237 views

افتتاحية مواطنة :جريمة داعش الاخيرة .. وحبل الجرائم الممتد.

أعادت ”داعش الجنوب“ بعد مجزرتها في قرى شرق السويداء التي ذهب ضحيتها أكثر من ٢٥٠ مدني أعزل , واختطفت حوالي الاربعين من النساء والأطفال الأبرياء, حيث فاوضت داعش عليهم وتفننت بقتل بعضهم بين الذبح واطلاق النار وغيره, وبالطبع لم تتأخر السلطة في استثمار هذا الحدث…حيث فعلت داعش فعلتها ومضت, وهكذا أعيد الجدل حول حقيقة وجود هذا الفكر التكفيري
واذ ترافق ذلك بداعش البادية حيث قامت بضرب العديد من مخيمات شرق الفرات مستغلة سوء الاحوال الجوية وانعدام الرؤية من الغبار فخطفت المئات ونكلّت بالعشرات, في مسعى يائس لتحرير عناصر لها ولفك الحصار عن جيب شرقي الخابور بين الحدود السورية العراقية.. حيث عادت المواجهات مع “قسد” وعاد قصف التحالف الغربي لمواقع مع تجدد الوعد بانهاء داعش.

انه السؤال القديم المتجدد:من أين جاء هؤلاء؟ وهل يمكن القضاء عليهم حقا؟
بالطبع لن ننساق الى التبريرات التي يحملها النظام ومناصروه وروايته المسخ عن المؤامرة الكونية و الإرهاب التكفيري العالمي المدعوم بأموال البترودولار وهي الرواية التي لا ترقى لاحترام عاقل رغم توفر بعض مقومات لها، سيما اذا تذكرنا ان النظام كان قد اتهم كل معارض أو ثائر في ثورة الكرامة السورية بهذه الوصفة السحرية الجاهزة.
وبالمقابل لم تكن أصوات الكثيرين من أصحاب الرؤوس الحامية في المعارضة وإعلامها الركيك بأفضل حال عندما راحت تعلق كل العيوب والجرائم على مشجب السلطة, فداعش -حسب تصور أولئك- ليست سوى فصيلا آخر للنظام تمت صناعته في أقبية المخابرات -ولديهم بروايتهم بعض السند- وهي مجرد توليفة إيرانية أسدية اشترك في صناعتها كل أعداء الثورة السورية, وبهذا يعفون أنفسهم من عناء التحليل الواقعي الملموس ويستسهلون بالقاء الأمر برمته خارج محطة النقد والتفنيد الواقعي.

ودون ادعاء التحري واسع الطيف لواقع تنظيم ”داعش الجنوب“ الذي اجمع متابعيه ميدانياً بأنه توليفة من مجموعات مسلحة مختلفة منها البدوية التي اشتغلت تاريخياً بتهريب الأغنام أو ممن عملوا كمخبرين لأجهزة النظام وانقطع سبل رزقهم الا بتهريب مازوت داعش خلال فترة انتعاش الاخيرة بمناطق آبار النفط المستباحة, مع مزيج المرحّلين من مخيم اليرموك ضمن اتفاقات التسوية الروسية الاسدية قبل أشهر -وهذا لا يخلو بالطبع من القصدية السلطوية للعبث بالسويداء ودفعها الى استحقاقات اقلها استعادة شباب السويداء الرافض للخدمة العسكرية- يضاف اليهم بقايا مسلحين خرجوا هاربين من حوض اليرموك ومحافظة القنيطرة ودرعا خلال وبعد مواجهات انهاء وجودهم مع قوات ومليشيات الاسد والقصف الروسي, وبالتالي شكلوا معاً بنية ابعد من أن توصف بالانسجام العقائدي فضلاً عن السياسي, لكن المواجهات العسكرية وحدتهم ودفعتهم الى عملياتهم القذرة الاخيرة.

ان تنظيم ”القاعدة“ الذي أقام منظومة أممية عابرة للحدود والقارات وشكلت مزيجاً من فصائل مدربة ومجموعات اجرامية وذئاب شاردة وأفراد طائشين أو مدركين ومنهم بعض الأوربيين من المسلمين الجدد في الغرب, حيث راحت مظالم العولمة و الرأسمالية المتفاقمة على الشعوب تنضح بالكثير, ومازال العديد من منابر اليمين المتطرف بالغرب يبث سموم الكراهية والعنصرية…
تلك القاعدة والمتطرفين الذين واجهوا الاحتلال السوفييتي لأفغانستان يوماً مدعومين بالطبع من الامريكي حيث تم دحر الروس وهزيمتهم شر هزيمة, سرعان ما انقلبت الى تحدي أمريكا (الكافرة ايضاً) بلحظة تاريخية تعيسة الطالع حيث انهارت الشيوعية فشكلت العدو البديل الذي يخلفها في المشهد السياسي والامني الدولي, فكانت القاعدة و“الارهاب“ و“الخطر الاسلامي“خير من يمثل ذلك العدو الجديد جاهز المعالم, مجندلاً بثقافته الجهادية من التاريخ الإسلامي والموروث الفقهي, وما جاءنا من انحطاط الدولة العباسية مثلا فهي التي نعتت أي دولة معادية لها آنذاك بالكافرة (مفهوم دار الكفر ودار الاسلام, رغم أن مفهوم دار الكفر كان سياسياً حينها لكنه أخذ بعداً دينياً مجرداً عند هؤلاء بمعنى الكفر بالله). ومازال المشايخ والدعاة يرددون لمريديهم كل يوم ان دولاً كالدول الاوربية واميركا هي بلاد الكفر والكفار حتى من المشايخ الذين يعيشون في مناخ الغرب وينعمون بخيرات الديمقراطية وحقوق الانسان فيه.…كما ساهم تشرذم وضعف الدول الاسلامية وشعوبها المزمن الذي وقف عاجزاً على اثبات عكس هذه الصورة, لتأتي داعش وربما آخرون كورثة شرعيين لتنظيم القاعدة سوءاً اعترفت الاخيرة بهم أم لا, وسواءا بايعوها هم أم انفكوا عنها شكلاً.
لقد جاء انتعاش الداعشية والتكفيرية وبالتالي الارهاب في العقدين الاخيرين استجابة متخلفة للجدل الحتمي لمظالم العرب السنّة في عراق المالكي ذات السيطرة الشيعية اثر نهاية حكم صدام أو في سورية الاستبداد الأسدي مدعوما بملالي طهران ومليشياتها الشيعية لاحقاً وحيث امتزج هذا بالأحلام التواقة لعالم عادل جرى تقديمه في خطاب ديني بائس تحت عنوان الخلافة من خلال منطق انفعالي يعتقد أنه المطلق ويظن انه المعصوم بنصوص من القرآن، والمؤيد بالسنة الشريفة ضمن مقولة الحاكمية لله ورسوله.
إن فكر داعش وشقيقاتها ليس ببساطة سوى تلك الخطب الحماسية والمتخلفة التي مازالت تطلقها المنابر دون توقف والتي علا صوتها منذ سقوط الخلافة العثمانية وراحت تصور أن العالم ”قد تآمر علينا وفتت الخلافة لأنه يكره الإسلام والمسلمين“، ولم يجاهر الا قلة من الدعاة المتنورين بأن الخلافة نفسها لم ترد بالنص القرآني أو الحديث النبوي، وليست الا نظام سياسي لتدبير شؤون الناس وتصريف حاجاتهم في مرحلة تاريخية مضت, وحملت مقومات نهايتها كغيرها من النظم (القيصرية-الامبراطوربة…) في نهاية الحرب العالمية الاولى وتفكك الحقبة العثمانية, التي ينبري اليوم اردوغان ومن معه لاستحضارها يائساً عكس منطق التاريخ, كما لن تنفع أرقى مساحيق التجميل لاستعادة شباب عجوز تقدم بها العمر.
ختاماً : ان أسباب توالد الارهاب وهذا الفكر التكفيري كانت وما زالت مستمرة وكل المعالجات العنفية التي اتخذت ستبقى قاصرة, ما لم تذهب الحلول الى عمق النزاعات لتضع حداً لخطاب الكراهية عبر العالم, ولاجتراح حلول عادلة للبشرية جمعاء, فلا تحرم الشعوب المقهورة حقوقها في تقرير المصير.
اما عن منطقتنا, فطالما استمر النفوذ الإيراني الديني بتشعباته وألوانه السورية والعراقية واللبنانية والفلسطينية وهو الذي يمثل الوجه الآخر للتطرف والتكفير والارهاب, طالما استمرت اسباب توالد الداعشية وأخواتها.
كم نحتاج إلى ثورة في العقل تهزنا بعمق و تعيدنا إلى قيم الإنسانية المعاصرة، ونتجاوز بها ضيق المطلق الى رحاب النسبية واقرار حكم الشعب لنفسه وفق النظم الحديثة المجربة, فالمواطنة بادارة ديمقراطية أثبتت انها أقل النظم سوءاً ودفعت بالشعوب الى التقدم والازدهار, وستبقى خيار الشعوب الامثل في ادارة شؤونها المستدام وحفظ كرامتها ووجودها.
وكم نحتاج في سوريتنا الى نهاية الاستبداد و كل اسباب تجدد التكفير والظلم, بدءا بزوال سلطة الاسد وليس انتهاءا بحكم انتقالي يعيدنا الى حقل السياسة والمواطنة.

تيار مواطنة : 24.11.2018

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة