407 views

التقرير السياسي الصادر عن المؤتمر الاعتيادي الخامس لتيار مواطنة 25-11-2017

img

شهدت الفترة القصيرة، التي انقضت بعد المؤتمر الرابع لـ”تيار مواطنة”، تطورات تراكمية هامة فيما يخص تأثير الوضع الدولي والإقليمي ، وفيما يخص الوضع الداخلي حدثت تطورات ميدانية وعسكرية هامة أيضاً، لكن عموماً يبقى جوهر تحليلنا السابق صحيحاً في سياقه العام ، وسنتناول الوضعين الإقليمي والدولي فقط من زاوية علاقتهما بالوضع السوري.

الوضع الدولي

عالمياً، وعلى عكس التخوفات التي سادت بعد سقوط الإتحاد السوفييتي، لم يصبح العالم هو عالم القطب الواحد على جميع المستويات العسكرية والسياسية والإقتصادية، فروسيا عادت للعب دور عالمي في أوكرانيا وسورية، وأوربا لها هامش حركة في مناطق نفوذها مثل أفريقيا، وحتى الدول الأقل أهمية مثل إيران وتركيا، تلعب أدوراً اقليمية شبه مستقلة لا تحظى بالرضا دائماً من الأقطاب الكبيرة، ودول مثل السعودية وقطر والإمارات أيضا تلعب أدواراً في مناطق نفوذها: سورية اليمن ليبيا، وبالطبع يحدث كل ذلك ضمن توازنات تخضع لتغييرات السياسة في الدول العظمى، ووفق التطورات الميدانية في مناطق النفوذ، وضمن تشابك الدوائر المحلية والإقليمية والعالمية.
وقبل أن نحاول فهم تأثير الوضع العالمي في سورية، نعتقد أن الوقائع العنيدة لا تسمح لذي عقل برفض الدور الدولي، فالحل “الوطني” أو “الداخلي” ليس إلا أمنية طوباوية، وقد تعني إعادة الحل إلى أيدي السوريين، تسليم سورية إلى حرب طويلة أبطالها النظام من جهة، والمتطرفون الإسلاميون من جهة ثانية، وبالتالي القضاء على المشروع الوطني السوري. إن قبولنا بالحل الدولي في الظرف الملموس ينطلق من أنه سينهي داعش والنصرة كأولوية، ومن أنه لا بد بعد ذلك أن يشرع في دعم مسيرة انتقال سياسي، وهذا القبول لا يعفي السوريين من أصحاب المشروع الوطني السوري من محاولة حجز أكبر مساحة ممكنة من التأثير في التطورات المفروضة على ساحتنا وبقدر ما نستطيع من أجل أن يفضي المشروع الدولي إلى حل سياسي يدعم مسيرة السلام وينهي مناطق النفوذ المؤقتة لجميع البلدان.
إن التوافق الدولي يمكن أن يساعد في القضاء على الإرهاب حقيقة، لكنه لن يساعد على بناء مشروع دولة المواطنة الديمقراطية ما لم يساهم المؤمنون بالمشروع بهذا الجهد، بالاستفادة من كل فرصة ممكنة مثل إنتخاب مجالس محلية للمناطق خارج سيطرة النظام في الشمال ، أو في جنوب سورية بما يشمل محافظات درعا والقنيطرة والسويداء. ومع أنه كان واضحاً منذ دخول الثورة في نفق العسكرة وما رافقها من أسلمة للثورة فان المشهد السوري غدا محكوماً بموازين القوى الإقليمة والدولية، فكل من المحاور القطرية – التركية وبدرجة أقل السعودية لعبت أدواراً سيئة وتخريبية لأطر المعارضة السياسية والعسكرية معاً، مقابل الدور الإيراني وميليشيات حزب الله وأضرابها من الميليشيات الطائفية الرديفة، التي جاءت من العراق وأفغانستان لنجدة النظام الآيل للسقوط، والتي لم يكن  دورها أقل سوءاً وتخريباً من خلال تطييف الحالة السورية وتخريب النسيج الوطني لكل مكونات المجتمع السوري.
إلا أنه مع بدء معركة تحرير الرقة وما رافقها من حضور أمريكي بقيادة التحالف الدولي في شمال سوريا، وصولاً إلى إعلان التوافق الروسي الأمريكي على خفض التصعيد في جنوب سورية، أصبح العامل الدولي /أمريكا وروسيا/ هو المتحكم الرئيس في مآلات المشهد السوري، إذ يمكن أن نقرأ بداية تفاهم يهدف إلى إضعاف العوامل الإقليمية في سورية، المتمثلة بإيران وتركيا أولا ومن ثم السعودية والخليج العربي عموماً.
ومع أنه من المبكر الجزم بالمآلات النهائية للتفاهم الروسي الأمريكي الذي أعلن عنه في مؤتمر مجموعة العشرين بهامبورغ، بدليل أن الروس مازالوا يؤكدون بشكل مستمر على تمسكهم بنظام الأسد، وبالمقابل لم نشهد تنازلات أمريكية حتى في مستوى إلغاء العقوبات على الكرملين، لا بل صدرت عقوبات جديدة مؤخراً. فكيف لنا أن نحل تلك الأحجية؟
من الواضح أن تشابك وتعقيد العلاقات الروسية الأمريكية ليس بالأمر السهل، بدءاً من الإحتلال الروسي لشبه جزيرة القرم والنزاع في أوكرانيا، وصولاً إلى الدور الروسي في سورية محمولاً على تفاهم إقليمي متبادل مع إيران بداية وتركيا لاحقاً، والذي وجد حامله السياسي في اجتماعات أستانة التفاوضية، كبديل عن مفاوضات جنيف المتعثرة بقرار روسي، غير أن ذلك لم يمنع روسيا مؤخراً من تجاهل الدور الإيراني، ومن عدم التمسك بالمصالح التركية التي اعتقد أردوغان أن الكرملين سيشكل داعماً لها مقابل تلكؤ الإدارة الأمريكية، وبشكل خاص فيما يتعلق بدور قوات قسد وحزب
P.Y.D، الذي تعتبره تركيا تهديداً لأمن تركيا القومي واستقرارها مستقبلاً.
لذلك نحن نتحدث فقط عن بداية تفاهم روسي أمريكي، قائم على تحقيق المصالح الجيوسياسية والإقتصادية لكل منهما، تفاهم لم يصل بعد إلى حد التوافق على استراتيجيات مشتركة، ربما تنطلق من الساحة السورية وتستمر في اوكرانيا ومواقع أخرى، لكن هذه البداية المتأخرة شكلت أهم فارق في التوازن الدولي وإنعكاسه على المشهد السوري راهناً، في ظل عجز أو شلل المنظمة الدولية عن دور فعال أو مؤثر خارج التوازنات السابقة. بالمقابل نلاحظ أن الإدارة الأمريكية، ورغم إعلان تركيا تحفظاتها على أي دور كردي في شمال سورية، ماضية بدعم قوات “قسد” في معارك تحرير الرقة والسيطرة على المناطق التي يتم طرد داعش منها شمال وشرق سوريا، لذلك لم تتوان كل من طهران وأنقرة عن التصريح أنهما ترفضان هذه السياسة التي لم تراعِ مصالحهما الإقليمية، مع عجز الأخيرتين عن خلق محاور واصطفافات بديلة.

الاستراتيجية الأمريكية الملتبسة والعلاقة مع الاستراتيجية الروسية :

من المتوقع أن يكون للاستراتيجية الأمريكية – على الرغم من التباسها- امتدادات إيجابية على مصالح الشعب السوري وذلك من خلال إضعاف النفوذ الإيراني في سورية بما في ذلك حلفاء المذكور من حزب الله إلى سائر الأطراف الأخرى وقد بدأ ذلك بشكل أو بأخر عبر العقوبات الأخيرة وعبر الطلب من حلفاء أمريكا اعتبار حزب الله إرهابياً (سياسياً وعسكرياً) ومن المتوقع أيضاً أن أمريكا سوف تعمل مع الحلفاء بعد الانتهاء من داعش على الانتهاء من المليشيات الشيعية في سورية جنباً إلى جنب مع الانتهاء من جبهة النصرة بشكل أو بأخر. كما يمكن التوقع أن أمريكا قد تمارس الضغوط مع حلفائها على الروس والسلطة السورية عبر السلاح الكيميائي, وعبر قضايا جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية. ومن شبه المؤكد أن نهاية داعش ستضع الروس والسلطة السورية أمام استحقاق الحل السياسي بعد سقوط ذريعة مكافحة الإرهاب, وفي السياق نفسه سياق إضعاف النفوذ الإيراني يجيء السباق نحو البوكمال بين أمريكا وحلفائها والسلطة السورية وحلفائها, وفي كل الأحوال فإن التصريحات – وأحياناً المعلومات – الأمريكية حول الرقة وحول قسد ومستقبل الأسد والدور الإيراني يأتي في السياق نفسه الذي يفسر هو الأخر الاستعجال الروسي – وربما التخبط – في إخراج تسويتهم للوضع السوري لأن الروس يعرفون جداً أن كل يوم يمر بعد دحر داعش يختلف عما سبق ويدفع نحو استحقاقات واصطفافات جديدة دولية وإقليمية وعربية ومحلية لا تخدمهم بالضرورة إن لم نقل العكس.
إن الروس الذين عملوا لسنوات طوال وبخاصة في العام الأخير على العمل بالتدريج ومن تحت وفي الميدان وعبر نسج الخيوط مع الأطراف الإقليمية والعربية والمحلية يريدون قطف ثمار عملهم قبل فوات الأوان ومن هذا المنطلق يمكن فهم الضغط الروسي على الكرد في سورية للوصول إلى تفاهم أو اتفاق مع السلطة حول الجزيرة السورية يقوم على تراجع قسد نحو الشمال وتسليم الجنوب إلى السلطة والحصول على شكل من أشكال الحكم الذاتي الذي يبدو أن السلطة تناور عليه على النقيض من المعارضة, إلا أن الأمر فيما يتعلق بالتفاهم المطلوب يعود في نهاية المطاف إلى الموقف الأمريكي في سورية بشكل عام وفي الجزيرة بشكل خاص بما في ذلك دور قسد باتجاه البوكمال.
إن تيار مواطنة يعتقد أن هنالك العديد من الأسباب وراء ارتباك والتباس الاستراتيجية الأمريكية ولكنها تتكشف بالتدريج وببطء غير مقصود, بل مقصود أحياناً.

الوضع الإقليمي

شهد الوضع الإقليمي تغيراً ملموساً (تركيا- الخليج- لبنان-كردستان العراق ) بعد المؤتمر الرابع لـ”مواطنة”، وصارت اللوحة بالعام أكثر وضوحاً، فقد ظهرت على السطح، وبشكل سافر، الخلافات الخليجية، وتفاقمت أزمة اللاجئين، واستمر بشكل مكشوف دور التحالف الإيراني الشيعي وحلفائه المحليين من حزب الله إلى الحشد الشعبي وصولاً للميليشيات الافغانية  وغيرها.

إيران

رغم التوقعات  بأن يحدَ الدخول الروسي الكثيف للساحة السورية من النفوذ الإيراني، إلا أن الجانب التنسيقي والتشاركي لا يزال يغلب على الجانب التعارضي، فدور الروس في الجو السوري لا يكفي بدون دور الإيرانيين في البر، هنا توجد مؤشرات متعارضة تتراوح بين قيام الروس بإضفاء شرعية على الوجود الإيراني الروسي عبر مؤتمرات واتفاقات استانة وذلك باعتبار إيران دولة ضامنة لوقف إطلاق النار في سورية، وبين اتفاق الجنوب الذي عقده الروس مع الأردن وأمريكا والذي يبعد إيران عن العمل في هذه المنطقة، ويجب أن لا يفوتنا ملاحظة أن موقف الادارة الاميركية الجديدة تجاه إيران اختلف جذرياً عن سابقتها، إذ بعد أن كانت إدارة اوباما تكتفي بنجاحها في عقد الاتفاق النووي الايراني، عادت إدارة ترامب لترى إيران دولة مارقة يجب الحد من قدرتها على التمدد خارج حدودها، وربما من خلال دعم سياسي للقطب الاسلامي المنافس العربية السعودية، وكان آخر المؤشرات هو العقوبات الأمريكية الأخيرة المفروضة على كيانات وأشخاص يعملون  في دعم مشاريع التسليح الإيراني، حيث ورد في سياق تبرير العقوبات، دور إيران في دعم نظام الأسد.
ولكن حتى الآن لا يوجد تغير نوعي أو حاسم أو جدول زمني يخص الدور الإيراني في الحالة السورية، ويتم تداول أخبارغير مؤكدة بعد، عن اتفاق لوقف إطلاق نار جديد أمريكي – روسي في سورية في المنطقة الوسطى، قد يعني الحفاظ على نفوذ مهم لإيران في هذه المنطقة، وربما يأتي ذلك ضمن ما يجري من اتفاقيات تقاسم النفوذ في سورية، وقد يكون تعويضاً لإيران عن الحد من نفوذها في منطقة الجنوب.
إن استمرار النفوذ الإيراني في سورية وفي كامل المنطقة يجعلها دائما غير مستقرة، ويجعل من أي اتفاق لوقف إطلاق النار هشاً يمكن خرقه، إذ لا يمكن التوصل إلى حل سياسي في سورية دون الحد من هذا النفوذ.

لبنان

رغم المساعدات الأممية التي تصل إلى اللاجئين، الذين يشكلون ربع السكان في لبنان، تلك المساعدات التي ساعدت في تنشيط السوق التجارية اللبنانية، فإنهم يتعرضون لظروف معيشية صعبة وأحياناً لبعض الإنتهاكات والاستفزاز على أساس عنصري، للضغط عليهم من أجل إعادتهم القسرية لمناطق نفوذ النظام وحزب الله، مما قد يعرضهم للمخاطر والانتقام.
وتتفاقم مشكلة اللاجئين السوريين في لبنان، وفي عرسال تحديداً، حيث شجع القرب الجغرافي العديد من السوريين على اللجوء، وسكن أغلبهم في مخيمات تفتقر لأبسط مقومات العيش، ومعظمهم يرزحون تحت خط الفقر، في دولة تتحكم بها عسكرياً على الأقل، مليشيا حزب الله الموالية لإيران المتدخلة بعمق في الوضع السوري الداخلي، وهي تتحمل مسؤولية كبيرة في تهجيرالسوريين وخصوصاً في المناطق المحاذية للبنان، ليقعوا لاجئين تحت سيطرتها من جديد. في الوقت نفسه تتواجد قوى عسكرية هامة تابعة لجبهة “النصرة” ولـ”داعش” في المناطق الحدودية السورية اللبنانية، ولا يمكن إنكار وجود علاقات لهذه المنظمات مع مخيمات اللجوء في لبنان، بهذا المعنى يمكن فهم قرار الحكومة اللبنانية المتوافق عليه بين الفرقاء اللبنانيين، بمواجهة المتطرفين وامتداداتهم، وباختيار توقيت دولي مناسب، واذا كان يمكن اعتبار الهجوم الذي شنه الجيش اللبناني على مخيم عرسال حقاً طبيعياً للدولة اللبنانية، فانه لا يمكن بأي شكل من الاشكال تبرير هدر حقوق المدنيين وتجاوز المعايير الدولية الحقوقية في الاعتقال والتحقيق، ولا إهانة وتعريض المدنيين للموت سواء أثناء الهجوم أو خلال التحقيق ، وتشجيع النزعات العنصرية والطائفية تجاه السوريين، فكل ذلك أمور لا تبررها محاربة الإرهاب، وهي تزيد من الاحتقان الموجود في لبنان اصلاً مثلما تزيد في معاناة اللاجئين، في المقابل أظهر قسم من الأخوة اللبنانيين وخاصة بعض المثقفين والمحامين موقفاً إنسانياً وحقوقياً ديموقراطياً حقيقاً.

 

تركيا

في الشمال يتعقد الوضع الإقليمي بين الدعم الأمريكي لقوات “قسد” في حربها مع داعش، الحرب التي تشكل أولوية أمريكية وغربية وربما عالمية، وبين الموقف التركي المعارض لدور قسد في شمال سورية عموماً، إذ ما زالت تركيا تعتبر حزب العمال الكردستاني التركي وفرعه السوري PYD منظمات إرهابية، وهي تحضر للهجوم على عفرين، إذا وجدت أن الوضع الدولي يسمح لها بذلك، بالتشارك مع بعض الفصائل السورية المدعومة من قبلها. وتركيا تعتبر الكرد خطراً أكبر حتى من الإرهاب الداعشي، وهذا التوجه يشكل عنصراً أساسياً من عناصر الموقف التركي للتدخل في سورية، وبهذا فهي تتفارق مع السياسة الأمريكية التي ترى أن محاربة الإرهاب المتمثل ب”داعش” و”النصرة” أولوية، ويمكن تفسير الحصار والقصف التركي على عفرين ضمن هذه السياسة المعادية للكرد، إضافة إلى التنافس على مناطق النفوذ وتوسعتها، لتصبح أمراً واقعاً يمكن توظيفه عند التوصل للحل السياسي للمعضلة السورية.
ربما يفسر هذا التناقض جزءاً ليس نافلاً من إنقلاب السياسة التركية، حيث انتقلت من حالة توتر شديد مع روسيا بعيد اسقاط الطائرة الروسية، إلى تحالف مؤقت شمل العدو الأيدولوجي الأول/ إيران، ضمن تفاهمات على سياسات إقليمية تتوجت باعتراف متبادل للأدوار والمصالح وتكريس الدور التركي في اتفاقات استانة كضامن لوقف إطلاق النار مع روسيا وإيران. هذه التغيرات كما ذكرنا كان لها أثر في إعادة رسم خطوط السياسة التركية تجاه سورية، فبعد أن سهلت تركيا ولفترات طويلة الإمداد اللوجستي للمنظمات الإرهابية في سورية، تحولت لتصبح حليفة في الحرب عليه، حتى الآن في الحرب على داعش فقط، ولكن من موقع المصالح التركية في تشكيل مناطق نفوذ تركية، ومن موقع العلاقات مع روسيا، وليس عبر التحالف الدولي الغربي ضد الإرهاب، وبالطبع الفارق كبير بين الحالتين.

تركيا وقطر

 وكان لتركيا دورأيضاً في الخلاف، بين دول الخليج مضافاً إليها مصر من جهة، وقطر من جهة أخرى. الخلاف الذي ظهر جلياً في الفترة الأخيرة وإن كان يعود لسنوات سابقة، هوخلاف حول النفوذ والهيمنة في المنطقة العربية بين أطراف متشابهة ومتنافسة، تستقي من نفس المنبع الإيديولوجي، وقد اصطفت تركيا مع حليفتها قطر ووضعت ثقلها العسكري والسياسي لصالحها، دون أن تقطع العلاقات ومحاولات الوساطة مع القطب الذي تتزعمه السعودية وحليفتها الإمارات. الخلاف الخليجي بعد ثورات الربيع العربي تمظهر في عدة محطات منها الموقف من انقلاب السيسي، وكان له تمظهرات في ليبيا واليمن، وفي سورية عبر عن نفسه بقيام كل طرف بدعم فصائل عسكرية متنافسة أو تكوينات سياسية معينة بهدف خلق النفوذ المناسب.
هذا الخلاف بلغ أخيراً عتبة التفارق، فقد أعلنت دول أربع هي السعودية والإمارات والبحرين ومصر مقاطعة قطر،مطالبة إياها بتحقيق شروط محددة بست نقاط أو مبادئ. إن التركيبة السياسية من حيث نمط العائلات الحاكمة وامتداداتها، والنمط الإيديولوجي المسيطربطريقة لا تسمح بمواجهته بسهولة، حتى من قبل السلطات الحاكمة والنظام المالي في هذه الدول، كلها عناصر أكدت مسؤولية جميع الدول الخليجية في دعم غير مباشر للإرهاب من خلال أفراد أو كيانات تابعة لهذه الدول.
وقد دعمت قطر في محاولة منها لأن تكون لاعباً مهماً في المنطقة، اعتماداً على قوة اقتصادية تعطي انطباعاً بالأهمية أكبر مما يعطيه الحجم الصغير لهذه الإمارة، التي تتمركز فيها أهم قاعدة عسكرية امريكية” قاعدة العديد”، دعمت فصائل مسلحة في كل من سورية وليبيا هي أفرع لمنظمة القاعدة الإرهابية، بغض النظرعن اختلاف التسميات كما فعلت مع جبهة “النصرة” في سوريا مثلاً، كما دعمت الإخوان المسلمين في مصر، والذين يعتبرون أعداء تاريخين للإمارات والسعودية، في حين دعمت السعودية رسمياً فصائل وكيانات يصنفها المجتمع الدولي إسلامية معتدلة.
تركيا اتخذت موقفها إلى جانب قطر، كما هو متوقع طالما هي في منافسة مع القطب الإسلامي الأخر السعودية، وكذلك فعلت إيران الشيعية أيضا في منافسة القطب السعودي السني المنافس، ومن هنا نفهم لماذا كان أحد مطالب الدول الخليجية الابتعاد عن إيران. وبعد الضغوطات الأمريكية خاصة، والتوسطات الدولية تتجه أزمة دول الخليج مع قطر إلى التهدئة، فقد تم التخلي عن المطالب ال 13 لصالح ما سمي بالمبادئ الستة، التي نعتقد أنها قابلة للتفاوض ويفترض تطبيقها ليس من قبل قطر فقط بل من قبل جميع دول الخليج، فأهم ما فيها هو التزام الجميع بمكافحة الإرهاب وعدم تمويله وعدم توفير ملاذات آمنة له.
ما يهمنا في “تيار مواطنة” هو تأثيرالخلاف الخليجي على الوضع السوري، فقد كان له انعكاس سلبي كبير عام ٢٠١٣ وتفاقم في ٢٠١٤، لكن وضمن التوجه العالمي الجديد الذي يصر على أولوية محاربة الإرهاب، وبعد توقيع قطر على مذكرة تفاهم مع أمريكا لمواجهة الإرهاب، وبعد طرح المبادئ الستة التي كما قلنا يجب أن تطبق على الجميع، نعتقد أن هذه الازمة الخليجية ستنعكس ايجابياً على الوضع السوري فبعد تعويم موضوع دعم المنظمات الإرهابية على المستوى الإقليمي، لابد أن تصبح مواجهتها أمراً بدهياً وأكثر سهولة.

الوضع المحلي

الإرهاب لماذا؟

قد لا يكون المجال مناسباً لبحث تحليلي لموضوع الإرهاب هنا لكن لابد من معالجة سريعه لهذا الموضوع. يرجع الكثيرون نشوء الإرهاب في المنطقة ” سورية والعراق” إلى أسباب إيديولوجية، وبالطبع لا يمكن إنكار وجود دور للإيديولوجية يمكن بحثه في كل ظرف وفي كل حالة بارتباطه بالواقع الاجتماعي التاريخي السياسي ..الخ. لذلك نختصر بالقول أن الإيديولوجية الدينية موجودة منذ مئات السنين، أما نمو ظاهرة الإرهاب ووصولها إلى حدها الأقصى في القدرة والفعالية فهو يرتبط مباشرة بممارسات أنظمة الحكم السياسية الشمولية، بوجود مجموعات حاكمة فاسدة، عائلية وطائفية كما تثبت الوقائع وجود المظلوميات المتبادلة لدى الجميع  وخاصة في العراق وسورية. إن المسؤولية المباشرة لبعض الأنظمة في إظهارالإرهاب إلى العلن واستثماره هو أمر يحتاج إلى متابعة وفيه الكثير من التفاصيل والمعلومات الاستخباراتية المثبتة  والمؤكدة. إن فهم علاقة الأنظمة بالإرهاب أو بنشوء الإرهاب يصبح أكثر إلحاحاً في المرحلة التالية للهزيمة العسكرية لداعش والتطرف عموماً، عندما نفكر بأوضاع سياسية لا تنتج تطرفاً جديداً وعندما نفكر بالوسائل الناجعة لمحاربة التطرف ومنع ظهوره من الأساس عبر المواجهة السياسية والثقافية وسيادة روح القانون والعدالة الاجتماعية والرخاء الاقتصادي والمحاسبة ومنع المظالم وردها.
إن قبولنا بالدور الدولي العسكري في مواجهة الإرهاب وترحيبنا به، لا يعني القبول بأية انتهاكات تطال حقوق المدنيين بحجة أن الحرب دائماً قذرة. ومن أجل أن لا يصبح هذا الموضوع مجرد أداة ديماغوجية فإن المرجعية فيه يجب أن تكون للمنظمات الدولية المحايدة والمستقلة، نقول ذلك مع الإقرار المؤسف بإمكانية وقوع ضحايا مدنيين دائماً، خاصة وأن الطرف الأخر “داعش” الذي يعتبر المدنيين رهائن ودروع في معركته، معروف بعدم تبنيه لأية معايير أخلاقية في حربه. أخيراً لابد من القول أن الإنتصار العسكري على داعش في الموصل وتحقيق بعض الإنتصارات في معركة تحرير الرقة لا يعني الإنتصار النهائي على هذا التنظيم، الذي لا يزال له تواجد في بعض المناطق الأصغر حجماً، والذي يتميز بقدرة عالية على المواجهة باستخدام تكتيكات انسحابية وهجومية، وباستخدام تكنولوجيا متطورة، وربما يكون قد طور في هذه الفترة تكتيكات جديدة بزرع خلايا نائمة واستخدامها في شكل من أشكال حرب العصابات لكن وكما ألمحنا سابقاَ فإن أية استعادة للدور الداعشي، أوما يشابهه من أشكال التطرف، مرهونة بالتطورات اللاحقة التي قد تبقيه كامناً أو تنهيه تماماً او تظهره وتساعد على التطورمن جديد.

التقسيم

التقسيم هو من أكثر الافكار التي تحصل على حيز من النقاش والتدول في أوساط النشطاء والمهتمين لذلك من الضروري إجراء مناقشة هادئة وعقلانية لهذه الفكرة، التي غالباً ما تناقش بعقلية ساذجة وبموروث اتهامي مسبق، وتدل فيما تدل عليه من استمرار لعقلية الملاحقة والمؤامرة. إن النقاش يجب أن ينطلق من عدم توفر الإمكانات الواقعية الملموسة لتحقق الفكرة، فلا توجد منطقة في سورية قادرة على أن تكون كياناً منفصلاً سياسياً واقتصادياً مالم تكن تابعة لدولة أخرى، وثانياً إن الوضع الإقليمي والدولي ليس من مصلحته التعامل مع مجموعة دويلات صغيرة، وثالثا توجد فيتويات قوية على إنشاء مثل هذه الدويلات، ورغم أن الوضع الكردي هو المرشح بحكم خصوصية القضية الكردية لمثل هذا الإحتمال فإن الأمر حتى الآن، قد يكون مطروحا بالمعنى الإيديولوجي ولكن ليس بالمعنى السياسي، وتضع كل من إيران وتركيا فيتوهات قوية على مثل هذا الاحتمال، والنظام السوري لم يقبله حتى في لحظات ضعفه لانه يعني انهياراً في نمط خطابه السائد وبداية تغير حقيقي لقدرته على الاستمرار في حكم سورية كما هي. إنما وكما يقولون “لا يوجد شيء أكثر استدامة من الأشياء المؤقتة”، لذلك نقول بدورنا إن فترة مديدة تنقضي على وجود مناطق أو كانتونات شبه منفصلة، ناتجة عن مناطق نفوذ تفرضها اتفاقات دولية بالقوة، تخلق تعقيدات كبيرة على صعيد إعادة التوحد والاندماج، دون أن تجعلها مستحيلة، ومن المفيد هنا التذكر أن موظفي الدولة استمروا في قبض رواتبهم من النظام السوري، رغم وجودهم في مناطق تابعة للمعارضة، وهو أمر مزدوج الدلالة، النظام لايريد القطع مع هذه المناطق، والمسيطرون على هذه المناطق كانوا عاجزين -من حيث النتيجة- عن إدارة مناطقهم.

هل يمكن تغيير الأسد؟

لا يزال ما يجري داخل سورية محكوماً بشكل أساسي بميزان القوى الذي أحدثه التدخل الروسي في أيلول 2015 والذي يعتبرعسكرياً وسياسياً محطة هامة على طريق إعادة إنتاج للنظام، مع تجميل يسميه الروس تغييراً دستورياً، ويعتبرونه كافياً لتسوية سياسية مع المعارضة، ربما العنصر الأهم فيه هو استمرارالأسد ونظامه، على الأقل لفترة غير معروفة، رغم ما يقوله الروس من أنهم لا يحرصون على الأسد وإنما على القانون الدولي، وأن تغيير الأسد مسألة يحسمها السوريون، مع ذلك نعتقد أن فكرة تغيير الأسد هي تابو بالنسبة للروس رغم انهم لا يرغبون في الغوص وحدهم ، ولزمن طويل في المستنقع السوري، هكذا فإن الروس قد يكونون مستعدين لمرونة تسمح بتغيرات مناسبة مع الحفاظ على مصالحهم الاستراتيجية، أما بالنسبة للغرب فإن القبول باستمرار الأسد هو مسألة براغماتية قابلة لإعادة النظر بمجرد الإنتهاء من محاربة داعش وهزيمتها. لكن ما يجب أن يؤخذ بالاعتبار- من قبل الجميع- هو إشكالية الحفاظ على النظام وتغيير الرئيس، تلك الإشكالية التي ستظهر صعوباتها عند التخطيط، وخاصة عند البدء بتنفيذ عملية الإنتقال السياسي التي هي في سورية أعقد بكثير مما يتصور بعض الباحثين والساسة، ربما بسبب عدم التقدير الكافي لفهم علاقة السلطة – الدولة بعد سنوات القمع الشمولي ثم سنوات الثورة حيث تذررت بنية الدولة إلى مجموعات مسيطر عليها من قبل ميليشيات العسكر والعائلة والمال، وقد يكون أحد مؤشرات صعوبة استعادة الدولة ذلك العدد المتزايد من الموظفين السوريين العاملين في المؤسسات المدنية والعسكرية، الذين أصبحوا مدرجين على قوائم العقوبات بسبب شبهات دعمهم للنشاطات الكيماوية، إضافة إلى سلسلة طويلة من المسؤولين الكبار والمتوسطين والصغار.
إن نجاح النظام النسبي- والنسبية هنا تفيد أنه لم ولن يستطيع استعادة سورية كما كانت قبل اذار 2011- في الاستمرار والمحافظة على السلطة، يعود أساساً إلى دور القوة العسكرية، ولكن ليس أساساً قوة الجيش السوري الذي فقد منذ زمن بعيد احترافيته والذي بني في عهد الأسد الأب على عقيدة سلطوية غير وطنية، وممارساته الوحشية. في بداية الثورة السورية انسحب النظام من المواجهات، وركز على حماية العاصمة وبعض المراكز المدنية بواسطة القوات العسكرية الأكثر موثوقية، والتي تدين بولاء على الأغلب طائفي، واعتمد على تجنيد ميليشيات محلية يمولها أثرياء السلطة، ولكن هذا لم يكن كافياً فاستعان بدعم إيران وحزب الله وكل الميليشيات الطائفية الرديفة التي أمنت له العنصر البشري الضروري للمواجهات البرية، وأمنت له المحافظة على قوة عسكرية مواليه بشكل شبه مطلق ليس فقط في حماية العاصمة ومراكز المدن بل في إعطاء الإيحاء أنه يمتلك جيشاً وطنياً وساعده ذلك أيضاً على التحكم في الميليشيات المحلية والمستوردة، هذا في حين أمن له الروس استمرارالتفوق في الجو، الذي كان له دور حاسم، وكان كفيلاً ليس فقط بإنهاك المسلحين بل بجعل الحياة مستحيلة في مناطق تواجد المعارضة بسبب الحصار والتجويع إضافة إلى قصف المنشآت الحيوية :المدارس والمشافي والأفران…الخ ولم يكن النظام بحاجة إلى الكثير من العمل لتفريق خصومه فهم متفرقون أصلاً، وهذا ما سمح له بالتعامل التكتيكي المناسب ووفق الأولويات التي يختارها للتعامل مع المناطق كل على حدة، وبعكس الخطاب الإعلامي الرائج والذي يثلج صدور الغرب، خطاب مواجهة الإرهاب، لم تكن مواجهة داعش أولوية للنظام، بل كان يختار أن يتركها غالباً تصارع الفصائل الاخرى، وتستولي على مناطقها، أو حتى تستولي على مناطق واسعة مثل تدمر، لا تشكل له أهمية استراتيجية، لتثبيت مقولة ” أنا أو داعش أو انا أفضل من داعش”،  لكن الأوضاع الجديدة لم تعد تسمح له باستمرار اللعبة، فجميع اللاعبين الإقليميين والدوليين وبعض اللاعبين المحليين، يحاولون الحصول على حصتهم من النفوذ في سورية من خلال مقولة مواجهة داعش والإرهاب، وهنا نقول مع الأسف: لم تستوعب الكيانات العسكرية والسياسية المحسوبة على الثورة السورية هذا الملمح الجديد الذي وسم الوضع في سورية، باستثناء
“قوات سورية الديموقراطية” التي عمودها الفقري حزب PYD، وربما باستثناء بعض فصائل الجيش الحر التي عملت مع الأتراك على هزيمة داعش شمالي حلب، ولا يقلل من أهمية ذلك أن للدور التركي مقاصد أخرى تتعلق بإعاقة حزب  PYD عن ربط عفرين بمنطقتي الحكم الذاتي الكرديتان. وباعتبار أن النظام سيطر على ما يعتبره “سورية المفيدة” أصبح يستطيع الأن، ولابد له من أن يقوم بمواجهة داعش لأن هذه المواجهة أصبحت كلمة السر التي لابد منها لتحقيق المكتسبات على الأرض والتسابق عليها باعتبارها ستصبح عنصر قوة له  وسيكون لها تأثير كبير في شكل ومضمون التسوية السياسية المقبلة.
لكن من جهة أخرى، ورغم حجم انتصارات النظام، فإنها لا تكفي لاستعادة سيطرته، مع الإقرار بإمساكه بمؤسسات الدولة السورية العسكرية والمدنية، في مناطق سيطرته، التي هي الأهم بالطبع، المؤسسات التي كانت توصف بالفساد والبيروقراطية والطائفية أصبحت-عدا بعض الهياكل الإدارية-أشبه ما تكون بمجموعات مسلحة أو مدنية تدين بولاءات متعددة، ترتبط  بالنهاية مع رأس النظام، مع هوامش استقلاليه مفروضة واقعياً. العنصر الثاني في استحالة تجدد النظام يكمن في أنه لن يكون هناك إمكانية لإرساء سلم أهلي حقيقي في سورية دون مزاوجة العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية، بما تعنيه ليس فقط من إطلاق سراح المعتقلين وتوضيح مصير المفقودين، بل أيضاً محاسبة المجرمين، وهو الأمر الذي سيطال دوائر واسعة محسوبة على النظام لا تنحصرفي كبار الضباط والمسؤولين بل تصل إلى المسؤولين من الدرجة الثانية والثالثة، الذين يثبت تورطهم، بالطبع بعد إجراء محاكمات عادلة. العنصر الثالث هو استحالة إعادة الإندماج في المحيط الإقليمي العربي أو العالمي بدون إجراء تغييرات حقيقية، تتجاوز المنظور الروسي للتغيير، فنجاح نظام الأسد “الأب المؤسس” كان يقوم على إدراكه لضرورات التعامل مع الدائرتين الإقليمية والعالمية، لكن نظام الأسد “الإبن الوريث” لا يبدو أنه كان قادراً على إدراك هذه الضرورات، وهي مشكلة ربما يمكن معالجتها لولا التاريخ الدموي المكثف للنظام بدءاً من 2011، فحسب مصادر للأمم المتحدة يوجد ما يكفي من الوثائق لتجريم الأسد وكبار المسؤولين وتحويلهم إلى المحكمة الجنائية الدولية، لكن الاعتبارات السياسية لا تسمح بذلك حتى الآن وفي جميع الاحوال أصبح النظام ورأسه غير قابلين للإندماج في المجتمع الدولي من جديد حتى لو لم يحاكموا.

إن التفوق العسكري لنظام الأسد لم يحم المدن من القصف العشوائي الذي يأتي من المناطق المتمردة، وغالباً ما يطال المدنيين الأبرياء، في حين يوظف النظام إمكانات عسكرية مع حلفائه لمحاصرة وتهجير مناطق لا تشكل خطورة عسكرية ولو وجد فيها مسلحون، بقصد تهجيرها وتعقيد عودة أهلها حتى بعد رحيل المسلحين.
أما صعوبات الحياة المعيشية فهي لا تقتصر على المناطق التي تسيطر فيها المعارضة بل تسِمُ المشهد السوري بأكمله، مما يعقد ظروف حياة السوريين، وربما يدفعهم للهجرة وطلب اللجوء بحثاً عن الأمان، بكل مافي كلمة أمان من معنى، وخاصة عندما يكون لديهم أبناء في عمر الخدمة الإجبارية.

 تحرير الرقة

وبعد غياب طويل عن لعب دور استراتيجي واضح عادت أمريكا ترامب إلى التواجد والحضور الذي بدأ يعكس نفسه على التطورات السورية وبهذا المعنى لم يعد الروس يلعبون وحدهم ولكن حتى الآن فإن الدور الأمريكي، المتزايد عسكرياً وسياسياً، ليس دوراً نقيضاً للدور الروسي أكثر مما هو دور مكمل هو دور يقر للروس بما يترتب على نفوذهم العسكري والسياسي المكتسب، ليس باعتبار أنهم كانوا السابقين فقط  بل أساساً بسبب الاتفاق على أولوية محاربة الإرهاب، لكن الدور المتميز الامريكي بدأ يترسم من خلال عدة محاور أهمها من خلال دعم “قوات سورية الديموقراطية” واحتكارها لمهمة تحرير الرقة، في مواجهة دور تركي مفترض ودور للنظام السوري لم يكن قابلا للتحقق، وكما يبدو من خلال التصريحات الأمريكية هناك تصور مستقبلي واضح لمستقبل الرقة بعد تحريرها من داعش يلغي التخوفات من التقسيم ويلغي التخوفات المبالغ بها عن دور PYD، يقوم هذا التصورعلى تولي مسؤولية الحكم بعد التحرير للمجلس المحلي الحالي، مع الترحيب بعودة المبعدين ومع التعهد بدعم أمريكا لهذا المجلس، الذي تعهد بدوره بإقامة انتخابات خلال النصف الأول من العام القادم بانتظار الحل النهائي في سورية.
المكان الثاني الذي يترسم فيه الدور الأمريكي هو جنوب شرق سورية قرب التنف حيث يحقق التواجد الأمريكي في هذه المنطقة مهمتين الأولى مواجهة داعش والثانية قطع الطريق على الدور الإيراني الذي يسعى لخط إمداد غير متقطع عبر التنف، ولكن لأن الدور الأمريكي الاستراتيجي لم يتضح تماماً، ومع انتهاك الهدنة المعلنة، فإن الأسد وحلفائه يواصلون التقدم في البادية السورية ويستطيعون الوصول إلى المناطق التي حذرهم الأمريكان من الوصول إليها.
أخيراً، وربما بما لا يقل أهمية بالنسبة لمستقبل سورية، فرض الحضور الأمريكي نفسه أيضاً من خلال اتفاق “الجنوب” مع الروس والأردن، الذي دخل حيز التنفيذ في 9 تموز، والذي ينص على وقف إطلاق النار في درعا والقنيطرة، باتجاه الوصول إلى خفض دائم للتصعيد وإنهاء الأعمال العدائية ووصول المساعدات الإنسانية، وسيكون هناك ترتيبات لإدارة مدنية في المنطقة، وإيجاد البيئة الكفيلة بالتوصل إلى حل سياسي دائم في سورية مع التزام الدول الثلاث بمرجعية مسار جنيف وعلى أساس قرار مجلس الأمن 2254  بما يضمن وحدة سوريا واستقلالها.

 وهذا الاتفاق الذي لا علاقة له باتفاق مناطق خفض التصعيد، والذي سيفرض على المعارضة وعلى النظام، سيكون ذا تأثير على الحل السياسي المقبل باعتباره خلق أمراً واقعاً برعاية دولية لا يمكن تجاوزه من قبل أي طرف، وإذا كان اتفاق الجنوب يوقف إطلاق النار فهو لا ينهي –على الأقل في الأمد المنظور- وجود الميليشيات الإيرانية والشيعية قرب شمال اسرائيل لذلك رفضت اسرائيل الاتفاق ومن المتوقع استمرارها في توجيه ضربات بين فترة واخرى تستهدف الميليشيات المتواجده هناك .
إدلب هي من مناطق تخفيض التصعيد، وهي تشهد هدوءاً “خارجيا”، إذا صح التعبير، في حين تثير سيطرة “النصرة”، القوة الأكبر في “هيئة تحرير الشام”، على إدلب إشكالات عديدة أولها التنافس العسكري الذي انتهى في 23 تموز2017 بهزيمة تنظيم “أحرارالشام” ، والتحقت بعض مكوناته بالهيئة. لكن لا تزال فوضى السلاح تشكل خطراً حقيقياً على المدنيين، خاصة من خلال تفجير السيارات المفخخة الذي تكرر في الفترة الأخيرة. ومن جهة أخرى تحاول النصرة التصدي لكل أشكال الحراك المجتمعي المدني الذي عبر عن نفسه مؤخراً في انتخابات “سراقب”، إن منظر آليات “جبهة النصرة” تفر أمام المتظاهرين الذين يرفعون علم الثورة، أو أمام تظاهرة نسائية في الأتارب، قد يعطي انطباعاً غير دقيق عن هامش الحركة المتاح للمجتمع المدني، ففي أول فرصة مناسبة ستسعى النصرة لإلغاء أي هامش استقلالية يحاول المدنيون الحصول عليه.
إن لإدلب أهمية تاريخية تقليدية في الصراع مع آل الأسد، وهي منطقة هامة جغرافياً وسكانياً، وقد أصبحت رمزاً لمنطقة معارضة مفروضه كأمر واقع، من خلال اعتبارها ملاذاً لكل الرافضين لاتفاقات المصالحة المفروضة في المناطق السورية المعارضة، التي هزمها النظام وحلفائه، لكن الوضع الحالي في إدلب لا يمكن أن يستمر لسبب جوهري هو وجود “جبهة النصرة”،المصنفة ارهابية، فالتجاهل المؤقت دولياً لهذا الوضع سينتهي بعد الإنتهاء من الصراع مع “داعش”، وربما قبل، ويمكن أن نكون أمام سيناريو مدمر ورهيب إذا أصرت “النصرة” على خوض المعركة حتى النهاية، وإذا فشلت المحاولات السياسية لإيجاد حلول لخروجها. وسيكون استمرار دعم المحور القطري التركي للصراعات المسلحة في إدلب، من باب البحث عن دور لهما أو تعزيز مصالحما في أي تسوية قادمة، عائقاً على طريق انتهاء جبهة النصرة، مالم يغير البلدان سياستهما في هذا الموضوع. إن على القوى السياسية وفعاليات المجتمع المدني الموجودة في إدلب التحضير للمرحلة القادمة التي هي استحقاق لا بد منه، لتفكر ببدائل عسكرية وسياسية قادرة على التعاطي مع الأوضاع الجديدة، وتجنب تحول إدلب إلى “موصل” آخر أو “رقة” أخرى.
ورغم ما يجري من بناء قواعد عسكرية ومطارات امريكية، وفي تطور جديد في أواخر تموز الجاري -يبدو متناقضاً، على الأقل شكلياً- مع زيادة الدور الأمريكي في سورية، تم توقيف برامج تدريب وتسليح المعارضة التي كان يمولها
CIA، لكننا نميل إلى اعتبار أنها مجرد إجراء تصحيحي في طرق التدخل، ربما لأن هذه التجربة أثبتت فشلها ولم تجد أمريكا طرفاً يعتمد عليه، كما أنها لا تريد أن تمول جنوداً يتحركون وفق الإرادة التركية التي تعمل وفق أجندتها الخاصة في سورية، وقد يكون ذلك مفهوماً بالنسبة لغرفة عمليات الشمال خاصة لكنه لا يبدو واضحاً بالنسبة لغرفة عمليات الجنوب خاصة بعد الاتفاق الأمريكي الروسي الأردني.

استانة والروس

 لا يزال الروس يتابعون حلقات مسلسل استانة، محاولين إعطائها أهمية أكبر من كونها  مجرد مسار تفاوض أمني وعسكري، يفترض أنه يمهد لجنيف حيث تجري المفاوضات السياسية الشاملة. انتهت الحلقه السادسة من مؤتمرات أستانة بالفشل، في حين كان يفترض فيها وضع خريطة مناطق خفض النزاع الأربعة- إدلب وأجزاء من اللاذقية وحماة وحلب و شمال حمص و الغوطة الشرقية وجنوب سورية”درعا والقنيطرة- التي أقرت في استانة 4 برعاية إيرانية تركية روسية في أيار الماضي, مسترشدة بالقرار الدولي 2254، ويقول الضامنون إن هدف إنشاء تلك المناطق هو وضع حد فوري للعنف وتحسين الأوضاع الإنسانية، وتهيئة الظروف المناسبة للتسوية السياسية القادمة. ولكن فعلياً ورغم بعض الخروقات شهدت هذه المناطق خفضاً حقيقياً للقتال. تم توقيع اتفاق في القاهرة بين الروس وجيش الاسلام برعاية مصرية وبوساطة رئيس تيار الغد أحمد الجربا في 21 تموز 2017 يخص الغوطة الشرقية،وقد صدر الاتفاق من القاهرة وليس من الإستانة، ربما لإبعاد الإيرانيين، وقد يكون مؤشراً على تزايد الدور المصري في سورية. ويشمل الإتفاق إضافة لوقف إطلاق النار، عدم دخول قوات الأسد وحلفائه إلى الغوطة وفتح معبر الوافدين للتنقل ولحركة البضائع  وانتشار عناصر شرطة عسكرية روسية- من الشيشان السنة لتطمين المعارضة- لمراقبة وقف إطلاق النار.واستثنى الإتفاق حي جوبر الدمشقي ومناطق وجود النصرة، حيث استمرت  طائرات النظام، وربما طائرات روسية في قصف بعض مناطق الغوطة، بعد توقيع الإتفاق.

جنيف 7  

 وفي حين كان الجميع يعتبرون جنيف هو مكان اللعب الأهم فإن اجتماع جنيف السابع انتهى بعد خمسة أيام دون أي تقدم في ملف الإنتقال السياسي،الذي هو جوهر الخلاف، واستمر النظام كالعادة في إضاعة الوقت، باعتبار أن التطورات العسكرية تسير لصالحه منذ أكثر من عام، ولا مانع من الإنتظار لتحسين المواقع، والآلية هي حرف المباحثات عن مسارها بإقحام موضوع الإرهاب، المحسوم دولياً، مع شبه تأييد من المبعوث الدولي. إن المطلوب هو وضع ضوابط أممية سواء لاتفاقات استانة أو جنيف تكفل تنفيذها بإشراف المؤسسة الدولية، لكن تركيبة المؤسسة الدولية ونظام حق الفيتولا يسمحان بالتفاؤل بهكذا تصور. ربما ما جرى على هامش المؤتمر أي الضغوط على مجموعات المعارضة لتوحيد وفودها، كان محاولة غير ناجحة بعد، لكننا نعتقد أن  توحيد وفد المعارضة مع منصتي موسكو والقاهرة هو استحقاق لابد منه لتقوية موقع المعارضة في المباحثات المقبلة رغم الأهمية المحدودة لدور هاتين المنصتين.

وضع المعارضة

لا تزال الكيانات السياسية المحسوبة على المعارضة، والتي تشكلت في رحم الثورة، تعاني من ضعف وعدم قدرة على الفاعلية، لأسباب عامة تتعلق بطبيعة نشوئها، وطريقة تكون التحالفات، وهجرة الكوادر، وأيضاً لأسباب هامة تتعلق بطبيعة العلاقات الدولية والإقليمية المفروضة، في حين تفتقر الكيانات العسكرية جميعها إلى القدرة على العمل في الفضاء السياسي، ربما باستثناء بسيط ل”جيش الأسلام ” .
وقد ساهم احتكار القوى الدولية والإقليمية للتفاوض باسم السوريين وتقرير مصيرهم، مع المحافظة على وجود شكلي لهم، هم مضطرون لقبوله بسبب ضعفهم، ساهم في المزيد من إضعافهم، وهذا ينطبق على القوى السياسية والعسكرية والمدنية التي استمرت خلال العام الماضي بحالة جزر متسارع، حيث نلاحظ أن “الائتلاف”، غادرته مجموعة من الأسماء المحسوبة على التيار الديمقراطي بما فيها ممثلي “تيار مواطنة”، دون أثر يذكر، حيث استمرت القوى الإسلامية بكل مسمياتها باعتبارها المهيمن الرئيس على هذا الكيان، الذي عجزإلى حد كبير عن تمثيل قوى الثورة والمعارضة السورية منذ تأسيسه وحتى الآن. والأمر لايتعلق بتوسعة شبابية أو نسائية أو بإضافة مكونات أخرى له، على أهمية ذلك، ولكن الإشكالية الأساس تكمن في بنية هذا المكون السياسي، التي سمحت منذ البداية بهيمنة تيارات معينة داخله مدعومة بهيمنة الدولة المضيفة أي تركيا، التي أحجمت حتى الآن عن التجاوب مع مبادرة رئيس الائتلاف الحالي “رياض سيف” للسيطرة على المعابر- باستثناء معبر وحيد-  بهدف تأمين استقلالية مالية يمكن أن تشكل مدخلاً حقيقياً لإصلاح الائتلاف، وبدون هذه الاستقلالية يبقى الائتلاف بنية عصية على الإستقلال وبالتالي على الإصلاح، رغم أهمية ما حظي به من إعتراف دولي، ذلك الإعتراف الذي لم يتح له فرصة لاستثماره بشكل حقيقي، ثم تقادم مع الزمن دون أن يتم سحبه.
وقد شهدت هيئة التنسيق بدورها مجموعة من الانسحابات والإقالات لشخصيات هامة، أضعفت طابعها التمثيلي عموماً مع بقاء وزنها السياسي التقليدي حاضراً،

نهاية الحرب؟

من الواضح أن عقدة الحركات المتطرفة قد حسمت دولياً، وعقدة النفوذ الإيراني المعيق  للحل في سورية هي قيد الحلحلة ، وتبقى عقدة مستقبل بشار الأسد المطروحة للحل بين الكبار، لكن لم يتضح بعد، مآلها وهي في جميع الأحوال ستصبح ملحة مع قرب انتهاء المعركة مع الإرهاب، ولا يمكن لأي حل سياسي أن يكفل للأسد البقاء في السلطة مهما كان شكله ونوعه، ولو أُريدَ للأسد أن يبقى في السلطة لانحصر الحل بالجانب العسكري وتُرك ليقضي على كامل الفصائل المعارضِة ويدخل من جديد إلى مناطق سيطرة المعارضة، لكل ذلك لا يمكن القول أن الحرب في سورية قد انتهت، لكن جميع المؤشرات العسكرية والسياسية ومواقف الأطراف، وطرقها في الإستجابة مع الجهود المبذولة دولياً، وأيضاً ما يمكن أن يسمى الإنهاك المتبادل، وعدم إمكانية الحسم الشامل، وأيضاً خلق مناطق خفض التصعيد واتفاق الجنوب واخيراً اتفاق الغوطة، والتقدم في مواجهة داعش، التي تخسر بشكل مستمر، كل ذلك يشكل عناصر أولية ممهدة للحل السياسي القادم. إن درجة التشابك الدولي والحضور المباشر والرسمي لأمريكا وتركيا وإيران إضافة إلى روسيا، كل ذلك يعطي الإنطباع أن هذه التطورات غير قابلة للإنتكاس، والمطروح هو كيفية تطويرها لتندرج في تسوية شاملة.
نعتقد أن التوجهات التي يجب أن تحكم عمل “تيار مواطنة” والقوى المؤمنة بالتغيير الديموقراطي من خلال الإنتقال السياسي هي التالية:

– قبول الجهود الدولية من خلال الأمم المتحدة والمجتمع الدولي، وخاصة الجهد الغربي والأمريكي، ومحاولة التوافق معه طالما هو يتوافق مع مشروع التغيير الديموقراطي في سورية رغم وجود اختلافات تكتيكية، ومن أجل تطوير مواقف الطرف الغربي، يجب العمل من خلال جميع المؤسسات الدولية ووسائل الإعلام والعلاقات العامة على المزيد من فضح النظام وجرائمه وخروقاته ودوره المباشر وغير المباشر ومسؤوليته في إيصال ظاهرة الإرهاب إلى هذا الحد من النشاط في المنطقة وفي العالم كله.
– يجب التوافق مع الجهود الدولية في مواجهة الإرهاب باعتبارالأخير خطراً حقيقياً يتناقض تماماً مع المشروع الوطني السوري ويمكن أن يعيق التحول الديموقراطي في سورية وبالمعنى التكتيكي يجب أن تفهم جميع الفصائل والقوى  السياسية أن المشاركة في مشروع مواجهة الإرهاب يكفل لها تاثيراً أفضل في مرحلة التسوية السياسية القادمة.
– يجب تشجيع الجهود لإقامة نواة الجيش الوطني السوري الذي يفترض أن يكون عماده ضباط محترفون من الذين أبعدوا عن ساحة الحرب ويرغبون في العمل كعسكريين من جديد، ويمكن أن يضم ما تبقى من الجيش الحر أو من افراد الفصائل الاخرى المستعدين للانضمام له على أساس برنامجه، على أن يخضع الجميع لدورات عسكرية وسياسية مكثفة. ولا يمكن أن ينجح هذا المشروع إلا على أساس مشروع وطني سوري ديموقراطي يتبناه هذا الجيش ومع التنسيق الكامل مع القوى السياسية.
– متابعة العمل من أجل توحيد جهود القوى السياسية المعارضة داخل وخارج الإئتلاف للعمل معاً أو بشكل متناغم وفي أية اطر ممكنة، على أساس دعم الإنتقال السياسي في سورية .
– إعطاء القضية الكردية في سورية أهميتها من خلال رفض الفكر الشوفيني والقبول بحق تقرير المصير للشعب الكردي، وتشجيع التصورات البديلة من مثل “الفيدرالية” ولابد من التوضيح دائماً أن مفهوم دولة المواطنة لا يتضمن حلاً آلياً لمشكلة الكرد في سورية، وإن التقييم السلبي لتركيبة حزب ال
PYD وبعض ممارساته تجاه الكرد والعرب وعلاقته بالنظام أو بايران من خلال جبل قنديل لا يجب أن يكون عائقاً عن تقدير جهود هذا الحزب في مواجهة داعش وفي معركة تحرير الرقة تحديداً وإذا توفرت ظروف مناسبة يجب أن نكون على استعداد للتحاور والتنسيق مع هذا الحزب.
– أخيراً فيما يخص التغيير القادم في سورية أصبحت المعارضة عموما أضعف من أن تفرض شروطها، وسيكون الاعتماد على قوة حلفائها العرب والغربيين في تحسين شروط الاتفاق المقبل هذا يعني أنه رغم قناعتنا التامة بمقررات مؤتمر القاهرة 2-3 تموز 2013، ورغم نصوص جنيف 1 وقرارات مجلس الامن خاصة 2254 فإن ما قد يمكن تحصيله من المفاوضات لن يصل الى ذلك على الأغلب وخاصة في قضية الإنتقال السياسي، وربما ستقدم لنا براغماتية الغرب حلاً سيحاولون جعله مقبولاً من الروس، الذين ربما يقبلون به خاصة إذا ترافق مع رزمة اتفاقات تخص أوكرانيا والعقوبات على روسيا، هذا الحل يمكن أن يكون مثلا على الطريقة التي اقترحها الرئيس الفرنسي ماكرون – السلطة لرئيس وزراء واستمرار الأسد رمزيا لفترة- أو أي حل آخر قابل للتطبيق باشراف دولي مباشر. وهنا سيكون معيار القبول أو الرفض هو جدية التغييرات وإمكانية تنفيذها والإشراف الدولي المباشر.

المبادرات الدولية:

مؤتمر الحوار الوطني في سوتشي:
باختصار وهو مكمل – وربما بديل سياسي – عن أستانة التي سحبت ملفات وقف اطلاق النار والمعتقلين والمساعدات من جنيف ، وسوتشي سوف تسحب ملفات ذات جوهر سياسي كالدستور والانتخابات و… الخ, وبهذا المعنى فإن سوتشي التفاف سافر على جنيف وعلى المهمة المركزية للقرارات الدولية التي هي هيئة الحكم الانتقالي بعد أن أُضعفت كثيراً في القرار 2254 وعندما تحولت بعد ذلك إلى سلة بين سلال أربع, وعلى الرغم من نجاح الروس في ذلك (جزئياً على الأقل) من خلال سياستهم في العمل من تحت إلى فوق وليس العكس فإن الأيام القادمة لا تحمل أخباراً سارة للروس على هذا الصعيد ولعل التخبط في مؤتمر سوتشي في الاسم والمكان والموعد يشير إلى ذلك.
و في كل الأحوال فإن الروس يدركون جيداً (و قد قال بوتين ذلك) أنهم أعجز من أن يصنعوا حلاً بمفردهم , وأياً يكن الامر فإن المعارضة السورية – وبخاصة الكيانات الأساسية – لن تساهم في تمرير المخطط الروسي لا في سوتشي ولا في غيرها مادام هنالك أي إمكانية للاستمرار في الدفع نحو القرارات الدولية الملزمة والتي هي أدوات قوة للشعب السوري وقوى المعارضة يجب عدم التفريط بها أبداً.

مؤتمر الرياض 2
يمكن القول على الصعد كافة ( ومنها بشكل خاص ما يجري في السعودية مؤخراً والذي هو كما يبدو انعطاف حقيقي اقتصادي – اجتماعي – سياسي … الخ ) نقول: تفرض على المؤتمر المذكور أن يتحلى بأقصى درجة من الموضوعية والعقلانية والواقعية , وعلى الرغم من أن هذه المتطلبات يجب أن تكون حاضرة دائماً فإنها اليوم مطلوبة بإلحاح وبخاصة لأن الظهير العسكري ومن خلفه داعمه صار في أستانة, وحتى الوقت الذي سوف تتضح فيه الاستراتيجية الأمريكية وأثارها الفعلية بعد طرد داعش فإن المعارضة السورية إذا أرادت شيئاً أخر غير براءة الذمة التاريخية, فإنها مضطرة للتعامل مع الوقائع المتعلقة بالروح التي ذكرناها أعلاه جامعة بذلك بين الصلابة الاستراتيجية والمرونة التكتيكية والعملية والتنظيمية التي تفرضها الوقائع المذكورة ليل نهار , ومن دون الدخول في تفاصيل قد لا يكون مكانها هنا فإن المطلوب على الأقل حل مسألة الرؤية السياسية الموحدة للمعارضة وبالتحديد للوفد المفاوض على الصعد كافة بحيث يكون لدينا وفد موحد القلب والعقل سياسياً وتمثيلياً وأشخاصاً, قادر أن ينقل الكرة إلى ملعب السلطة-الطغمة وحلفائها وهذا أمر ضروري حتى لو لم يسفر جنيف وغيره عن أي شيء إلا عن تعرية الطرف الرئيسي الذي يقف ضد الحل السياسي والذي هو السلطة السورية لأنه من غير المتوقع في ظل غياب ضغوط قوية جداً (بما فيها التلويح باستخدام القوة) أن ينتج عن جنيف وحتى إشعار آخر أي حل سياسي حقيقي يستجيب لمطامح الشعب السوري في حدها الأدنى.

مناطق “خفض التصعيد” وآفاق المجالس المحلية المنتخبة

أولاً – في الوقائع:

توصلت تركيا وروسيا وإيران في يوم 4 مايو/أيار 2017، في اجتماعات آستانا 4، وبصفتهم دول راعية أو ضامنة إلى اتفاق “خفض التصعيد” القاضي بإقامة أربع مناطق آمنة في سوريا لمدة ستة أشهر قابلة للتمديد. وقضى هذا الاتفاق من الناحية العسكرية بتطبيق الاتفاق في أربع مناطق هي:
١- محافظة إدلب وريف حلب الشمالي والغربي وبعض المناطق من ريف اللاذقية وريف حماة الشمالي.
٢- ريف حمص الشمالي, ومنه خصوصاً الرستن وتلبيسة والحولة.
٣- غوطة دمشق الشرقية, وتشمل خصوصاً زملكا وعربين وحرستا ودوما.
٤- المنطقة الجنوبية, وتشمل مناطق من محافظتي درعا والقنيطرة.
وفي الجانب الإنساني, نص الاتفاق على إيصال المساعدات الإنسانية وإعادة تأهيل البنى التحتية وتوفير لوازم المعيشة وتشجيع عودة اللاجئين والنازحين, إضافة إلى تأمين مرور المدنيين بين المناطق المختلفة.
ومع أن اتفاق “خفض التوتر في المنطقة الجنوبية” جاء منفصلا عن سياقات الآستانة المعلن عنها روسياً, لكنه المعبر عن التفاهم الروسي- الأمريكي والأردني الإسرائيلي ضمناً، والمتوافق مع الأستانة وبمشاركة الأطراف الثلاثة: الأمريكية والروسية والأردنية ، حيث أعلن عنه على هامش قمة العشرين في هامبورغ بألمانيا، وابتدأ تنفيذه في 9 تموز 2017. وتم التوصل لهذا الاتفاق بغياب كامل للنظام والمعارضة وإيران, فيما أخذ فيه بعين الاعتبار المصالح الإسرائيلية والأردنية بدرجة ما، مقابل تغييب الدور الإقليمي لكل من قطر والسعودية وحتى تركيا وإيران، مع سعي متكتم وحثيث، يتمظهر بصراعات ميدانية أحياناً، بهدف التوصل إلى سياق لتنفيذ ما يتعلق بالمعابر وحرية تنقل الأفراد والمواد وإعادة تشغيل طريق درعا الدولي من جديد.
خلال ذلك، أعلن عن توقيع اتفاق إقامة منطقة خفض التصعيد في الغوطة الشرقية بريف دمشق، في ختام محادثات بين العسكريين الروس والمعارضة السورية في القاهرة (وبحضور لافت لأحمد الجربا رئيس تيار الغد السوري). كما جرى في مطلع أب توقيع اتفاق أيضاً في القاهرة بين الروس والمعارضة بتوسط مصري (ووجود تيار الغد السوري) من أجل خفض التصعيد في ريف حمص الشمالي الذي يضم 84 تجمعا سكنيا، ويقطنها أكثر من 147 ألف شخص. وصولا توقيع اتفاق حول القلمون الشرقي في الخامس من أيلول، لم يكن ملحوظاً في آستانا, بعد اجتماع بين لجنة ممثلة للمعارضة والضامن الروسي على الأرض.
المنطقة الأكثر ألغاماً وغموضاً في طريقة ومسار تنفيذ اتفاق آستانا, كانت ولا تزال محافظة إدلب وملحقاتها بالطبع. حيث تجمع في هذه المحافظة ومحيطها من ريف حلب وإدلب أكثر من مليوني سوري، كما جرى ضمن مسار الصراع وسياق الهدن المحلية والاتفاقات المتنوعة, تجمع لكل القوى العسكرية التي تميزت بإسلاميتها خصوصاً, ثم بتشددها, حتى وصل الأمر إلى إمساك جبهة فتح الشام (النصرة سابقا) بزمام الأمر من جميع نواحيه, مع استكمال متدرج لضرب القوى الأخرى حتى شمل أقواها وهي حركة أحرار الشام أيضاً في تموز/ يوليو الماضي، وضمت فتح الشام إليها بقية تلك الفصائل لتصبح قوة موحدة في المحافظة باسم “هيئة تحرير الشام”. يقدر تعداد افرادها بين 10 آلاف إلى 16 ألف مقاتل، لكنها لم تستطع التخلص من خانة الإرهاب التي لازمت جبهة النصرة سابقا.
وفي اجتماع آستانا السادس الذي انتهى يوم 15 /أيلول / سبتمبر، توصلت كل من روسيا وإيران وتركيا إلى اتفاق بشأن حدود منطقة “عدم التصعيد” في محافظة إدلب ومحيطها شمال سوريا،
على أن تنتشر قوة مراقبين من الدول الثلاث لضمان الأمن في حدود هذه المنطقة ومنع الاشتباكات بين القوات النظامية والمعارضة، بواقع 500 عنصر من كل دولة. على أن يكون شرق سكة الحديدي منطقة نفوذ للنظام ومعه إيران، وكوريدور روسي بين السكة وطريق الأوتوستراد العام، لتبقى المنطقة الأكبر غرب الطريق العام للوجود التركي.
واعتبر هذا الاتفاق بمثابة عودة إلى اتفاق آستانا الرابع وسياقاته الملتبسة، والذي وقّعَ بحضور بعض فصائل المعارضة العسكرية دون تأثير في مجرياته التي خرجت من يد السوريين، ولوحظ أن بيان تلك الفصائل عن مخرجات آستانا 6 تحدث عن “وقفاً شاملاً لإطلاق النار يتزامن مع الحل السياسي القاضي بتشكيل هيئة حكم انتقالي، وتهيئة الظروف لانتخابات خالية من الأسد”، مع إعلان رفضها، أي الفصائل “دخول إيران، أو أي من ميلشياتها، أو النظام، لأي شبر من مناطق تخفيض التصعيد، في إدلب ومحيطها، وباقي المناطق المشمولة بالاتفاقية، والضغط في المطالبة بإطلاق سراح المعتقلين”.
وهي نقاط تتعارض مع سياق أستانا إلى حد كبير، بل تشكل نوعا من التشويش على مسار القوى الفاعلة، التي تتحدث عن معركة كبرى تستهدف الإرهاب ممثلا بهيئة تحرير الشام، دون أن تلحظ أي عبارة حول رحيل الأسد، بل تم تجاوز كامل الملف الإنساني وقضية المعتقلين والمفقودين أيضا.
ورغم وجود خروقات لكل اتفاقات خفض التصعيد السابقة، إلا أنها أبقت الوضع تحت السيطرة إلى درجة معقولة، فيما يبدو اتفاق إدلب مرشحا لمزيد من التصعيد، حيث أن الهدف منه هو القضاء على الإرهاب ممثلا بهيئة فتح الشام كحامل لإرث (النصرة)، والتي استبقت نشوب معارك محتملة لتوغل تركي متوقع في إدلب، وسط تعزيزات عسكرية أرسلتها أنقرة مسبقا إلى ولاية كيلس (جنوب) الحدودية مع سورية، ففتحت معركة باتجاه ريف حماة الشمالي استمرت يومين، ومنيت بفشل ذريع جراء غارات الطيران الحربي الروسي والسوري المكثفة على قرى وبلدات جنوب محافظة إدلب وفي الريف الشمالي لمحافظة حماة.
جاءت هذه المعارك بالتزامن مع عقد “المؤتمر السوري العام” خلال يومي 16 و 17 أيول/ سبتمبر، كتتويج لجهود هيئة “فتح الشام” في خلق إدارة مدنية يمكن أن تشكل حماية لها ونفوذ سياسي على الأرض، خاصة بعد أن رفضت أغلب بلدات المحافظة ومجالسها المحلية، وعبر تظاهرات عامة، الاعتراف بالمجالس المحلية التي سبق وأن شكلتها الهيئة
.
وسعى منظمو المؤتمر وبشكل خاص الإسلامي ياسر النجار وجماعته في المجلس الأعلى لقيادة الثورة التي تتبع للعرعور مباشرة، للتمويه على دور هيئة فتح الشام فيه من خلال إطلاق نعت “مؤتمر الأكاديميين”، والذي كان من مخرجاته انتخاب مجلس تأسيسي أمهل الحكومة المؤقتة التابعة للائتلاف مدة أسبوعين فقط للحضور إلى الداخل السوري، والمشاركة بإنشاء حكومة الداخل الجديدة، التي سيعلن المجلس التأسيسي اسم رئيسها خلال هذه الفترة، مع أن المجلس الأعلى لقيادة الثورة يتمتع بعضوية الائتلاف الوطني لقوى الثورة الذي تحتضنه تركيا، مما يساهم بخلط الأوراق مجددا حول دور هذه الأطراف وتناقضاتها، التي تأخذ شكل الصراع المسلح أحيانا، أو التصفيات الجسدية بين فرقاء يتنازعون جميعهم حق التعبير باسم الشريعة الإسلامية، لذلك أعلن المؤتمر التأسيسي ودون أي لبس حرصه على العمل بالشريعة الإسلامية فقط. كما تعهد بتشكيل لجنة لإعادة صياغة الدستور” و”التحضير للانتخابات” خلال فترة لم يتم تحديد سقفها الزمني
.
وفي متابعة هذه التفاصيل، تشير أغلب التقديرات أن هذه المحاولة لتشكيل حكومة داخل وإدارة مدنية في محافظة إدلب وتوابعها، لم تلق نجاحا أفضل مما لاقته المعركة العسكرية التي أشرنا لها، وذلك بسبب السياق العام لتطور الأحداث، منذ خسرت الفصائل الإسلامية معركة حلب، إضافة للتناقضات التي ظهرت داخل جبهه’ فتح الشام (النصرة) سابقا. حيث حدثت فيها انشقاقات ليست قليلة، إضافة لموجة اغتيالات تسارعت مؤخرا في إدلب بعد اتفاق خفض التصعيد، وطالت عددا من القادة العسكريين إضافة لمجموعة من الشرعيين “سعوديي الجنسية” وسواهم.

دون أن يكشف في أي من هذه الاغتيالات هوية منفذيها، والتي يمكن أن يعود بعضها لخلايا نائمة برسم “داعش”، أو تكون لصالح بعض الفصائل التي اضطهدت من قبل جبهة فتح الشام/ النصرة سابقا، وجرى ضمها بقوة السلاح إلى هيئة تحرير الشام، كجند الأقصى أو بقايا أحرار الشام المرتبطين بتركيا، والتي باتت معنية أكثر من سواها الآن بتصفية ملف هيئة تحرير الشام إثر اتفاق خفض التصعيد في إدلب، كل الاحتمالات السابقة تتوضع في إطار انقسام حاد داخل صفوف الهيئة بين تيار يريد إنهاء العزلة الدولية ووقف الاقتتال الداخلي، يقوده الشرعي المستقيل عبد الله المحيسني والشرعي العام “أبو الحارث المصري”، وبين تيار يريد قتال الفصائل التي تدعمها تركيا كـ “أحرار الشام” وبقايا فصائل “الجيش الحر” على رأسه القائد العسكري العام “أبو محمد الجولاني” ، لدرجة ترجح أن تكون هذه الاغتيالات هي الرد الميداني على محاولة تفعيل بعض الانشقاقات في صفوف الهيئة.
ومع أن هذه الاغتيالات تبدو شبه شائعة في التنظيمات الجهادية لحظة الأزمة، إلا أنها تأخذ دلالة أعمق في سياق جهود تركيا التي تعتبر مسار إدلب جزء من أمنها القومي وبشكل خاص بعد خسارتها لمعركة حلب. أذ أن أكثر ما تخشاه الآن هو نجاح قوات قسد بالتمدد في شريط موازي للحدود الجنوبية لتركيا وصولاً إلى المياه الدافئة للمتوسط. هذا الخيار الذي يأخذ دلالة أهم إثر استفتاء إقليم كردستان الذي جعل حلم الدولة الكردية أكثر حرارة من أي وقت مضى.
ويبدو أن تركيا لم تنتظر التوافقات الدولية لتفاجئها بما لا تشتهي، فاستبقت توافق آستانا على منطقة خفض التصعيد في إدلب، وقامت بسحب كل المقاتلين الأجانب من تركمان وإيغور وأزبك منها إلى الحدود التركية تمهيدا لإعادتهم إلى بلدانهم. كما سحبت كل إعلامييها وخاصة العاملين في قناة
TRT وبعض المؤسسات والإذاعات المشمولة برعاية تركية ضمن محافظة إدلب، وأخلت كل مقرات البث. تمهيدا لسيناريو معركة يمكن يستعيد به تركيا عملية “درع الفرات” في جرابلس. التي لا تحظى حتى الأن بأي دعم أمريكي أو روسي.

الخيارات المتاحة:

تبدو الخيارات المرسومة لاحتواء “هيئة فتح الشام” مهمة صعبة بالمعنى السياسي، فلا الضغط الشعبي والمظاهرات المطالبة برحيل الهيئة من محافظة إدلب قد كان له الجدوى المرجوة، ولا من خلال الانشقاقات التي شهدتها الهيئة، في حين يبدو ترحيب الجولاني بالدخول التركي تكتيكاً بارعاً لتجنب المواجهة مع الأتراك، وفي ذات الوقت لا تبدو الخيارات العسكرية التي تطرحها أنقرة مقبولة سواء من الطرف الأمريكي الذي يراهن فقط على قوات “قسد”، ولا من الطرف الروسي الذي يراهن على احتمال تنسيق مشترك روسي/ أمريكي، مما يفسر الكثير من التحرك التركي باتجاه إيران، مع أنه أبغض الحلال بالنسبة لأردوغان، التي تضيق الخيارات عليه كثيرا، حتى أنه ذهب للتهديد باستعادة الموصل من العراق استنادا لاتفاقية لوزان 1923، استكمالاً لأحلام إمبراطورية لا تبدو غائبة عن المشهد.
هذا المسائل تغذي تخوف البعض كون تركيا التي احتضنت المعارضة السورية لقرابة ستة سنوات ونيف، نقلت توجهاتها الآن إلى روسيا حليفة النظام، بل هي ماضية في إظهار ميول إيجابية أكثر باتجاه إيران، وربما يعود ذلك إلى تخوف تركيا بالأساس من المسألة الكردية. غير أن إشكالية السوريين الأكبر الآن تكمن في تفرد الروس برسم الخرائط السورية، مع غياب أي استراتيجية أمريكية واضحة لما بعد عملية محاربة الإرهاب، مكتفين بدعم قوات سوريا الديمقراطية “قسد” بمعزل عن أي تنسيق مع القوى الكردية الأخرى، أو مع المعارضة السورية، حتى المتوافقة معها على موضوع الفيدرالية، مما يحول السياسة الأمريكية إلى موقف مراقب سلبي تجاه ما يجري في إدلب، تحديدا وأنها خارج منطقة سيطرة قوات التحالف الدولي.
وإذا كانت أمريكا قد انسحبت من قاعدة “الزكف” التي تبعد 14كم فقط عن قاعدة “التنف”، مع انسحاب طيران التحالف من أجواء دير الزور ليفسح المجال أمام الطيران الروسي وقوات النظام وميليشياته للتقدم باتجاه دير الزور. كما طلب الأردن عبر غرفة الموك من كل الفصائل المسلحة في الجنوب السوري الانسحاب إلى داخل الأردن من أجل الخضوع لدورات تدريبية على مكافحة الإرهاب. وهو ما يعطي زخما أقوى للمشروع الروسي، الذي يستفيد من مساحة واسعة لدبلوماسية تستطيع أن توظف النقائض لخدمتها كتركيا وإيران، وحتى السعودية ومصر مع قطر. ويشجعها في الاستفراد بمصير إعادة الاعمار التي تعتزم البدء بها مباشرة، بينما تصر أطراف غربية معنية بالأمر على تأجيل هذه القضية إلى ما بعد استتباب الأمن والاستقرار في سوريا، أي لما بعد المرحلة الانتقالية.
فهل يتحول مسار اتفاقات خفض التصعيد إلى مسار للتقسيم أو تفتيت سوريا؟ أم أنها مجرد تدوير للصراع واستدامة التوتر والعنف واستيطان الإرهاب فيها إلى زمن غير محدد في ضوء عدم استقرار التوازنات الإقليمية والدولية؟
نحن نعتقد في تيار مواطنة أن السوريين بالمطلق تعبوا من الحرب ويريدون السلام وعودة الحياة الطبيعية إلى مجاريها، فلا يمكن تحمل المزيد من الدم والخراب، نحن خسرنا الحرب حقيقة، وهزمنا من قبل أصدقاءنا قبل أعدائنا، بحيث لم يعد مجال لتوهم أي انتصار عسكري حاسم ، كما أننا لا نملك كسوريين أو كمعارضة أي مشروع حل سياسي لاستعادة سوريا الديمقراطية وسوريا المواطنة كما ظهرت في شعارات الثورة الأولى، دون أن يعني ذلك بأي حال من الأحوال أن النظام البائس في دمشق قد انتصر، رغم ما تردده أبواق النظام بشكل يومي حول انتصاره، وبأكثر من صيغة استعلائية وثأرية على كل السوريين؟
الإسلاميين في سوريا يدركون جيدا أنهم خسروا الحرب، لذلك ذهبوا إلى آستانة مكرهين بقوة المتغيرات التي طرأت في المشهد الدولي والإقليمي، وعلينا نحن كديمقراطيين أن نعرف كيف يمكن أن نحمي ما تبقى من ثورة السوريين من خلال التعامل مع المتغيرات التي طرأت على موازين القوى والاصطفافات الدولية والإقليمية. خاصة وأننا في تيار مواطنة نعتقد أن الحل لازال مؤجلا بانتظار ما يمكن أن يتمخض عن المعارك المستمرة سواء في الرقة أو دير الزور، خاصة وأن التفاهمات الروسية الأميركية لم تتبلور بعد بصيغة نهائية، إن كان مقدرا لها أن تتبلور، مع أن الأطراف الإقليمية في أنقرة وطهران تبديان استعجالا أكثر لحصد نتائج مغامراتهما في سوريا التي بدأت متناقضة ويرجح أن تستمر تناقضاها بالمعنى الاستراتيجي. مما يعيدنا إلى طرح السؤال عن دور العامل الداخلي في هذا الصراع، أي عن دورنا كسوريين.
لذلك، وبالرغم من كل ما قيل عن “مناطق خفض التوتر”، إلا إننا في تيار مواطنة ننظر إليها بإيجابية، معتقدين أن مصطلح “مناطق خفض التصعيد أو خفض التوتر” هو مصطلح مغاير لمصطلحات “مناطق آمنة” أو حتى “مناطق عازلة”. إذ لم يجر تداوله قبل جولة آستانا الرابعة، حيث ورد في المذكرة الروسية التي قدمت في ذلك الاجتماع، في إشارة إلى ضبط الأعمال القتالية في مناطق أو مساحات من الجغرافيا السورية بين طرفي النظام والمعارضة، شريطة ألا يسجل أي نشاط عسكري في تلك المناطق، ودون أن يعني ذلك وقف الحرب وغارات الطيران ضد التنظيمات التي تصنف أنها إرهابية، أو تلك التي تخرق الاتفاق. حيث أوضح الرئيس بوتين أن محاربة “التنظيمات الإرهابية” مثل تنظيم الدولة الإسلامية أو جبهة فتح الشام ستتواصل حتى مع إقرار هذه المناطق.
و”مناطق خفض التصعيد” تختلف أيضا عن “مناطق الهدن والمصالحات” التي انتعشت سابقا في إطار استسلام بعض البلدات التي انهكتها الحرب، فجرى ضمان خروج بعض المقاتلين منها وعائلاتهم مقابل استعادة النظام لسيطرته عليها.
فيما وضعت “مناطق خفض التصعيد” رؤية سياسية لمستقبل الحل تقوم على صيغة الادارات المحلية لتلك المناطق وليس تسليمها للسلطة.
  ولا يتم فيه استبعاد أي من المقاتلين أو عائلاتهم، ويحتفظ المقاتلون في مناطقهم بأسلحتهم الخفيفة والمتوسطة والثقيلة أيضا، إذ نصت الوثيقة الرسمية على تعهد الأطراف الضامنة لتطبيق الاتفاق (روسيا وتركيا وإيران)، بتشكيل “فريق عمل مشترك” لضمان وفاء الأطراف المتصارعة بالاتفاقات المتعلقة بضبط الأعمال القتالية وغيرها. ومساعدة القوات الحكومية والمعارضة المسلحة على مواصلة القتال ضد تنظيم الدولة وجبهة النصرة (فتح الشام) والأشخاص والجماعات والمنظمات التابعة لها، كما أقرت الوثيقة أن توفر هذه المناطق “وصولا إنسانيا سريعا وآمنا” في مجال الإغاثة، و”تهيئة ظروف العودة الآمنة والطوعية للاجئين”، مع إشارة غامضة إلى انتخاب مجالس محلية، دون أي إشارة إلى مستقبل الأسد في السلطة، وطبيعة النظام السياسي.

يبدو هذا السيناريو مرشحا من جهة لخفض وتيرة العنف والقتل حقيقة، حتى لو لم يتمكن من إنهائها بشكل كامل، وهذا بالنسبة لنا في تيار مواطنة يشكل استجابة لمطالب السوريين الذين أنهكتهم الحرب دون طائل، والأهم بالمستوى النظري، انه لا يقدم تلك المناطق مكافأة للنظام، الذي يطمح إلى ذلك، ولا يمنح قوات النظام أي دور في هذه المناطق، رغم الخروقات التي تحصل بشكل مستمر، كما أن الاتفاق يتضمن ملف القضايا الإنسانية التي تُعتبر مطلبا أساسياً للسوريين، حتى لو تأجل البت بها راهنا.
انطلاقا من كل ما سبق، فإنه يجدر بنا الإصغاء بأرواحنا لتلك الاحتياجات التي أصبحت تشكل نشيج السوريين المدنيين في داخل مناطق النظام كما في تلك التي تسيطر فيها المعارضة، أو في المنافي والملاجئ وفي كل مكان، بعيدا عن أمراء الحرب. وعلينا أن ننطلق من ذلك في استعادة قضيتنا السورية بالمستوى الأخلاقي والسياسي، لندفع من خلال ذلك بتصحيح رؤية المجتمع الدولي لتغيير موازين القوى وانتصار الحل السياسي، من خلال استعادة إحياء الإرادة الجمعية للسوريين التي انطلقت في بدايات الثورة لتحصيل الكرامة والحرية، قبل التفكير بشكل الدولة التي يمكن أن تضبط لاحقا بشكل دستوري وبمبادئ فوق دستورية أيضا.
وإذ يعترض تنفيذ هذه الاتفاقات مسار العنف ويقلص منه، فإنه يضعف دور القوى المسلحة على الطرفين، ويفسح المجال لتنمية القوى المدنية بكل أشكالها، ولتنمية دور هذه القوى “الطبيعية” في تقرير مصيرها ومستقبلها. وبعبارات أخرى, فإن الحراك الهائل الذي أحدثته الثورة سياسياً في العام الأول وبعده بقليل, ثم تخامد مع تصاعد صوت الرصاص, قد يعود إلى النمو مجدداً, ويتابع “تسييس” المجتمع بعد أن حرمه الأسدان عقوداً من ممارسة السياسة والتمتع بمفاعيلها. ولذلك نقول إن حاجتنا إلى وقف إطلاق النار, ليس من أجل إنهاء سيل الدم وتمرير المساعدات وإطلاق سراح المعتقلين والمغيبين قسريا والتقاط الأنفاس وحسب, بل من أجل تحكيم الحكمة التي لن تتعارض مع مفاهيم الثورة ولا مع إنهاء نظام الطاغية والطغيان، ومن أجل إفساح المجال لعودة كل السوريين النازحين والمهجرين إلى بلداتهم وقراهم، ليساهموا مجددا بانتخابات المجالس المحلية، والتي يتوقف عليها بناء شرعية جديدة من خلال اتحاد المجالس المحلية لمناطق خفض التوتر، مع أنها من حيث المبدأ لن تنافس في أي من حقول السياسة أو العسكرة، لكنها من خلال عملها على الأرض بالمعنى الإنساني والإداري والخدماتي، ستشكل القوة الرئيسية التي يمكن لها أن تنافس شرعية النظام وشرعية الإسلاميين، باعتبار أنهما الخياران الوحيدان على الأرض.
نحن ندرك أن الإسلاميين تغلغلوا في كل التشكيلات العسكرية التي نشأت في السنوات السابقة، ولهم تعبيراتهم السياسية والمدنية الكثيرة خارج تنظيم الاخوان المسلمين وداخله، ويبدو مؤخرا المجلس الإسلامي السوري الأعلى هو الأنشط سياسيا ومدنيا وثقافيا وفي حقول الخدمة الاجتماعية أيضاً.
ربما تنشأ أنواع ثلاثة من المناطق على الأقل نتيجة لتنفيذ اتفاقات تخفيض العنف: أولاها تحت سيطرة النظام المتعايش مع النفوذ الروسي والإيراني, وثانيها تحت سيطرة المعارضة مع التباس في طبيعة هذه المعارضة وشكل ممارستها لهذه السيطرة، نأمل ألا تكون ملحقة بسياسات إقليمية، وثالها في مناطق سيطرة” قسد” في شمال سورية وشرقها إلى حد ما.

في تلك المناطق الثلاث لا بد من إحياء الحراك المجتمعي والسياسي بأنواعه المختلفة. ولن يكون أي طرف مسيطر بقادر على ممارسة القمع المانع العنيف من جهة, وينبغي أن نكون قادرين بعد ما مر بنا على استنباط أشكال للحراك متناسبة مع الواقع في كل مكان. لقد واجه شعبنا الموت والمنفى, وعاش الثورة وتلمس الحرية والكرامة, ولن يعود إلى الخنوع بأي شكل من الأشكال.
وهنا يبرز دور المجالس المحلية كصيغة جديدة في الإدارة، إذ ينبغي “إعادة البناء” المجتمعية بصيغة جديدة تعتمد على المجالس المحلية المنتخبة أينما كان هذا ممكناً, مع تطوير صلاحياتها إلى الحد الممكن. وتطوير آليات انتخابها، إن مفهوم المجالس المحلية والإدارة المدنية اللامركزية شكل أثبت فعاليته خلال الست سنوات الماضية ويجب أن يتطور إلى المستوى الديموقراطي الكافي في مناطق خفض العنف أولاً، وحيث يمكن ثانياً. بشكل خاص في المنطقة الثانية والتي تقع تحت سيطرة المعارضة، هل نتركها للإسلاميين الذين يحرثون الأرض ليل نهار، ويتوفرون على خبرات عملية متطورة وإمكانات مادية هائلة؟ أم نحاول استعادة ألق الثورة الديمقراطية الأول؟ إذا أردنا ذلك كمعارضة ديمقراطية فيجب علينا التفكير بالعودة المعاكسة إلى سوريا، لنكون فاعلين بين الناس وعلى الأرض، لتتمكن المعارضة الديمقراطية من تفعيل دورها في انتخابات المجالس المحلية، والتي تبدو قابلة الآن للتعميم في كامل المناطق الخارجة عن سيطرة النظام بأقل تعديل، ولدينا خيار متاح وعملي وفق اتفاقيات خفض التصعيد لممارسة هذا الشكل من الانتخابات الديمقراطية، وصولا إلى إنشاء اتحاد للمجالس الحلية المنتخبة، هو الوحيد القادر على منافسة شرعية النظام وشرعية الإسلاميين معا.
وإن بدا سياق هذه الاتفاقات متعارضاً مع خط الحل السياسي كما كان مأمولاً من خلال مؤتمر جنيف وبيانه، فربما يمرّر قسراً خطاً لا مركزيا لشكل سوريا في المستقبل, وهذه مسألة يمكن النظر لها بإيجابية، خاصة وأنها تبدو نتيجة حتمية لميزان القوى الراهن، وعلينا أن نعمل لاستثمارها لصالح مشروع سوريا الديمقراطية التعددية القائمة على المواطنة والعدالة والمساواة.
ولا بد من التركيز بالسرعة الكلية على عودة الأطفال والفتيان إلى التعلم والمدارس, بالإمكانيات المتاحة والشكل الملائم, مع تأمين الكوادر الكافية والمناهج الصحيحة، المناهج السابقة ليست سيئة حين يتم تنقيتها من شوائب الطغيان والشمولية. كما ينبغي استعادة حياة الجامعات في كل المناطق, وقبول تحدي توحيد طاقاتها وجهودها عند الضرورة أيضاً.
كذلك تبرز الحاجة في مناطق تخفيض العنف إلى استعادة حالة من حكم القانون واستقلال القضاء وإقرار سريان القوانين التي صاغتها سورية الوطنية قبل الأسد والبعث, مع استبعاد كل ماله علاقة أيضاً بنظام الظلم والاستثناء.
ولا يمكن تحقيق شيء من ذلك من دون وجود أداة حفظ الأمن التي تحتكر إمكانية العنف تحت سلطة القانون, ولذلك ستظهر الحاجة فوراً إلى تشكيل قوى الأمن المحلية هذه, التي تلتزم سلطة الإدارة المحلية أو حكم القانون المركزي أو اللامركزي, حسب واقع الحال ودرجة تطوره مع الزمن.

وقبل أي شيء آخر, ستظهر الحاجة مباشرة إلى القوى والطاقات المدنية والسياسية المنظمة, من أحزاب وتجمعات وتحالفات بأفكار مختلفة, ولنا في هذا الحقل دور سيبقى لنا أن نقوم به من غير تلكؤ. ومن أجل ذلك على الأقل, لا بد من أن نكون جاهزين للعودة فور تحقق هذه الإمكانية, لنكون في مكاننا الطبيعي ونقوم بمهامنا المنوطة بنا فردياً وجمعياً.
ربما يشجع ذلك الناس علي العودة من حيث نزحوا أو لجأوا إلى بلدهم وبيوتهم, ليساهموا في بناء وطنهم ودولتهم الجديدة, بل ليقولوا كلمتهم مباشرة في شكل مستقبلهم. وسوف نشجع هذه العودة منذ الآن, ليس لأنها صحيحة بذاتها وحسب, بل لأنها أيضاً ستقطع الطريق على كل من يريد تشويه هذا المستقبل وصياغته على هواه وأمنياته غير الصحية وغير الصحيحة.
كل ذلك يمكن أن يصبح واقعاً مع توفر القليل من الإرادة الدولية، لمباشرة حل سياسي على أساس خفض العنف والتوتر، لكننا في تيار مواطنة نطالب بتوفير ضمانة دولية أممية، وليس ضمانة روسية تركية إيرانية فقط، بل نذهب أبعد من ذلك ونطالب بوضع سورية تحت وصاية الامم المتحدة لإنقاذ ما تبقى من شعبها، وأن تدار لفترة انتقالية كما أديرت ألمانيا الغربية والنمسا بعد الحرب العالمية الثانية، وأن تكفل القبعات الزرق مسائل حفظ الأمن والسلم الأهلي لمدة غير قصيرة بالتأكيد، ويجب أن تكون مصحوبة تلك الفترة بتطبيق مبادئ العدالة الانتقالية لمحاسبة كل المتورطين بجرائم حرب، وجرائم شخصية يمكن أن يحاسب عليها القانون.
خلال إعداد هذا التقرير وقعت العديد من الأحداث والتطورات المهمة التي ارتأينا إدراجها في هذا التقرير..

حول الرقة :

بعيداً عن المعارك الكلامية والعنف اللفظي والعنصريات الكريهة بخاصة من الجانب العربي والإسلامي سلطةً ومعارضة فإن الأمر الواقع هو تحرير الرقة من داعش, وهو أمر يستحق كل التقدير. وذلك على الرغم من الثمن الفادح الذي دُفع لقاء ذلك والذي هو التدمير شبه التام للمدينة, وهو أمر تقع مسؤوليته على التحالف الدولي من الناحية الرئيسية – والعدد المريع من القتلى المدنيين والذي يصل إلى الآلاف وهو أمر كان بالإمكان تجنب بعضه على الأقل في ظروف أخرى وأساليب مختلفة وزمن أطول.
ليس هذا فحسب بل إن طبيعة وبنية وممارسة الطرف المحرر التي هي في الجوهر استبدادية جعلت منه كابوساً أكثر منه محرراً ومما زاد الطين بلة السياق التاريخي للقرن الفائت والطبيعة القومية للصراعات والمظالم والأحقاد التي نشأت فيه بين جميع الشعوب تقريباً وبخاصة ضد الشعب الكردي, فإذا أضفنا إلى ذلك كون المحرر أداة لطرف خارجي من الناحية الرئيسية – والذي هو قيادة حزب العمال الكردستاني وعلاقة الحزب المذكور وفرعه السوري بالسلطة السورية سابقاً واليوم وبخاصة منذ اندلاع الانتفاضة وتموضعهما في خندق لا يخدم تطلعات الشعب السوري تكون الصورة قد اكتملت ليكون التحرير احتلالاً من نوع أخر, يبدأ بالطابع القومي الكردي ولا ينتهي بالعمالة للسلطة السورية فحسب.
وإذا كان الأمر كذلك فإنه يستدعي المزيد من العقلانية والاعتدال وضبط الممارسة والإسراع في تسليم الأمور إلى أهلها لتجنب الصراع الذي يمكن أن يتفجر في اليوم التالي لهزيمة داعش في الجزيرة بين العرب والكرد بشكل خاص. ومن المعتقد أن الولايات المتحدة الأمريكية هي التي يمكن والتي يجب أن يكون بوسعها تدارك الأمر في أسرع وقت, ومن المرجح أنها تفعل ذلك من خلال العمل الحثيث لتسليم السلطة إلى أهل الرقة عبر مجلس تمثيلي حقيقي منتخب بشفافية ونزاهة وحرية. وذلك عبر الضغط متعدد الوجوه على جميع الأطراف بخاصة على الكرد وقوات قسد, مثلما ينبغي في الوقت نفسه تحرر العرب من الضغوط والإملاءات التركية بشكل فعلي. وبدون تفاؤل وهمي نقول إن هناك مؤشرات على ذلك من جانب أمريكا ومن جانب بعض الأطراف العربية وسيكون بغاية الأهمية أن يعرف الكرد حدودهم حتى يساهم الجميع في أن تكون الرقة منصة لسوريا المستقبل. وألا تعود للسلطة السورية على الرغم من كل المخاوف المشروعة التي يمكن أن تنشأ على قاعدة شكل من أشكال التفاهم أو الاتفاق بين سلطة الأمر الواقع الكردية والسلطة-الطغمة السورية وهو الأمر الذي كثر الحديث عنه مؤخراً.
إن نقطة القوة في الرقة وريف دير الزور وسائر مناطق الجزيرة هي – حتى الآن على الأقل-  غياب الحضور الفعلي للسلطة السورية وغياب حضور الفصائل العسكرية الإسلامية المتطرفة وهو ما يجب استغلاله إلى الحد الأقصى.
استفتاء كردستان العراق:
لقد وحدًّ رفض هذا الاستفتاء ولو مؤقتاً حكومات العراق وتركيا وايران وسورية, وأظهر للعلن حجم الشوفينية لدى الشعوب الثلاثة ( عرب – ترك – فرس ) وحكوماتها وإلى حد كبير معارضاتها. وقد اختلط لدى الكتلة العظمى من هذه المعارضات والشعوب والحكومات الرفض المبدئي لحق الكرد في تقرير مصيرهم مع النقد لزمان الاستفتاء والطريقة التي تم على أساسها جنباً إلى جنب مع النصائح والتمنيات من قبل الأصدقاء والخصوم على حد سواء.
و فيما يخص تيار مواطنة فإنه وقف بشكل واضح وصريح مع حق الشعب الكردي في تقرير مصيره بما في ذلك الاستقلال والانفصال مثلهم في ذلك مثل كل شعوب الأرض, ولكنه دعا ولا يزال يدعو في الوقت نفسه إلى تحكيم العقل والاعتدال والحوار والذكاء السياسي لتدارك الارتدادات التي  أدى إليها الاستفتاء, وعدم إضاعة البوصلة في العلاقة مع جميع الأطراف وبخاصة مع الأصدقاء, وبالتحديد مع الولايات المتحدة الأمريكية التي كانت الظهير الحقيقي للكرد منذ العام 1991 وذلك حتى على الرغم من موقفها الأخير المعروف للجميع لأننا نعتقد أنه مع الرفض لتوقيت الاستفتاء وطريقته فهو يستبطن وعلى الأرجح رفض أي محاولة عراقية اتحادية للإطاحة بالوضع السياسي الكردي في إقليم كردستان العراق.
و إن كان هناك ما يضاف إلى ما سبق فإننا نعتقد أن تركيا سوف تغض النظر ولو مؤقتاً على الأقل عن الدور الإيراني في العراق, مثلما ستفعل إيران الأمر نفسه فيما يتعلق بالدور التركي في سورية, ولعل ذلك لا يصب في مصلحة الشعبين العراقي والسوري.


التدخل التركي في إدلب :

قائم على تحقيق المصالح التركية في مجال الأمن القومي التركي والمصالح السياسية التي تسعى إليها الحكومة الإسلامية التركية في سورية, وعلى صعيد الأمر الأول فإنه قائم وسيظل يقوم على قطع الطريق على وحدة الوجود الكردي المسيطر (PYD- YPG) في الشمال السوري. بما في ذلك قطع الطريق إلى البحر, وسيحظى هذا الدور التركي بترحيب الفصائل الإسلامية العسكرية والجزء الأكبر من المعارضة السياسية, ومن المعتقد أنه بعد تثبيت هذا الدور فإن تركيا سوف تضطر إلى التعامل مع جبهة النصرة الإرهابية طبقاً لاتفاق أستانة ومناطق خفض التوتر, لأنه في غير هذه الحال فإن السلطة -الطغمة السورية وإيران وروسيا وحتى أمريكا بعد انتهاء شهر العسل الذي جمعهم مع الترك – بعد رفض استفتاء إقليم كردستان- سوف تجد نفسها وتركيا في مواجهة استحقاق أستانة, وفي هذه الحال سوف تضطر تركيا إلى احتواء وتدجين أو حل جبهة النصرة بالإقناع أو التهديد بالعصا الغليظة, أو حتى انهائها بالقوة المباشرة بالتعاون مع الفصائل العسكرية الحليفة لتركيا, أو مواجهة الأطراف المذكورة أعلاه على قاعدة /الأخوة الأعداء الذين جمعتهم المصالح والمصيبة/ وستفرقهم المصالح أيضاً. ومن المرجح في هذه الحال أن تقوم تركيا بالدور المنوط بها ببطء وبالتدريج ودون المزيد من الدم والخراب في إدلب مع احتمال أن يترافق ذلك ببعض المعارك والاستعراضات العضلية عند الضرورة.
إن المراهنة على ما سبق تعود إلى أن أي تدخل من السلطة السورية أو إيران أو روسيا فإنه سيواجه من قبل الفصائل العسكرية جميعاً جنباً إلى جنب مع جبهة النصرة في حين أن تدخل تركيا بوصفها دولة تقودها حكومة إسلامية سوف يفضي إلى مشكلة حقيقية لجبهة النصرة التي سوف تجد نفسها أمام احتمالات غير سارة تبدأ بالانشقاق وقد تنتهي بالاحتراب, وذلك لأن مواجهة قوة إسلامية لقوة إسلامية أخرى ليس بالأمر السهل عقائدياً وعملياً. وسوف تزيد الطين بلة القوة العسكرية التركية المعهودة والدعم الذي سيقدم لها من جميع أو معظم الفصائل الإسلامية الأخرى على الأغلب.

انطلاقاً مما سبق يمكن القول إن الحكومة الإسلامية التركية مؤهلة – وغيرها ليس كذلك – للقيام بالدور الذي أشرنا إليه أعلاه وهي ستنجح في ذلك على الأرجح وعندئذ تكون قد قامت بشيء إيجابي بالخلاص من مشكلة جبهة النصرة أولاً, وقطع الطريق على التدخل السلطوي الإيراني الروسي في إدلب لتدميرها كما حصل في محافظات أخرى.
فيما يخص المصالح التركية في سورية فإننا نعتقد أن الحكومة التركية – ولا نقول تركيا أو الشعب التركي – تسعى بكل الوسائل ( بعد إخفاق الوسائل العسكرية لإسقاط النظام ) إلى أن تكون لها حصة كبرى أو مجزية على الأقل في الحل السياسي والتسوية السورية في حال التحقق
وذلك من خلال وجودها مباشرة, وبشكل غير مباشر من خلال الفصائل الإسلامية السياسية والعسكرية التي تدعمها وهي كثيرة وسوف تعمل على وجود الأطراف المذكورة بقوة على طاولة المفاوضات وعلى انتزاع الحصة الممكنة من النظام القادم لأنها تعرف جيداً أن المجتمع الدولي بشرقه وغربه لن يسمح بقيام دولة إسلامية في سورية تقوم على مرجعية دستور إسلامي.
إذن إن أقصى ما تطمح إليه الحكومة التركية اليوم هو هذه الحصة بعد أن تأكد لها أن هدفها القديم في قيام دولة إسلامية في سورية قد صار في مهب الريح.
إن تيار مواطنة إذ يرفض أن يتحقق الأمن القومي على حساب الكرد وحقوقهم وعلى حساب الشعوب الأخرى لا يجد ما يستحق الترحيب أبداً في محاولة احتلال عفرين, بل على العكس من ذلك فهو محل نقد وشجب حقيقيين مثلما لا يجد أيضاً ما يستحق الترحيب في تقوية الفصائل الإسلامية السياسية والعسكرية وزيادة حصتها في سورية المستقبل, بل يجد ذلك ضد المصالح الحقيقية للشعب السوري التي تتمحور في نظام سياسي يقوم على الخلاص من الاستبداد الأسدي بشكل حاسم وعلى قطع الطريق على دولة إسلامية بدستور إسلامي.
إن التدخل التركي كما أعلنته حكومتها يقوم على أمرين هما حل مشكلة وجود جبهة النصرة بشكل من الأشكال , وعدم السماح لاستيلاء السلطة السورية على إدلب حتى إشعار أخر, وفي حال لم تقم تركيا بالمهمة المذكورة فإن الأبواب مشرعة أمام فتح معركة إدلب من قبل السلطة وحلفائها بل ربما مع أمريكا أيضاً.
الانقلاب الناعم في السعودية:
بانتظار ظهور النتائج والارتدادات التي سوف تشمل المنطقة بشكل عام والعرب بشكل خاص والسعوديين بالتحديد فإن بوسعنا تسمية ما جرى بالانقلاب الناعم ومن المرجح أن يكون وراءه رؤية حقيقية للدخول في العصر والعالم والقضاء على التطرف الديني والاجتماعي والثقافي إلى حد كبير, ومن المؤكد أن وراء هذا الانقلاب والرؤية أشخاصاً كثر وعلى رأسهم ولي العهد كما أنه سوف يطيح برؤوس كثيرة من المشهد السياسي والاجتماعي والديني كي يضمن لنفسه القدرة على الصمود والاستمرار –  من بين هذه الوجوه ليس الأمراء فحسب بل وربما آلاف من رجال الدين والدعاة وشيوخ المساجد – ومن المرجح أن هذا الانقلاب سوف يترك بصماته على الصراع في الخليج واليمن وضد ايران والتحالف مع أمريكا أكثر ومواجهة قطر, واستعادة الدور السعودي القائد في الخليج – وربما ما هو أكثر – كما أنه سوف يترك بصماته على الصراع في سورية وآفاقه المستقبلية وحتى على مؤتمر الرياض 2 وفي العراق فإن آثار ذلك قد بدأت في الأصل منذ زمن قريب مثلها في ذلك مثل البدايات في السعودية ونحن بانتظار أن نرى تحقيقاً (للمثل القائل أول الرقص حنجلة), وفي كل الأحوال يرجح تيار مواطنة أن الآثار على كل الصعد وفي مختلف المناطق وفي سورية نفسها سوف تكون إيجابية لأن محاولة دخول العصر والعالم إيجابية بالتأكيد.
استقالة الحريري:
هنالك بالتأكيد أسباب حقيقية – تاريخية وراهنة – وراء هذه الاستقالة من بينها الارتدادات المحتملة للعقوبات الأمريكية لحزب الله والصراع ضد ايران, واقتراب نهاية داعش واحتمال اقتراب مواجهة عسكرية بين إسرائيل وحزب الله, وغطرسة هذا الأخير واستيلائه شبه التام على الدولة اللبنانية وجره لبنان إلى مسارات ضد محيطه العربي والعالمي, وخدمة المخطط الإيراني الوقح الذي لم يصدر عن المرشد العام فحسب بل بمن يسمي نفسه إصلاحياً – حسن روحاني – وإخفاق التسوية الرئاسية التي كان الحريري ( وغيره ) يعتقد أنها ممكنة, نتيجة عجز الرئيس عون وكتلته عن المضي قدماً في إبعاد لبنان عن المخطط الإيراني وعجزه عن استعادة الدولة من حزب الله وبعضهم يقول أنه لا يريد ذلك في الأصل وهذا موضع شك.
إن الحريري الذي لسان حاله يقول لقد بلغ السيل الزبى والذي بدأ يفقد الكثير من مصداقيته وشعبيته, والذي أضعف إلى حد كبير الاعتدال السني والذي ضحى بكل شيء تقريباً لإنقاذ دولة لبنان وأخفق في ذلك, والذي لا يريد تحمل الأثار السلبية للعقوبات والاستراتيجية الأمريكية في لبنان, كما أنه لا يرد تغطية حزب الله في حرب قد تقع في المنطقة بينه وبين إسرائيل كما حصل عام 2006 مع السنيورة, والذي – كما يبدو- نفض اليد من عون, نقول الحريري مع كل ذلك التقط الفرصة التي أتاحتها له الغطرسة الإيرانية, كما وجد الفرصة السانحة عبر الاستناد إلى الانقلاب الناعم السعودي والذي يحظى بموافقة أمريكية بالتأكيد (لأن هذا تحصيل حاصل) واستشرف آفاق المستقبل القادم وما يحبل به في المنطقة ككل وفي لبنان وسورية بخاصة, نقول أن الحريري وبعد ذلك كله ( وربما قبله ) قرر الكف عن تجرع السم وقذف الكأس في وجوه السقاة.
إن تيار مواطنة يعتقد للأسباب المذكورة أن استقالة الحريري سوف تكون بمثابة الزلزال بشكل عام وسوف تُفقد حزب الله بشكل خاص ظهره المحمي وتغطيته الدائمة, وسوف تجبره على الالتفات إلى الوراء لمعالجة الوضع المفتوح على اصطفافات جديدة وعلى احتمالات لا تبعث إليه بأخبار سارة.*

*- بعد أسبوع من تحرير هذا التقرير علق الحريري استقالته وبالتالي الحديث عن الزلزال كما ورد أعلاه يصبح نافلاً.

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة