226 views

البنية المجتمعية معيقة كذلك – علي العبدالله

حفزني المقال المهم الذي كتبه الأستاذ ياسين الحاج صالح تحت عنوان «النظام الشرق الأوسطي والسياسة المستحيلة» (الحياة،11/2/2017)، على الإضاءة على العامل الذاتي، الذي تفرزه البنيتان الاجتماعية والثقافية السائدتان، والذي لا يقل سلبية وخطورة عن العامل الموضوعي الذي عرضه ياسين في إعاقة السياسة في دول الشرق الأوسط. فهو لعب دوراً موازياً ومعادلاً للعامل الموضوعي في منع قيام سياسة في دول الإقليم، ما يستدعي الالتفات إليه والى دوره المعرقل خلال النضال ضد الأسباب الموضوعية التي ترتبت على إقامة النظام الشرق الأوسطي فيه. فالبيئة السياسية العربية، والشرق أوسطية بعامة (الفرس والترك والكرد)، ترتكز على بنية مكونة من مزيج من الروافد الاجتماعية والثقافية والمعرفية المتناقضة والمتعارضة والمتشابكة تنطلق من إعلاء شأن القرابة، قرابة الدم أولاً، فالعشيرة، فالقبيلة، حيث الأفراد والجماعات فيها ينظرون الى الحقوق والواجبات من منظار القرابة الضيقة قبل أن ينتقلوا الى النظر من الدائرة الأوسع فالأوسع.
وما زاد في تعقيد الموقف تمازج هذه الثقافة القبلية بثقافة دينية أنتجتها عصور الانحطاط الحضاري والفقهي تمزج هي الأخرى بين منطلقات متعددة ومتباينة الى حد التناقض تجمع بين القدرية والجبرية، التوكل والتواكل، وطروحات معينة حول دور الإنسان في الكون وعلاقته بالله، تتقمص مقولة أن الإنسان مسيّر وليس مخيراً في تعاملاته اليومية، وتركز على العبادات كقصبة خلاص في الآخرة وتتجاهل إعمار الأرض وصون الحقوق، تقدس الأسلاف وتتجنب مساءلتهم وتقويم ممارساتهم وأدوارهم، تحطّ من قدر المرأة وتصورها كوعاء للإنجاب. وكان لافتاً ما فعلته هذه التركيبة الاجتماعية الثقافية في المرأة عبر تحويلها الى مُلك وتابع للرجل. القرآن الكريم استخدم مفردة «زوج» في وصف الزوجين الرجل والمرأة للتعبير عن علاقة تكامل وتعادل ومساواة فتدخلت «التركيبة» وأضافت تاء التأنيث الى وصف المرأة فغدت الزوج زوجة تنسب الى زوجها باعتبارها ملكاً له، تبعه كما يعبر العوام، تضيق بالمختلف والمخالف، تميل الى المطلقات وتتشدد في الأحكام دون سند مقنع، محكومة بآلاف الحكم المتعارضة من نوع «الرزق المقسوم» و «اسعَ يا عبدي حتى أسعى معك»، و «الساكت عن الحق شيطان أخرس» و «يا بخت إلي مات مظلوم مش ظالم»… الخ.
فرزت هذه الثقافة ببعديها الاجتماعي والديني شخصية هشة وغير مستقرة تتقلب بسرعة وتنقلب من النقيض الى النقيض بسرعة قياسية، تميل الى السطحية والتعاطي مع العناوين وتجنب الغوص في التفاصيل واستكشاف أبعاد القضايا ووجوهها المتعددة. وهذا رتب حالة «تركز حول الذات»، بتعبير علماء النفس، شخصية تعيش في الماضي عبر مخيالها المتخم بروايات عن الماضي وبطولات الأجداد والإنجازات العظيمة التي نجحوا في تحقيقها، وعن الجماعات والطوائف الإسلامية وما تحمله كل طائفة عن الطوائف الأخرى من حكايا وروايات ووقائع، غالبيتها ليست دقيقة، وتهرب من حاضرها البائس، شخصية تتعارض مع العمل السياسي بما هو عمل جماعي منظم يخضع لعمليات توزيع أدوار ومسؤوليات وأخذ وعطاء، وتأثير وتأثر وقبول الرأي الآخر والدخول في مساومات والالتزام بمواقف وتقديم تضحيات، يستطيع الباحث المدقق تلمس آثارها في تجارب الأحزاب وكوادرها حيث الولاء لشخص المسؤول، وعلاقة التبعية بين المسؤولين والكوادر والأعضاء، ذات الارتباط التقليدي بين شيخ القبيلة وأفرادها، وبين الشيخ ومريديه في الجماعات الصوفية، مع تقديس للزعيم – القائد – المسؤول السياسي(بقي الأستاذ رياض الترك الرجل الأول في حزب الشعب الديموقراطي على رغم انتخاب شخص آخر لموقع الأمين العام)، وتحويل العلاقات الحزبية الى علاقات عائلية (فصلت وصال فرحة، أرملة خالد بكداش ووريثته في أمانة الحزب الشيوعي السوري، صهرها الدكتور قدري جميل من الحزب حتى تفسح الطريق لتسلّم ولدها عمّار المسؤولية بعدها مع أن الأول يمتلك مواصفات شخصية وقدرات ثقافية وسياسية تفوق الثاني كثيراً، وتحكّم الأستاذ حسن عبد العظيم بوقائع المؤتمر العام لحزب الاتحاد الاشتراكي العربي الديموقراطي كي يوصل زوج ابنة أخيه الى موقع الأمانة العامة في ضوء افتقاره الى وريث من صلبه داخل الحزب)، والانشقاقات والانسحاب الفردي على خلفية خلافات ثانوية طابعها في أكثر الأحيان شخصي، ناهيك بحالة عدم يقين عميقة (أذكر هنا حالة مناضل إسلامي مستنير تعرض للسجن بسبب دوره في «إعلان دمشق للتغيير الوطني الديموقراطي»، اعتبر سجنه عقاباً ربانياً عن ذنوب سابقة اقترفها. موقف شائع بين المسلمين قائم على تجاهل الأسباب الحقيقية الملموسة والصادمة والانحياز لموقف راج في الفكر الإسلامي أيام التراجع والانحطاط، موقف بالغ السلبية ينطوي على تناقض صارخ بين الوقائع والمواقف، ويتناقض مع أبسط قواعد الحساب والعقاب كما وردت في القرآن الكريم والتي تحدد وقت الحساب في الآخرة).
كما فرزت التركيبتان الثقافية والاجتماعية سياسات الهوية وتحديد الموقف من الآخر وفكره وسلوكه بالانطلاق من هويته الدينية أو المذهبية، وقد تجلى ذلك في بنية الأحزاب، حيث غالبية قواعد الأحزاب القومية العربية من العرب السنّة، ولا يمكن أن ترى مسيحياً في حزب ناصري، وقواعد الأحزاب الشيوعية واليسارية جلها من أبناء الأقليات الدينية والمذهبية (هنا أذكر واقعة شخصية صادمة تعكس سيادة ثقافة الهوية. فقد انتشر نبأ زواج ابني محمد من بنت من محافظة اللاذقية، وفاجأني أصدقاء مسيسون، قضوا سنين طويلة في أحزاب شيوعية ويسارية، ومثقفون، بقولهم: «مبروك… بس ما تكون علوية»). وقد برزت سياسات الهوية في ممارسات السلطات العربية بتأسيس السياسة على الهوية باعتماد الرئيس على عصبيته القريبة (الأسرة) أو البعيدة نسبياً (القبيلة أو الدين والمذهب). بالإضافة الى انتشار المحسوبية والوساطة في الحياة العامة على خلفية عرقية أو دينية أو مذهبية.
يستدعي قيام السياسة على علاقات وظيفية وبرنامجية وقيمية وجود بنى مؤسسية وقانونية ناظمة، وهذه لا يمكن أن تقوم من دون إسقاط النظام الشرق الأوسطي، كما دعا ياسين في ختام مقالته.
* كاتب سوري

الحياة:18/2/2017

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة