية وتماسك أبنائها وإضاعة المواطنة حيث يضطر الفرد للبحث عن هويته من خلال تلك العصبيات، ليحتمي بها..!
أصيبت الجماهير العربية بخيبة أمل كبيرة، على ما كانت تعقـده من آمال عريضة على القوى الراديكالية التي تسلمت السلطة، ولم تف بما قطعته من وعود؛ وإلى اليوم ما تزال تلك القوى تتستر بعباءة القومية، وتتسربل بشعارات ثورية ولو على درجة أقل من السابق، وهنا لا بد من القول ما الذي تغيّر في حياة المواطن العادي الذي تخلّص من نير الأجنبي ليبتلي بنير ذوي القربى.؟ وهو ليس أقلّ وقعا ومضاضة ! يقول فولتير: “ما هو الفرق بالنسبة إلى الرجل الفقير، سواء أكله سبع أم فئة من الجرذان؟”
برهنت تلك القوى عن عجزها في مجاراة روح العصر. فغالبا ما تشكلت الدول القومية ضمن ميول احتكار السلطة وروح معاداة الديمقراطية، فقد جرى اختزال السلطة فـي أجهزة أمنية حتى سميت بعض الأقطار بالدولة الأمنية؛ فانشلّ المجتمع، وغيّبت المواطنة وسرى الخوف والرعب بين المواطنين، وانتفت معاني التضحية مع انتشار روح الأنانية والذاتية، وغاب نداء الواجب والإحساس بالمسؤولية، وغـدا جمع الثروة هو الذي يتحكّم في سلوك الأفراد، ويحرّك غرائزهم، وأصبح الافتراء والتزلف والنفاق والكذب سمة الإنسان المقهور والمنافق كوسيلة لنيل رضا السلطان…
قارنوا هذه الحالة بما كتبه رحالة فرنسي جاب روسيا القيصرية في النصف الأول من القرن التاسع عشر بحالة مشابهة من الخوف المطبق الذي عم أرجاء روسيا يقول:” الكذب هـو البرهنة عن مواطنة صالحة، وقول الحقيقة يعني التآمر”.
إن الدولة الحديثة، هي دولة المواطنة،هي دولة ترتكز على إرادة مواطنين أحرار، ترعى الدولة حقوقهم، وتكفل حرياتهم، وحتى تكون الدولة لجميع المواطنين فلا بد لها أن تكون ديمقراطية، وتمثيلية،تتمثل فيها سائر الحركات الاجتماعية والسياسية، وتتمتع هذه الحركات بحرية الحركة والنشاط والتعبير والتنظيم””””””””
الدولة الحديثة هي دولة المؤسسات دولة القانون، يكون القانون سيد الجميع، والشعب مطالب بأن يحارب من أجل سيادة القانون كما يحارب من أجل سور المدينة حسب تعبير هيراقليط.. مثل هذه الدولة عصية على الاختراق من قبل أي عات، لأنها محصّنة من الداخل بسياج المواطنة،أما الدولة التي تستعبد مواطنيها، وتفقدهم حرياتهم، وترمقهم بنظرة دونية واستبدادية تمييزية؛ مثل هـذه الـدولة سهل اختراقها؛ لأن المستعبد يعجز عن حماية الأوطان كونه لا يمتلك شيئا يدافع عنه.بـل الدولة لذاك الذي له دار وأرض وصوت بتعبير فولتير أي حق المشاركة في تسيير شؤون البلاد أجل! إن المستعبد لا يمكن له أن يقوم بحماية الديار، كونه يفتقد ميزتين من موجبات الحياة الحرة الكريمة هما الحرية والملك؛ ألم يقل لعنترة كـرّ وأنت حــر…؟!

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة