149 views

معركة «الباب»: تكثيف للعبة الأمم حول سوريا- بكر صدقي

الأخبار الواردة من معركة الباب شحيحة جداً. الصحف التركية لا تنقل إلا البيانات الصادرة عن قيادة الأركان، وهذه لا تعطي إلا أرقاماً عن أعداد مقاتلي تنظيم «الدولة» الذين تم قتلهم، والمواقع والآليات التابعة للتنظيم التي قصفت من قبل الطيران التركي أو طيران التحالف. الحديث عن قرب نهاية المعركة يتكرر كل يوم، منذ نحو أسبوع، من غير أن يأتي الخبر اليقين عن تلك النهاية.
والحال أن معركة الباب التي تتسابق على «تحريرها» من تنظيم «الدولة» أطراف عدة، متصارعة فيما بينها، معلقة بما يمكن أن يتم من تفاهمات سياسية بين تلك الأطراف، أو من خلافات تؤخر الحسم العسكري. أهم تلك الأطراف داخلة في مباحثاث أستانة: تركيا وروسيا وإيران، إضافة إلى التوابع: النظام والفصائل العسكرية المشاركة في عملية «درع الفرات» التركية.
وقبل فترة وقع «حادث» قرب مدينة الباب حين قصفت طائرات روسية موقعاً لقوات النخبة في الجيش التركي التي تشرف على عملية «درع الفرات» الهادفة لاقتحام الباب. تم حل الإشكال بين موسكو وأنقرة بعيداً عن الإعلام، ومن غير «استدعاء سفراء» مع العلم أن تركيا كذَّبت، عبر الإعلام، الذريعة الروسية. طوي الموضوع وتواصل تقدم قوات «درع الفرات» داخل أحياء المدينة، مع توفير الإمكانيات لتفكيك ما يمكن لتنظيم «الدولة» أن يكون تركه وراءه من مفخخات.
لكن الخشية التركية لم تتبدد، بل تفاقمت بسبب تقدم الميليشيات التابعة للنظام من جهة الجنوب، مما جعل روسيا ترسم ما سمي بـ «الخط الأبيض» الذي من المفترض أن يفصل بين القوات التركية وحلفائها من فصائل المعارضة السورية من جهة، وميليشيات النظام من جهة ثانية. وذلك بعدما اصطدم الطرفان في بعض المناطق حول المدينة.
تمسك موسكو بورقة الصدام المحتمل بين النظام وتركيا، في مدينة الباب، للضغط على أنقرة في مباحثات أستانة، كما لعرقلة أي تفاهم تركي -أمريكي محتمل في عهد إدارة دونالد ترامب. وتضغط أنقرة بدورها على الفصائل الحليفة لها للالتزام بوقف إطلاق النار الروسي ـ التركي ـ الإيراني، وللمشاركة في اجتماعات أستانة المتلاحقة. إنه لأمر لافت أن يتزامن القصف الروسي لموقع القوات التركية مع زيارة رئيس وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية لأنقرة، وكأن الأمر يتعلق برسالة روسية دامية تحذر الحكومة التركية من الإخلال بتفاهماتها مع روسيا في الشأن السوري، وهو ما يمكن لتقارب أنقرة مع الإدارة الأمريكية الجديدة أن يؤدي إليه.
ذلك أن المرارة التركية من إدارة أوباما هي ما دفعت الرئيس أردوغان إلى طي صفحة التوتر مع موسكو، من خلال رسالة إعتذار رسمي عن إسقاط المقاتلات التركية لطائرة السوخوي الروسية في تشرين الثاني / نوفمبر 2015، وفتح صفحة جديدة عنوانها التفاهم على حل سياسي في سوريا وفقاً للرؤية الروسية. أي أن أردوغان تجرع سم هذا التفاهم الذي شطب كل الاستثمار التركي في الثورة السورية، طوال السنوات الخمس التي سبقته، بسبب خيبة أمله من حليفه الأمريكي. وكانت جائزة الترضية التي حصل عليها من موسكو، مقابل موافقته على «الحل الروسي» في سوريا، بما في ذلك تسليم مدينة حلب، هي عملية «درع الفرات» الهادفة لفصل كانتونيّ كوباني وعفرين التابعين لحزب الاتحاد الديموقراطي ـ الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني الذي يخوض الجيش التركي ضده حرباً مفتوحة منذ صيف 2015.
أما روسيا، فهي محكومة أيضاً بتحالفها مع إيران وتابعه السوري في دمشق، في المدى الذي يمكن أن تذهب إليه في التفاهم مع تركيا. لذلك لم يلق الاندفاع العسكري التركي نحو مدينة الباب، والتصريحات التركية بصدد نيتها في السيطرة على منبج بعد الباب، الرضى الروسي. إن عمق المنطقة التي تسيطر عليها القوات التركية والفصائل السورية الحليفة أمر مختلف عليه بين تركيا وروسيا، إن لم يكن لأسباب روسية، فبسبب الاعتراض الإيراني الذي لا يستطيع بوتين تجاهله.
كانت الجولة الجديدة من اجتماعات أستانة كاشفة لحجم التعارضات بين القائمين عليه: روسيا وتركيا وإيران. انعكست الخلافات بين هذه الأطراف لغطاً بشأن تأخر الوفد التركي ووفد الفصائل المعارضة إلى أستانة، وبشأن صدور أو عدم صدور بيان ختامي، وكذلك بشأن اتفاق الدول الضامنة الثلاث على تشكيل خلية مشتركة لمراقبة وقف إطلاق النار وضبط الخروقات أو عدم اتفاقها على ذلك. وبصرف النظر عن النتائج الحقيقية لاجتماع أستانة، يمكن الاستدلال من هذا اللغط الإعلامي على وجود خلافات عميقة بين الأطراف.
من الواضح أن جولة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على ثلاث دول خليجية، في أعقاب زيارة رأس الاستخبارات المركزية الأمريكية لأنقرة، وعشية زيارة أخرى «ساخنة» لرئيس الأركان الأمريكي إلى العاصمة التركية، أثارت مخاوف المحور الداعم للنظام الكيمائي، فارتفعت وتيرة الهجوم اللفظي لهذا النظام ضد تركيا، قبل اجتماع أستانة الأخير وأثناءه وبعده.
يمكن القول إن موقف إدارة ترامب العدائي الصريح من إيران هو الذي شجع القيادة التركية على البحث عن خيارات بديلة، أو موازية على الأقل، عن التحاقها بالسياسة الروسية في سوريا. فإذا كانت السياسة السورية لإدارة ترامب ما زالت غامضة أو غير متبلورة بصورة تامة، فسياستها تجاه الجمهورية الإسلامية واضحة في عدائيتها التي تشهد تصعيداً يومياً على مستوى التصريحات، تمهيداً لتحويلها إلى ممارسة عملية.
ولا تقل روسيا في توجسها من سياسات ترامب عن إيران، على رغم كل الرسائل الودية التي أطلقها ترامب بصدد روسيا ورئيسها بوتين أثناء حملته الانتخابية وبعد فوزه في الانتخابات. فها هو وزير الدفاع الأمريكي ينفي أي احتمال للتعاون العسكري مع موسكو في الفترة الحالية. ورفعت الهيئة العليا للمفاوضات الممثلة للمعارضة السورية من سقف اشتراطاتها ونبرة صوتها بعد جولة أردوغان الخليجية. وأطلقت فصائل الجبهة الجنوبية معركة ضد قوات النظام في مدينة درعا. ويجتمع «أصدقاء الشعب السوري»، بعد غياب طويل عن الساحة السياسية في الصراع السوري، بحضور وزير الخارجية الأمريكية الجديد تليرسون. كل هذه مؤشرات مقلقة لروسيا في مشروعها السوري.
وفي غضون ذلك استعادت تصريحات المسؤولين الأتراك قوتها بشأن ما بعد معركة الباب: عادوا للحديث عن رغبتهم في اقتحام مدينة منبج التي تسيطر عليها «قوات سوريا الديمقراطية» المدعومة من واشنطن، والتوجه بعد ذلك إلى تحرير الرقة من تنظيم الدولة، مع اشتراط إبعاد القوات الكردية عن معركة الرقة. تُرى هل وعد ترامب أردوغان بالتخلي عن القوات الكردية لمصلحة تركيا؟ هذا ما تدور حوله التكهنات اليوم، ولن يطول الانتظار قبل معرفة حقيقة الموقف الأمريكي بهذا الخصوص. كان لافتاً أن إدارة ترامب حرصت على توضيح ملابسات تسليم عتاد ثقيل للقوات الكردية، بدعوى أن القرار بشأنها اتخذته الإدارة الأمريكية السابقة. وإذا كان من المستبعد أن تتخلى الإدارة الأمريكية الجديدة عن حليفها الكردي لإرضاء حليفها التركي، لكنها قد تفصل بين قوات الطرفين في مناطق متباعدة، أي عملياً استبعاد أحد الحليفين من معركة تحرير مدينة الرقة. وتدور تكهنات أخرى حول احتمال إرسال المزيد من القوات البرية الأمريكية إلى منطقة عمليات الحرب ضد تنظيم «الدولة» في الرقة. وهو ما من شأنه أن يشكل عامل تخفيف لاحتمالات الصدام بين الأتراك والكرد في سوريا.
الخلاصة أن معركة الباب التي كادت أن تنتهي بطرد بقايا عناصر تنظيم الدولة من المدينة، قد لا تنتهي بسيطرة القوات التركية وحلفائها السوريين عليها. فموسكو لم تقل كلمتها الأخيرة بعد، وما زالت تملك ورقة إطلاق ميليشيات النظام للسيطرة على المدينة في أي لحظة تقرر فيها عدم الاستسلام أمام ما يمكن لإدارة ترامب أن تفعله في الحرب على تنظيم الدولة في سوريا. صحيح أنها ترغب في التفاهم مع الأمريكيين بشأن سوريا (وغيرها من مواضيع الخلاف) لكنها تعرف أن لي ذراع أردوغان في الباب أو ما يمكن أن يليها في منبج أو باتجاه الرقة، لن يكلفها عداءً مباشراً من إدارة ترامب، بقدر ما يمنحها المزيد من السيطرة على أوراق قوتها في سوريا.
سيبقى الوضع الميداني في الشمال سيالاً ومتحولاً، بصورة مترابطة مع تحولات المشهد السياسي. وجميع اللاعبين بانتظار قرارات من دونالد ترامب الذي يمارس السياسة بمنطق التجارة، ولا يكف عن إطلاق المفاجآت و«التغريدات».

القدس العربي:19/2/2017

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة