827 views

الافتتاحية:في انتظار جنيف الأدوار الإقليمية والدولية

 

تتشكل اللوحة السورية من جديد، ربما على أعتاب المرحلة النهائية من الحرب الأهلية المتحولة عن ثورة الحرية والكرامة، ويعيد اللاعبون الكبار والصغار إعادة حساباتهم قبل الوصل إلى حلول وتفاهمات .
روسيا بوتين تحاول استعادة عظمتها المفوتة ومصالحها وعلاقاتها”المزمنة” في سورية ،إنما هذه المرة، ليس تحت علم المنجل والمطرقة، بل ربما بإضمار العزة الروسية التي أصبحت لها رائحة الغاز والبترول.
ولأن روسيا تعلم جيداً، من خبرتها السابقة مع سورية، أن إعادة تأهيل الأسد، كما هو أو كما آلت إليه صورته، لن تحقق لها الاستقرار المنشود الذي يمكنها من استثمار نفوذها، وسيبقيها في مرحلة تجريب السلاح الروسي، وربما دفع تكاليفه، فهي ليست أمام زبون سخي. ولكل ذلك كانت مضطرة لتفكيك وتحليل مقولة الإرهاب وعدم التعامل معها كحزمة واحدة، كما يفعل حليفها الأسد، فاستقدمت الفصائل العسكرية، التي كانت قبل عدة أشهر تعتبرها إرهابية، لتتحاور معها ولتقحمها في السياسة مباشرة، وضمن نفس توجه السيد ديمستورا، في محاولة غير مضمونة لإضعاف التوجه الذي تبنته المعارضة السياسية “هيئة التفاوض والإئتلاف”، تلك التي لا تزال تصر على التغيير من خلال المرحلة الإنتقالية، واعتماداً على جنيف 1 و2 وقرارات مجلس الامن وأبرزها 2254.
من علائم المرحلة الجديدة أيضاً، بداية انحسار الدور الإيراني، الذي لا يزال يفضل الإختفاء في عباءة مواجهة الإرهاب، رغم عدم قدرته على إخفاء نوازعه القومية والطائفية،في حين أن التصور السياسي للحل، مهما كان متحيزاً، لا يمكن إلا أن يتضمن مساومات وتنازلات، قد لا يبررها الانتصار العسكري وحده، وهذا ما لم تفهمه، أو لا تريده، السياسة الإيرانية، لذلك وضعت نفسها في نزاع مع السياسة الروسية، نزاع لم يصل، حتى الآن، إلى حدود المواجهة، رغم أنه عبر عن نفسه بمواجهة ميدانية في أحداث الاستيلاء على “عين الفيجة” “النبع الذي يسقي دمشق والذي تسيطر عليه المعارضة منذ 2012” وأيضاً في حلب الشرقية، وربما تجلى هذا الخلاف أيضاً في التوقف عن تزويد نظام الأسد بالبترول.
قد تكمن المفارقة المحزنة للدور الإيراني، في وصول الرئيس الأمريكي الجديد “ترامب” للحكم، فتركيز الأخير على مواجهة الإرهاب في سورية والعراق والعالم كله، كان فرحة لم تكتمل لإيران، لأن ترامب معني أيضاً، وربما لاعتبارات تتعلق بحليفته الاستراتيجية إسرائيل، بإضعاف الدور الإيراني الإقليمي، وهذا يتضمن أيضاً إضعافه في سورية، على الحدود الإسرائيلية .
ولا ينحصر الدور الأمريكي الجديد في إضعاف الدور الإيراني، بل هو، موضوعياً، سيضعف الدور الروسي، رغم التفاهمات الواضحة بين الروس والأمريكان حول أولوية مواجهة الإرهاب. وربما سيكون ذلك من خلال تحسن العلاقات الأمريكية التركية، والدعم الأمريكي الجديد ل”قوات سورية الديموقراطية” ولعملية “درع الفرات”، التي توشك على تحرير مدينة الباب، المحتلة من قبل داعش، ولكن أيضاً من خلال تزايد النفوذ الأمريكي في التحضيرات لتحرير الرقه، التي بدأت الاستعدادات لمحاصرتها.
إذأ، تراجع الدور الإيراني، والتغير المحدود في الدور الروسي ، وعودة الدور الأمريكي لحضور أقوى وأوضح، كلها عناصر تميٍز الوضع الجديد في سورية المتوجه نحو الحل السياسي الذي يضعف من حصة النظام في كعكة الحل، وتضاف إلى ذلك ملامح تعمل في الاتجاه المعاكس، أي لمصلحة النظام، وهي التي انتهت إليها نتائج المعارك العسكرية والهدن والترحيل القسري في حلب وريف دمشق، ومحاولات النظام اقتحام ما تبقى من الغوطة الشرقية باستخدام الكلور، وكل ذلك يوضح، وربما يسمح بالمزيد من تعنت النظام الأسدي، الذي قد يفشِل الجولة القادمة في جنيف مثلما أفشل الجولات السابقة.
مع ذلك، إذا كانت عوامل تغير اللوحة واضحة، فإن التشكل النهائي لها ليس واضحاً بعد، لكن الشئ المؤكد هو أننا لن نستمر طويلاً في سماع طبول الحرب، وعلى المعارضة السورية، السياسية والعسكرية، الراغبة في بناء سورية المستقبل، أن تكون جاهزة للتعامل مع المرحلة الجديدة مرحلة انتهاء الحرب وبداية التغيير السياسي السلمي.

 

تيار مواطنة 13.02.2017

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة