230 views

افتتاحية مواطنة:تحديات العلمانيين في المشهد السوري

في حادثة موثقة، في إحدى المدن السورية مع انطلاقة الانتفاضة السورية أو الثورة السورية رفعت بعض اللافتات التي تطالب “بالدولة العلمانية “، لكن بعض الشباب منعوها بشدة، وفي السؤال عن السبب قال أحد من تزعم هذه الحركة:” هم يريدون أن ترجع نساءنا في وسط الليالي إلى بيوتهن دون أن نستطيع الاعتراض عليهن، نحن نرفض ذلك.” ثورتنا من أجل الحرية والكرامة!

لقد ارتبط مفهوم العلمانية شعبيا بالسفور، والانحلال والمجون وهتك حرمة الأديان، وعملت ماكينات إعلامية عربية وإسلامية على ترسيخ هذا الفهم عن العلمانية، وأيدت كلامها بالتجربة الغربية، بأسلوب انتقائي وكاذب، ودعمتها بسيل من الفتاوى والنصوص الدينية واستثارة المشاعر الدينية لدى الشارع..

وحين لحق الإسلام السياسي بركب الانتفاضة السورية، ازداد التشوية والشيطنة لها، فكان أن أصبحت العلمانيّة مرادفاً للإلحاد، وخروجاً على حكم الله! وهذا يعني بكل تأكيد شرعنه القتل، وهذا ما تم في مناطق متعددة ولم تسلم منها حتى التماثيل في حلب والمعرة وتدمر، وعُمّم الأمر ليتجاوز الإسلام السياسي ليشمل جمهورا واسعا ممن أدعو انتمائهم للانتفاضة أو الثورة، ليس لأنّهم يؤمنون بالدولة الدينية أو لأنهم ضد الحريات الفردية، بل لأنّ الانتفاضة أخذت طابعا إسلاميا دون أن تعترض القوى السياسيّة العلمانية أو غير الدينية ،على ذلك بل قبلت بصحّة معايير الإسلاميّين ،في أكثر من محفل ووثيقة، الذين استفادوا من الدعم الإقليمي واستغلوا الغرائز العقيدية لدى العامة المتدينة..

فأصبح تدوير الزوايا سهلا بالنسبة لهم أمام التراجع الواضح للقوى الرافضة لهيمنة الخطاب الديني وتراجع القوى اليسارية والديمقراطية والعلمانية عن مطلبها في فصل الدين عن الدولة، وتاهت في حجج الواقعية السياسية وضرورة التخلص من النظام ومراعاة أغلبية الشارع السني المتدين والذي يملك الطاقة الكامنة، اللازمة لإسقاط النظام، فكان المفهوم الضبابي “كالدولة المدنية “طاغيا دون أن يكون له محددات يمكن الاستدلال بها.

في الواقع لم تكن المشكلة في الاستعاضة عن مفاهيم العلمانية والديمقراطية، إنما في غياب المحددات والمبادئ الواضحة في تحييد الدين عن السياسة والسلطة بشكل خاص، والدعوة المبطنة إلى هيمنة رجال الدين على الدولة، وتقييد الحريات الفردية والخاصة، وتحجيم دور النساء في الحياة العامة والمحافظة على قوانين الأحوال الشخصية التي تعتبر أكبر معيق للمساوة بين الجنسين.

انعكس ذلك بشكل عملي ومباشر في مسار الحراك الاجتماعي والسياسي في سوريا، فتجاهل مسائل الديمقراطية والحريات أصبح مألوفا في كل المناطق التي سيطرت عليها الفصائل الإسلامية، وأصبح الخطاب الطائفي والخطاب الأحادي السلفي طاغيا ومقبولا إلى درجة أن شعار “قائدنا إلى الأبد سيدنا محمد ” أصبح شعارا مقبولا يحتذى به من قبل الأكثرية، نقصد أكثرية جسد الانتفاضة، وأصبحت جبهة النصرة فصيلا يراهن عليه في تحقيق الحرية والكرامة، وأصبح المعيار الأساسي لإسقاط النظام أي كانت الأدوات.

نحن هنا لن نكرر السؤال الخبيث “ماذا قدم العلمانيون للانتفاضة السورية “! ولسنا بصدد بحث نظري عن العلمانية “بفتح العين” ودورها في حياة البشرية وارتباطها العضوي بالحرية والديمقراطية، ولا نحن بصدد جلد الذات الذي يسعى البعض اليه لتبرئة النفس، ولكن بعد الذي وصل إليه الحال من انكسار مفجع لقضية الحرية والكرامة بات لزاما علينا أن نضع التجربة على المحك ونقول بشفافية أين كان الخطأ وأين كان الصح، لاعتقادنا أن النضال ضد الاستبداد لم ينته وأن المرحلة القادمة ستكون أكثر صعوبة في ظل عودة النظام إلى أغلب المناطق وتذرّر المجتمع السوري نتيجة القتل اليومي والتهجير.

نحن أمام تحديات كثيرة أولها رحيل النظام سواء تفككا أو رحيلا عبر مسارسياسي، ومواجهة منظومة الإسلام السياسي بدون مواربة أو مداورة وتجميل لخطابها وسلوكها السياسي. من هنا المعركة لا تتكامل إلا برؤية الجانبين معا، فالهدف يجب أن يكون واضحا ومعلنا إنهاء الطغمة الحاكمة وإيجاد البديل الديمقراطي العلماني الذي يحقق المساواة التامة بين البشر.

14.07.2018

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة