149 views

رموز “الإنتصار” وحقائقه.

img

رموز “الإنتصار” وحقائقه.

تم في الأسبوع الأخير، في المدخل الجنوبي لمدينة حمص، ترميم وتدشين تمثال حافظ الأسد، الأب المؤسس لأسوء نظام مرعلى سورية، كما كانت قد جرت إعادة التمثال المشابه إلى مدخل حماة قبل أكثر من سنة، والأخير تم حجبه سابقاً خوفاً عليه من الإهانة والتحطيم، مثلما كان مصير الكثير من التماثيل والصور الكبيرة للعائلة الأسدية.هذين العملين الرمزيين قد يعبٍران عن التباهي بانتصارعسكري لكنهما لا يعنيان أبداً أن النظام استعاد شرعية مفقودة، محلية أوعالمية، رغم بقائه عضواً في الأمم المتحدة ومؤسساتها، فلأسباب كثيرة استعاد النظام تماسكه، لكن لاتزال كلمة النظام وخاصة كلمة الدولة فضفاضة على مقاسه.هو ليس أول نظام مستبد يقاوم إمكانية إزاحته، والتاريخ ملئ بالامثلة.

وفي الشهر الأخير جرى أيضاً تعميم رسائل رمزية ل”الإنتصار الاسدي”، فتم إبلاع آلاف العائلات السورية، عن طريق سجلات النفوس، بموت الرجال والشباب والنساء وحتى الأطفال، في المعتقلات، بالسكتات القلبية التي يترجمها السوريون فوراً إلى ” تحت التعذيب”. كل ذلك يتم  رغم ما تشكله هذه الرسائل من اعترافات واضحة بارتكاب جرائم الاعتقال والتعذيب حتى الموت، فالنظام الأسدي مطمئن إلى أن التوازنات الدولية لا تسمح بتحويل الكثيرين من مسؤوليه، ناهيك عن الأسد نفسه، إلى محكمة الجنايات الدولية رغم وجود العديد من القرائن القانونية.

مقابل رموز ” الإنتصار” أية حقائق يمكن أن تعبر عن وجود “دولة” في الوضع السوري؟

إذا ابتدأنا ب “الشعب” الذي لابد منه كأساس في الدولة، هل نستطيع أن نهمل وجود ملايين المهاجرين في الدول القريبة والبعيدة؟ ربما، وفق نظرية ” التجانس” الأسدية النازية، لا ضرورة لعودتهم ولا حاجة لهم، لكن وفق “عقلانية” بوتين لابد من عودتهم، لحل مشاكل اللاجئين في الدول المجاورة، وفي سياق إعادة تأهيل النظام الاسدي دولياً، عودة اللاجئين ضرورية للحصول على تمويل إعادة الإعمار، الذي لا يستطع القيام به يوتين وحلفاؤه، وهم الذين يعانون من الحصار الإقتصادي أصلاً. وإذا ذهبنا إلى ما هو أعمق من ذلك هل تستطيع مؤسسات وأجهزة أمن “مملكة الخوف” المتجددة استعادة السيطرة على مكونات الشعب السوري القومية والدينية والطائفية؟

وإذا انتقلنا إلى الجغرافية، هل يسيطر النظام الأسدي، أو يستطيع السيطرة، على كل الحيز الجغرافي الذي كانت تشغله الدولة السورية؟ الأمريكان لن يتركوا المنطقة الشمالية الشرقية إلا بعد تصفية الحساب مع الوجود الإيراني في سورية وهم موجودون بالتحالف مع قوى محلية سورية، وهم يربطون رحيلهم أيضاً بحصول انتقال سياسي حقيقي يعبرون عنه بدستور جديد وانتخابات بإشراف دولي.

وفي الشمال يسيطر الأتراك على مساحات من الأرض السورية وفق قبول دولي أمريكي وروسي، وليس واضحاً حتى الآن كيف يمكن إنتهاء أو إنهاء هذا الوجود، فإمكانات النظام لا تسمح له بالمزاح مع الأتراك. بالطبع لا يزال وضع إدلب غير محسوم، ولا يزال خاضعاً لمساومات إقليمية ودولية من خلال اجتماعات حصلت أو ستحصل بين الأطراف المعنية، ولا يخفى على أحد أن التحذير الغربي الحاسم بعدم استخدام الكيماوي أثناء اقتحام إدلب، له وجهه الآخر، وهو أن “تحرير” إدلب متفق عليه دولياً باعتباره مواجهة ل”جبهة النصرة” ذات النفوذ الكاسح في المنطقة، لكن هناك إشارات يرسلها الروس عن الفصل بين ما يسمونه المعارضة الصحيحة وبين الإرهابيين، كما توجد عدة نقاط مراقبة تركية وبعضها في منبج بتنسيق مع الأمريكان، لذلك من غير الواضح تماماّ بعد، تصور الاستعادة الكاملة لإدلب من قبل النظام.

وفي مناطق أخرى سورية لا تزال “داعش” تسيطر على جيوب متعددة وأغلب المراقبين يشككون في جدية النظام في مواجهتها، بل بدا واضحاً في الجنوب، شرق السويداء، أن النظام معني بتركيع  أهالي السويداء وإجبارهم على سوق شبابهم للخدمة العسكرية، أكثر مما هو معني بمواجهة داعش التي أصبحت أضعف بكثير من فصائل المعارضة السورية، التي هزمها النظام بدعم حلفائه.

أما إذا تحدثنا عن البنية القانونية للدولة، أيضا كمكون ضروري للوجود والاستقرار، فإن طريقة مواجهة النظام لخصومه لم تعتمد على “جيش النظام” والمؤسسات النظامية الاخرى فقط ، كبنى رسمية قانونية وظيفتها حماية الدولة ومؤسساتها، بل اعتمدت أكثر على قوى خارجية ميليشاوية من جهة، وعلى قوى محلية عسكرية أو شبه عسكرية أشبه بعصابات لا تمتلك أية عقيدة قتالية، وبالطبع لا ضرورة للتنويه عن غياب أي مرجعية أخلاقية أو دستورية أو قانونية في سياق المواجهة مع الخصوم، فحتى لو تصرف الخصوم كعصابات يفترض بالدولة أن تتصرف كدولة. إن تعب السوريين من الحرب والموت والاعتقال والتعذيب يجعلهم يعودون إلى الصمت، لكن هذا القبول السلبي لا يؤمن استقراراً حقيقياً في المدى المتوسط داخل البلد.

أخيراً فيما يخص السلطة، كأحد عناصر الدولة، فلا أحد يجادل في عجزها عن حماية حدودها ومواطنيها ولا في إمكانية وجود قوانين ناظمة حقيقية للعلاقة بين الناس،عدا علاقة القهر والقسر وآليات الفساد وترك الحبل على الغارب للعصابات الأسدية المنفلته من عقالها، والتي تمارس تشبيحها على جميع المواطنين السوريين، وتعنبر أن من حقها أن تقبض ثمن قتالها مع النظام بأي طريقة كانت، و الشكوى منها لا تقتصر على المعارضين بل تشمل المؤيدين أيضاً، هذا ما شهدناه في تعفيش مخيم اليرموك وما نشاهده كل فترة من تجاوزات عصابات “الدفاع المدني” التي تمارس القتل والسرقة والاغتصاب والخطف مقابل فدية.

كل ما سبق يعني أن المشوار لا يزال طويلاً أمام الشعب السوري وأن الإنتصار العسكري للنظام لا يعني عودة الامور كما كانت، سورية تغيرت ودفعت الثمن وستتابع إلى أن تصل إلى دولة الحرية والكرامة، دولة المواطنة.

“تيار مواطنة”

25.08.2018

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة