264 views

العمل السياسي، وقت مستقطع

img

العمل السياسي، وقت مستقطع

تذخر مواقع وصحافة الأحزاب والتيارات السياسية، الديمقراطية التقليدية والجديدة، بالأدبيات والرؤى الباذخة، والتنظير السياسي المعمق للمشهد السوري، وهي تدعي أنها تقدم حلولاً ومقترحات للقوى السياسية والعسكرية، للخروج بحل سياسي على المستوى الوطني، وإقامة العلاقات مع القوى الإقليمية والدولية بما يخدم المصالح الوطنية السورية.
وتكاد تكون كل هذه الأدبيات متقاربة في الاتجاه العام، ولاسيما فيما يخص الطموح نحو سوريا الديمقراطية، العلمانية والحرة والمستقلة.
والسؤال الذي يطرح نفسه وبشدة هو: إن كانت كل هذه القوى السياسية لديها من الأدبيات والإنجازات على المستوى النظري ما يملأ مجلدات كبيرة، لِمَ لَمْ تنجح في استقطاب القاعدة الشعبية، على الرغم من سهولة وصول هذه الأدبيات إلى متناول أيدي القراء ولاسيما مع وجود الفضاءات الإلكترونية المفتوحة؟ لم فشلت في إقناع العامة بمصداقية ما تقول؟
إن تقبل الافكار في المجتمع ليس مرهوناً فقط بصحتها ومصداقيتها، بل بمستوى الحراك الاجتماعي في اللحظة التاريخية المحددة، لكن لعل عدم الوصول  يعود إلى الإغراق النظري، دون وجود أدوات عملية تجسد هذه الرؤى، تبسطها وتسهل وصولها إلى رجل الشارع، أو لعل حجم التشابه بالرؤى يضع القراء أمام صعوبة  التحديد أو التمييز بين التوجهات، أو ربما هنالك ما هو أهم من أطنان الأوراق التي تتكدس بها المواقع الالكترونية لهذه الأحزاب والتيارات، وببساطة هو الاستغراق في الحياة اليومية المعيشة وضرورياتها، التي تبعد الناس عن متابعة الأدبيات السياسية، رغم أنهم أصحاب مصلحة حقيقية فيما تحمله هذه الوثائق من مضمون.
هذا التشتت للقوى السياسية، الواضح للجميع، على الرغم من تقارب أدبياتهم السياسية، يضع الأفراد، في المستويات المختلفة ثقافياً واقتصادياً، أمام صدمة عدم قدرة هذه القوى على العمل معا والخروج إلى العلن، في تحالفات قوية وائتلافات مرنة تحمل هموم الناس الحقيقية المتمثلة بالأمن والحرية في هذه المرحلة الحرجة التي يعيشها السوريون.
تظهر المؤشرات أن العامة ليست في قطيعة مع العمل السياسي، في حين، وربما بتاثير الإحباط، أن بعضاً من أبناء البيت الواحد-الحزب السياسي-هم في قطيعة مع أحزابهم وبرامجها، وحتى أن بعضهم قد لا يقرأ أدبياته السياسية بل يمرعليها مرور الكرام، منزوياً إلى تغريده المنفرد، مبتعداً عن العمل الجماعي.

ربما يكون الطابع الليبرالي للتنظيمات السياسية الجديدة والانفتاح التنظيمي، وعدم وضوح الرؤيا السياسية، كلها أسباب جعلت الكثير من الأحزاب تجمعات لأفراد، لم توحدهم الرؤية الفكرية والسياسية بشكل حقيقي، الأمر الذي يمنع ردم الهوة الخلافية، ولاسيما بين من لهم تجارب سياسية سابقة، فهم لم يستطيعوا التحرر من المبادئ القديمة، ووجهات النظر والرؤى السابقة، مما جعل العلاقة التنظيمية والعمل المشترك أكثر صعوبة.

وإضافة للميل إلى التنظير المبالغ فيه والغوص في الجزئيات الخلافية والاشكالية على أساس القضايا الكبرى، فإن الكثير من النخب السياسية، التي تشكل المشهد السياسي اليوم، غارقة بشكل لاواعي في الهويات الضيقة.هذه الحقيقة لا تلبث أن تظهر عند كل منعطف سياسي في سوريا، ولاسيما في العام الثامن للثورة السورية، حيث كان للمنحنى السياسي والعسكري المتراجع للمعارضة، تأثير كبير في تعزيز الشرخ بين الكثير من النخب حتى في البيت السياسي الواحد.

على هذا النحو، وطالما لم تحدث تحولات درامية تعيد تنشيط الشارع السياسي، وعلى وجه الخصوص تعيد إمكانية العمل، تحديداً في الداخل السوري، لتجمعات المجتمع المدني ولجميع أشكال النشاطات السلمية الإجتماعية والقانونية والثقافية، يبقى العمل السياسي، رغم ضرورته، ورغم النوايا الطيبة، عملاً في الوقت الضائع، وأحياناً يكون أقرب إلى المناكفات والمجادلات اللفظية عاجزاً عن التحول إلى حركة تغيير وعمل جدي، بعيداً عن الشد والجذب الضيق لمصالح ضيقة ومحدودة .

“تيار مواطنة”

18.08.2018

 

 

 

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة