2٬519 views

افتتاحية مواطنة :في وداع 2016 .. هل هُزمَت الثورة السورية؟!

لم يكن العام 2016 هيّناً على الثورة السورية، فقد انتهى العام بخسارة أقل ما يمكن أن توصف بـ “الفادحة”، فقد فرد النظام سيطرته على كامل مدينة حلب، وأخرج منها عناصر المعارضة في حافلاته الخضراء على مرأى ومسمع العالم كله، كما لم يتأخر النظام في إعلان استعداده لاجتياح مدينة إدلب كي يعيدها لسيطرته مجدداً أسوة بحلب، هذا فضلاً عن عودة تنظيم داعش إلى مدينة تدمر بذات السهولة التي خرج منها في وقت سابق من العام الماضي!.
وسط هذه التحولات الدراماتيكية المتسارعة، وفي الوقت الذي نتحضر فيه قريباً لطي العام السادس من انطلاق ثورتنا المجيدة، يحق لنا أن نسأل عن مصير هذه الثورة التي ضحى لأجلها السوريون بالغالي والنفيس. كثيرة هي الإشارات التي نتحاشاها خشية معرفة الجواب الصادم على مثل هذا السؤال، لا سيما في ظل تقهقر المعارضة وانقساماتها وتعدد ولاءاتها الإقليمية والدولية، في نفس الوقت الذي تدعم فيه روسيا وإيران حليفهما الأسد بمنتهى الحزم والجدية لا بل وتحت عين الرضا التركية أخيراً!، بما سيمكنه من الجلوس قوياً في مفاوضات الأستانة المنتظرة أو أية مفاوضات أخرى محتملة لاحقاً.
ما تعلمناه من قراءتنا لتاريخ ثورات الشعوب، فإنها تمر بمراحل عدة من التحولات والمخاضات قبل تحقيق هدفها، والثورة السورية ليست استثناءً عن غيرها في ذلك. فالثورة السورية لم تنطلق عام 2011 إلا بعد تراكم عقود طويلة من الظلم الذي طال معظم شرائح المجتمع على يد نظام الأسدين، ورأينا كيف عبّرت في عامها الأول عن مطالب جميع السوريين بلا استثناء في إقامة وطن حر كريم وعادل، وبقيت رغم كل أساليب النظام القمعية والطائفية محافظة على بريقها، إلا أن هذا الحال لم يدم طويلاً، حيث حمل العام التالي تحولاً كارثياً أصاب ثورتنا في مقتل، عندما سهّل النظام اجتياح الثورة من قبل الظاهرة العرعورية، لتتلاحق في الأعوام التالية القوافل المتطرفة العابرة للحدود والأخلاق الثورية، الأمر الذي أراح النظام من جهة، ونفّر العالم منها ومن دلالاتها القيمية العليا التي كانت عليها من جهة أخرى.
ففي ظل سيطرة الإسلام السياسي على المشهدين السياسي والعسكري للثورة السورية، توالت الخضّات الكارثية التي طالت ثورتنا وتحولت في نظر الكثيرين من مؤيديها وحتى من أبنائها أنفسهم إلى ما يشبه الحرب الأهلية غير المعلنة، ولتصبح الثورة السورية “مجرد أزمة سورية”، أو “أزمة إقليمية ودولية” في الكثير من وسائل الإعلام العالمية المؤثرة على الرأي العام لشعوبها.
وبعيداً عن الأدوار التي لعبها النظام من جهة، والمعارضة التي تقاتله من جهة أخرى، يمكننا القول أيضاً إن غياب الأرضية السياسية الوطنية الجامعة عن قوى المعارضة السورية، ساهم بما لا يقبل الشك في تغييب المسار الفكري للثورة مما ساهم في تحويلها من ثورة شعبية إلى حرب مذهبية، ليتحوّل إثر ذلك النظام الأسدي من نظام ديكتاتوري مجرم بحق الشعب السوري ككل، إلى نظام “علوي” يجب محاربته لهذا السبب فقط!! وليس لأنه نظام طال ظلمه جميع شرائح المجتمع وأوصل البلاد إلى ما هي عليه الآن من بؤس وخراب!.
هذا التحول الأخير في النظر لآلية الصراع وتصديره على أساس طائفي للقاصي والداني، أساء كثيراً لمفهوم الثورة، وساهم ولا يزال في تجفيف منابع التأييد معها سواء في الداخل السوري، أو على مستوى تدني تعاطف المجتمع الدولي وشعوب العالم معها قياساً بما كانت عليه في بداياتها.
ولا يخفى على الجميع مدى تأثير انقسام المعارضة العسكرية بين الجهات الداعمة لها، على إطالة معاناة الشعب السوري فالفصائل التي تمولها تركيا لا تجرؤ على الخروج عن دائرة قرارها وكذلك التي تملولها قطر أو السعودية أو الولايات المتحدة الأميركية، وغيرها من البلدان اللاعبة على الأرض السورية.
فجميع تلك الفصائل ارتضت أن تكون أدوات في أيادي مموليها، في الوقت الذي كان من المفترض عليهم أن تكون حامية للشعب السوري الثائر، فأصبحت بذلك مثل النظام الذي وضع كل بيضه في سلة الروس والإيرانيين، ليتحول الشعب السوري بدوره إلى لعبة دموية بيد مجموعة من أمراء الحروب يتقاتلون فيما بينهم بعيداً عن تطلعات السوريين وأمانيهم في وطن حر ديمقراطي كريم تسوده المواطنة العادلة لجميع مكوناته، وكان هذا من أخطر التحولات التي تتعرض لها الثورة السورية حتى الآن.
من هذه النقطة تحديداً، بات لزاماً علينا نحن السوريين وعلى كل من يعتقد بفكر المواطنة، أن نعمل وبشكل جاد على إيجاد رؤية جديدة تعيد مسار الحراك الثوري إلى خطه الوطني الجامع، وأن نعمل على خلق تحول جديد يساهم في إعادة إحياء التوجه الإنساني والأخلاقي للثورة السورية وأن تكون لدينا مبادرات وطنية جامعة تعيد بوصلة العمل السياسي السوري برؤية وطنية بعيدة عن الولاءات الإقليمية أو الدولية.
لقد حان الوقت بعد هذه السنين الخمس العجاف، أن نبدأ فعلياً في إفساح المجال واسعاً أمام الفكر الوطني السوري، الغائب الأبرز عن هذه المقتلة، حان الوقت لبروز مؤسسات وطنية ناقدة في المجتمع السوري، قادرة على تفكيك الأحداث بعيداً عن أية ولاءات أو مصالح إقليمية ودولية، مؤسسات كفيلة برسم طريق الخروج من المأزق الراهن وإيجاد طريق للخلاص الوطني والديمقراطي، بما يعيد لحمة الوطن والشعب والثورة والأرض إلى مسارها الحقيقي ويطلق لمن تبقى منّا بصيص أمل في مستقبل مشرق، فهل نتّعظ كي لا نتهجّر جميعاً في حافلات النقل العار؟.

تيار مواطنة:02/01/2017

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة