693 views

افتتاحية مواطنة:الرقة من الصمت إلى عين العاصفة

يبدو أن الأمور باتت تتجه نحو الحسم في الرقة لإخراج تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) الذي استولى عليها في ربيع 2013 بعد انسحاب أحرار الشام وتنظيم النصرة منها.

الحسم هذه المرة يتمثل في اعتماد أميركا على قوات سوريا الديمقراطية كحليف أساسي في المعركة ضد تنظيم الدولة، ما يعني استبعاد تركيا من المشاركة في العمليات العسكرية، ومنع القوات التي تدعمها أيضاً (قوات درع الفرات) من القيام بأي دور محتمل.

المراقب للوضع في سوريا يلاحظ جيداً أن ثمة تبدل في المشهد يتناغم بوضوح مع أولويات السياسة الأميركية في سوريا. قد نتفق أو نختلف على اعتبار ملامح هذه السياسة جديدة أم لا، أو أنها انبثقت عن إدارة ترامب فقط دوناً عن سلفه أوباما، غير أنه بكل تأكيد لا يمكن فصل سياسة أميركا عن القرار الأممي 2254 الذي صاغه الأميركان أنفسهم في ديسمبر 2015 قبل عامين وصدّقه مجلس الأمن بإجماع قل نظيره قياساً بغيره من القرارات المتعلقة بالوضع السوري، دون أن ننسى أن ذاك القرار اعترضت عليه لحظة صدوره أكثر تشكيلات المعارضة السورية لأنه أعطى أهمية لمحاربة الإرهاب في سوريا وصنّف داعش وجبهة النصرة (جبهة فتح الشام حالياً) كهدفين مشروعين للمواجهة في الوقت الذي لم يتطرق إلى مصير الأسد.

ربما يمكن القول إن الجديد في الموقف الأمريكي، إن صح التقدير، يمكن ملاحظته في الانتقال من حالة التعميم والفوضى إلى وضع اللمسات الأخيرة على المشهد العسكري، وأيضاً الجديد اعتماد الأميركان على قوات سوريا الديمقراطية في تحرير الرقة، وإبعاد الشريك التركي الذي ناور كثيراً لإفشال هذا التحالف، حيث أصبح الأتراك يشعرون بقلق بالغ من تراجع دورهم  في الشمال السوري، لا سيما وأن الإعلان المفاجئ، عن انتهاء عمليات (درع الفرات) يشير إلى أن تركيا أدركت أن أفق العملية بات مسدوداً أمام الخيارات الأمريكية الجديدة .

ثمة مخاوف كثيرة تنتابنا من عملية تحرير الرقة من التنظيم الإرهابي، لا سيما ما يتعلق منها بطبيعة العمليات العسكرية التي من المنتظر أن تتم بوجود أكثر من نصف مليون مدني، لم تتم لأجلهم أية تحضيرات لوجستية من أجل حمايتهم إذا ما اضطروا للنزوح الجماعي كما يحدث عادة في هكذا عمليات، خصوصاً وأن الرقة بالنسبة لتنظيم داعش يعتبر حصنها الأخير، ولذلك فإن عناصر التنظيم سيستميتون للحفاظ عليها في أيديهم، وبالتالي فإنهم لن يترددوا في اتباع أساليبهم القذرة واستخدام المدنيين كدروع بشرية، الأمر الذي ينذر بكارثة إنسانية حقيقية تضاف إلى سجل الكوارث الأخرى لبلدنا المنكوب.

هناك مخاوف تثيرها أطياف في المعارضة السورية، حيث تعتبر اختيار الأميركان لقوات سوريا الديمقراطية بأنها وصفة جاهزة لحرب أهلية عربية ـ كردية في ضوء الإغراق الإعلامي المتعمد لممارسات حزب الاتحاد الديمقراطي في المناطق التي قضمتها من داعش في ريف الحسكة والرقة في وقت سابق، فهذه مخاوف ربما يمكن القول بأنها سابقة لأوانها أو على الأقل يمكن الانتظار لما ستؤول إليه الأحداث اللاحقة في عملية التحرير لا سيما مع تأكيدات قوات الحماية الشعبية التي تشكل العمود الفقري لـ (قسد) أنها لن تدخل المدينة وأنها ستكون مساندة في الخارج إلا إن إصرار تركيا على أن يكون لها أو القوات التابعة دور يثير المزيد من المخاوف حول تشكيل قوات مضادة في المدينة بمواجهة قوات قسد وأمريكا ما قد ينذر بتكرار تجربة الفلوجة في العراق…

من المؤكد أن تكليف قوات سوريا الديمقراطية المؤلفة بتحرير الرقة من داعش ينطوي على مخاطر عديدة أهمها البيئة المحلية العدائية تجاه هذه القوات، وسبق أن ذكرنا أن البعض منها مشروع والبعض الآخر يمكن تفهمه في سياق تنازع المصالح والأجندات المحلية والإقليمية والدولية على المشهد السوري وهذا ما يشكل خطر حقيقي على إنجاح العملية بالجدول الزمني المقرر، علماً أن هذه قوات (قسد) تتألف من (لواء تحرير الرقة، جبهة ثوار الرقة، جيش العشائر، لواء أحرار عنزة، كتائب شمس الشمال، قوات الصناديد، المجلس العسكري السرياني، لواء جند الحرمين، ألوية أحرار الرقة، لواء التحرير، لواء المهمات الخاصة 455، لواء 99 مشاة، لواء القعقاع، لواء السلاجقة، لواء السلطان سليم، لواء عين جالوت، قوات عشائر حلب، تجمع ألوية الجزيرة، وقوات النخبة السورية).

أيضاً، هناك خطر آخر يتعلق بالمشروع السياسي الذي يحمله حزب الإتحاد الديمقراطي وهو مازال مثار جدل ولم يحظ بإجماع وطني وهو سابق لأوانه حالياً، لكن مهما يكن، يبدو أنه لاخيار أمام الأميركان غير استخدام هذه القوى (العربية ـ الكردية)، الموثوقة، في مواجهة داعش خاصة بعد عدة محاولات فاشلة لإيجاد قوى عسكرية عربية فقط لإنجاز هذه المهمة، والتي من الواضح أنها لن تكون الأخيرة ولكنها ستحدد تخوم و نفوذ القوى الدولية والإقليمية والمحلية على الأرض السورية تمهيدا لتوظيفها في الترتيبات النهائية للحل في سوريا.

ونحن إذ ندعم هذا الخيار، فلأننا نعتقد أن هزيمة داعش والنصرة وأخواتها قد تفتح آفاقا جديدة في مسيرة نضال الشعب السوري من أجل حريته وكرامته في مواجهة نظام الطغمة في دمشق.

تيار مواطنة 22.03.2017

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة