245 views

الكرد في الحل السوري والمعطيات الجديدة

جوان يوسف

إن صحّ تاريخ 8 شباط، وهو الموعد الذي حدده دي مستورا لجولة مفاوضات جديدة في جنيف، فإن الكرد سيجدون أنفسهم مرة أخرى أمام حالة من انعدام الوزن بين عدم حضور حزب الاتحاد الديمقراطي، التي ترفض تركيا مناقشة حضوره حتى الآن، وبين المجلس الوطني الكردي المنضوي تحت جناح ائتلاف قوى الثورة والمعارضة السورية والتي لم تظهر حرصها أية وثيقة من تلك التي وقعتها مع المجلس الوطني الكردي.

وسيكون الأمر أكثر تعقيدا فيما ذهبت الأمور بمنحى تشكيل جسم ائتلافي جديد بديلا عن الائتلافي الحالي، والذي أستبعده الآن، ولكن الأمر المطروح في أكثر من مستوى، خاصة بعد هزيمة حلب واستقالات النجاة من السفينة الغارقة وحالة عدم الرضى التي يعلنها المتريثون وهم في قمة الهرم السياسي للائتلاف!

هذا الإطار الجديد إن تمّ، سيعيد الكرد وخاصة المجلس الكردي إلى المربع الأول، المربع الذي بقي المجلس يناضل فيه عامين  قبل أن يوقع معه على وثيقة تفاهم، وليس بخافٍ على أحد أن هذه الوثيقة لم تجسّد حتى الآن في أي مكان بل تعرضت للكثير من الخدش والانتكاس.

حالة انعدام الوزن هذه، لا تنسجم إطلاقا مع ما حققه الكرد خلال الأعوام الستة الماضية وبشكل خاص قوات حماية الشعب التي حققت وضعا عسكريا ورقما فاعلا في معادلة الصراع السورية رغم كل التحفظات عليها.

في ذات السياق ستكون “استانة”، حيث يقبض السوريون وبينهم الكرد بلا شكّ على أنفاسهم مجددا، أملا في مخرج لدوامة العنف الدائرة منذ 6 سنوات، ويبدو أن كل المؤشرات تدلّ على أن” استانة” ستكون ممرا باتجاه مؤتمر يجمع المعارضة والسلطة مجددا في جنيف أو أي مكان آخر تحت مظلة دولية.

تعليق الآمال على” استانة” يأتي من تضييق المشهد السوري لينتهي باللاعبين الأساسيين في الساحة السورية، تركيا حيث هي الممر الإجباري لأي دعم للمعارضة المسلحة والحاضنة الأساسية للمعارضة السياسية، بتعبير آخر تركيا هي “الريموت كونترول ” للمعارضة السورية.

وروسيا الدولة العظمى والداعم الأساسي للنظام وواقعيا القائد الفعلي للعمليات العسكرية في سوريا، ولا يمكن لأحد إنكار جدية روسيا بدفع الأمور إلى تسوية حقيقية وفق منظورها، معتمدة على شرعية وجودها، في سوريا، وفقا للقانون الدولي ومصالحها الاستراتيجية التي لا يستطيع الغرب تجاهلها.

وتركيا التي فشلت في إدارة الملف الاوربي والشرق أوسطي عموما والسوري خصوصا، أصبحت أمام حائط مسدود، لهذا حصافتها السياسية فرضت عليها الانحناء للعاصفة الروسية وهي تفعل ذلك للحفاظ على ما تبقى من قدرتها ومصالحها الاستراتيجية والتخفيف من التحديات التي تواجهها في الداخل والخارج.

وبغضّ النظر عما قد تفضي إليه مباحثات” استانة” أوغيرها، فإن سياسة تركيا حيال كرد سوريا جزء من سياستها الكردية العامة التي تحاول تقويض دورهم أينما كانوا و في أية عملية سياسية في سوريا والأمر لا يتعلق بحزب الاتحاد الديمقراطي لوحده، وإن كان الأشد خطرا عليها لامتلاكه قوة عسكرية وعلاقات تحالف تقع خارج سيطرتها المباشرة، بل أن تركيا ترفض أي شكل من أشكال الإدارة الذاتية حتى لو كانت بقيادة المجلس الكردي ولا يحتاج الأمر إلى الكثير من التفكر، وهي تعمل جاهده على تقويض الدور الكردي في سوريا بغض النظر عمن سيتولى المشهد.

أمام هذا المشهد هناك تراجع للمنجز الكردي وتقلص لخياراته وتضيق عليه أكثر مما كان عليه منذ عام على الأقل، وقد أدرك حزب الاتحاد الديمقراطي هذا التضييق فغير اسم فيدرالية روجآفا إلى فيدرالية شمال سوريا تجاوبا مع المطالب الامريكية وأصدر بيانا باسم وحدات حماية الشعب “يعلن فيه عدم التدخل في الصراع الدائر بين حزب العمال الكردستاني وتركيا „، في إطار استيعاب التفاهم الروسي التركي.

في الجانب الآخر من المشهد الكردي مازال المجلس الوطني الكردي يقفز على الأسباب ويغمض العين عن النتائج، ويمارس سياسة المراوحة في المكان أو انتظار المفاجأة التي قد تفضي به إلى واجهة الأحداث.

إن عدم التوصل إلى تفاهمات معقولة بين المجلس الكردي وحزب الاتحاد الديمقراطي لمواجهة هذا التضييق من قبل تركيا بشكل خاص، سيؤدي إلى إقصاء الحل الكردي عن التفاهمات القادمة بين النظام والمعارضة وهو أمر غير مستبعد على الإطلاق ضمن مسارات الحل السوري والموقف التاريخي للطرفين من القضية الكردية في سوريا.

ويطرح واقع الحال مزيدا من الشكوك حول فاعلية أو إمكانية المجلس الوطني الكردي ضمن أطر المعارضة الحالية، فهو مازال في ذيل أولويات المعارضة وهو لا يستطيع تغيير حرف جرّ من الوثائق التي تعد في غرف المعارضة، وهذا ليس تجنيا عليه، فإخفاقات المجلس وفشله أكثر من أن تحصى.

وتجربة السنوات الثلاثة تشير إلى أنه رغم كل الفشل والهزيمة التي أصابت الائتلاف وبعدها الهيئة العليا للمفاوضات فإنها لم تتعلم ولم تقدم شيئا يهدأ من مخاوف الكرد، بل على العكس صاعدت من مخاوفهم نتيجة مواقفها الصبيانية في أكثر من مناسبة ومكان.

لا يحتاج المرء أن يكون “اقليدس” حتى يعرف أن حزب الاتحاد الديمقراطي رغم كل عنجهيته، أكثر ديناميكية وبرغماتية من المجلس الكردي وهذا يحسب له، أو أن يكون “ارسطو” حتى يدرك أن حزب الاتحاد الديمقراطي حزب كردي ويحمل مشروعا كرديا في نهاية المطاف.

يبقى السؤال المشروع هو هل يفهم حزب الاتحاد الديمقراطي أن المجلس الكردي يبقي ظهيره مهما اشتد الخلاف، وأن يفهم المجلس الكردي أن الحقل العسكري هو الحاسم الآن وأن المعطيات تغيرت وموازين القوى تبدلت وأن حزب الاتحاد الديمقراطي هو شريكه عاجلا أم آجلا.

نشرت هذه المقالة في العدد 57 من صحيفة “Buyerpress”

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة