84 views

“تيار مواطنة” والمسالة الكردية السورية

جورج كتن 

الحوار المتمدن-العدد: 3833 – 2012 / 8 / 28 – 11:34
المحور: القضية الكردية

التقرير السياسي الرابع ل”تيار المواطنة” الصادر في آب 2012 يحلل بمنهج عقلاني وواقعي أمور الثورة السورية من جوانب مختلفة، ومن المفيد الإطلاع عليه لجميع المهتمين بتطوير أداء الثورة للوصول إلى الهدف الرئيسي: إسقاط النظام الإستبدادي وبدء التحول في سوريا لنظام ديمقراطي .. ولكن ذلك لا يمنع من وجود بعض الأخطاء في رؤية التقرير لحقيقة ما يجري على أرض الواقع، وسنركز هنا على مسألة التطورات التي حدثت في المنطقة الكردية.
في المسألة الكردية يوجه التقرير الإنتباه فقط ل”معضلة” العلاقة بين حزب العمال الكردستاني وفرعه السوري الإتحاد الديمقراطي الكردي (ب.ي.د)، وبين تركيا، ويتجاهل المعضلة الأهم وهي علاقة الحزب بالنظام السوري، وهي علاقة تاريخية لم تبدأ الآن، بل هي قائمة منذ الثمانينات على إستخدام الحزب من قبل النظام في الصراع بين النظامين السوري والتركي إلى أن انتهى هذا الصراع أواخر الثمانينات بعقد إتفاقية أضنة، ليعود النظام لإستخدام الحزب بعد إندلاع الثورة السورية وتردي العلاقات بين النظامين السوري والتركي، فأعاد السماح له بالعمل بحرية في المناطق الكردية في مراحل مبكرة من الثورة، وسهل أعماله كما جاء في وثائق تسربت عن الأجهزة الأمنية .. لتبدأ عناصره المسلحة في المناطق حيث يسيطر الحزب، التعرض للمظاهرات الإحتجاجية للشباب الكردي المطالب بإسقاط النظام والمتجاوز للاحزاب الكردية التقليدية القديمة، وإستخدام القوة لتفريق المتظاهرين، وعندما إحتاج الامر إطلاق الرصاص الحي على الناشطين وإعتقالهم وإيداعهم سجون الحزب وتسليم بعضهم للنظام.
إستشعار النظام لمزيد من الثقة في حليفه بعد الإطمئنان لأعماله التشبيحية في الوسط الكردي، جعله يمكنه من الهيمنة على بعض الدوائر الحكومية غير الهامة ليرفع علمه عليها في رسالة واضحة من النظام لتركيا أن إنطلاق عمليات مسلحة ضدها من الأراضي السورية أمر ممكن في اي وقت. وبذلك نشرت أوهام حول “مناطق محررة!”، فيما النظام ما زال موجوداً في مواقعه ويمكنه العودة للهيمنة على كل شيء في اي وقت يريد. المناطق الكوردية اصبحت تدار بشكل مشترك بين حزب ب.ي.د والأجهزة الأمنية الحكومية التابعة للنظام الإستبدادي: الأمن المركزي بيد النظام بكل فروعه الجنائية والعسكرية والسياسية والجوية وغيرها.. بالإضافة للادارة السياسية والحكومية والتعليمية، والرواتب تصرف للموظفين من العاصمة، فيما الحزب الكردي شريك في السلطة مهمته إدارة مراكز مدنية وحواجز أمنية على الطرقات ومداخل المدن وحماية مرافق عامة.
تجاهل التقرير للعلاقة الوثيقة للحزب بالنظام وخدمة مخططاته للمناطق الكردية في مواجهة تركيا العدو الرئيسي الخارجي للنظام، أدى لخطأ إعتباره توقيع أتفاق بين حزب ب.ي.د والمجلس الوطني الكردي برعاية البرازاني ضمانة ضد مخاطر صراع كردي- كردي مفترض، فيما أن الصراع الفعلي في الساحة الكردية هو صراع بين أطراف كردية موالية للنظام وبين الشباب الكردي المشارك بالثورة. كما أن ما أورده التقرير عن إمكانية صراع كردي-عربي مع عشائر عربية كما حدث بشكل مصغر في حوادث القامشلي 2004 هو إحتمال ضئيل، فالظروف مختلفة كلياً، والنظام ليس بحاجة لذلك طالما لديه طرف كردي جاهز للعمل في خدمته، فأية إثارة لصراع كردي-عربي في الجزيرة يخلط الأوراق بالنسبة لشريكه الكردي.
وقد يثار السؤال عن أن الحزب الاوجلاني منضم ل”هيئة التنسيق الوطنية” عن طريق رئيسه “صالح مسلم” مع أن ذلك أفضل طريقة للإختباء خلف هيئة معارضة تصب معارضتها أحياناً في خط لا يخدم الثورة. أما ما يقال عن معارضة أحزاب المجلس الوطني الكردي للنظام فأمر يمكن الوقوف عنده للتدقيق، فمن المعروف ان بعض قيادات هذه الاحزاب معروفة بعلاقاتها الوثيقة برؤوس النظام الأمنية والسياسية، وقيادات أخرى معارضة للنظام إنجرت للخشية من صراع كردي-كردي، فيما أن الصراع الراهن الرئيسي من المفترض أن يكون صراع سوري شعبي يضم الكرد والعرب من جهة، مع نظام يحظى بتأييد أطراف عربية وكردية من جهة أخرى، فمواجهة المتعاونين مع النظام في الوسط الكردي أمر لا مفر منه.
الشباب الكردي الثائر الذي نظم نفسه في تنسيقيات وإئتلافات وحركات خارج إطار الأحزاب الكردية التقليدية، أربكه إتفاق إربيل في البداية وتحمس لمنع صراع “أخوي!” كردي- كردي مفترض، وتأثر برفع سقف المطالب القومية الكردية من قبل الاحزاب التقليدية، وبإشاعة مناخ بأن العدو الأساسي للكرد هو تركيا الأردغانية!، وأجواء العداء للنظام وللمعارضة السورية في نفس الوقت وعلى حد سواء، والدعوة للوقوف على مسافة واحدة من الطرفين، مما يعني في الواقع العملي الوقوف على الحياد في المعركة المصيرية للشعب السوري بعربه وكرده لإسقاط النظام وإقامة نظام ديمقراطي لجميع السوريين.
لكن الشباب الكردي الذي يشك في تصرفات الاحزاب التقليدية بدء تلمس، أن المناطق المحررة كذبة كبيرة، وأن التعاون بين الحزب الاوجلاني والنظام أمر واقع، وأن إتفاق هولير الملتبس يغطي على حقيقة الصراع الدائر في سوريا، وأن أحزاب المجلس الوطني المعارضة للنظام تخاذلت أمام هيمنة الحزب وربما إرتعبت من إمكانية تصفيتها فيما لو إستمرت في معارضة الحزب. قبلت الاحزاب بإتفاق لا يغير من طبيعة مشاركة ب.ي.د في السلطة، ولكن يعطيه تغطية بأن سياساته تحظى بإجماع توفره له احزاب، أصبحت علاقتها به كعلاقة أحزاب الجبهة الوطنية للنظام مع الحزب “القائد”. وقبل بعضها بفتات تنازل عنها الحزب المهيمن، علما بأنه ملئ مالياً ويرجع ذلك في رأي البعض لتموله من تسهيل زراعة وتهريب المخدرات.
لا نخالف تيار المواطنة في الإعتراف بالحقوق المدنية والقومية للشعب الكردي في سوريا، ولكن هذا يجب إلا يبعدنا عن رؤية الوقائع على الارض وتبرير مواقف الأحزاب الكردية التقليدية وتجاهل الدور المتصاعد للشباب الكردي الذي ينتظم الآن مع الثورة السورية وضد المتعاونين والمتخاذلين في الوسط الكردي، وتوقع ان المستقبل سيكون لهم وليس للأحزاب التقليدية ..
أما عن مسائل اخرى وردت في التقرير فنؤجل إبداء ملاحظاتنا حولها، ومنها مثلاً : كل ما يتعلق بالجيش الحر ومخططاته واسلوب عمله، أخطائه وإنضباطه وعلاقاته الداخلية وتشكيله بالإنشقاق عن جيش النظام وإحتمالات انشقاقات عامودية في صفوف جيش النظام، وظاهرة إلتحاق متطوعين من الخارج به يحملون عقائد “غير مطمئنة”، وعلاقته بالمواطنين من مؤيدي الثورة أو من الموالين للنظام، وعلاقته بالتنظيمات السياسية المعارضة وخاصة المجلس الوطني وغيرها ..

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة