209 views

الخطاب الإسلامي والخطاب الديمقراطي- سورية بين خيارين 11-3

img

 

من الأفضل دائماً، عند كتابة أي تحليل سياسي، ترك باب الاحتمالات مفتوحاً وعدم الجزم بأي من المسارات التي يمكن أن تتخذها الأحداث والتطورات، وخاصة إذا كان الوضع معقداً كما في الحالة السورية، ووجود وتركز العديد من التناقضات والمصالح الدولية والإقليمية وبهذا المعنى يمكن اعتبار الوجود الروسي والتركي والإيراني والأمريكي خليطاً من تلك المصالح والتناقضات والحروب الخفية طوراً والجلية في آخر.

وإن كان ذلك الوجود المتعدد قد عكس نفسه جلياً في دوران التفاهمات والتحالفات الدولية والإقليمية بسبب فهم وتفهم تلك الدول لمصالحها ولمصالح الدول الأخرى جيداً، فإن هذا الفهم والتفهم لم يجد الحامل السياسي السوري المتمكن من تلك الآلية السياسية المطلوبة دائماً لخوض معركة سياسية كبرى بحجم المعركة الدائرة على الساحة السورية.

شهدت أروقة القصرين الرئاسيين في طهران وموسكو لقائين لرؤساء سورية وإيران من جهة أولى وروسيا وإسرائيل من جهة ثانية، حيث تم في اللقائين التأكيد على علاقات محددة وشديدة الأثر على تطور الصراع في سورية؛ فمن جهة أولى حدد اللقاء السوري- الإيراني 3 آذار 2019 شكل العلاقة الراسخة بين النظامين وضرورة وجود تلك العلاقة بينهما وحاجتهما لها كلّ من زاويته؛ فالسلطة السورية بحاجة ماسة للدعم الإيراني العسكري والمالي والسياسي بالإضافة إلى موازنة الوجود الروسي، بالمقابل النظام الإيراني يعتمد في مشروعه الفارسي على صمود سلطة الأسد لإبقاء المشروع على قيد الحياة وخاصة أن التهديدات الأمريكية والإسرائيلية والغربية عموماً بإخراج الإيرانيين والميليشيات الشيعية قد وصلت إلى التنفيذ الفعلي- وإن كان بطيئاً- والتي على الأرجح سوف تطيح بالوجود الإيراني وحزب الله والميليشيا الشيعية في سورية. وبالمقابل نرى اللقاء الروسي- الإسرائيلي يعيد بقوة إلى طاولة المفاوضات الأولويات الإسرائيلية والتي تخدم جزئياً الرؤية الروسية للحل والتي تضمن السيطرة الروسية على القرار السوري بخروج الإيرانيين منها، وخصوصاً أن بعض التفاهمات الروسية- التركية أيضاً تجعل من بقاء الميليشيا الشيعية والحرس الثوري نافلاً ومعيقاً للحل الذي ترتأيه روسيا.

إذن نحن أمام خارطة دولية- إقليمية جديدة نوعاً ما، سيخرج منها الإيرانيون كأكبر الخاسرين، وسيبقى الشدّ والجذب بين الروس والأتراك على قاعدة أنهما الدولتان الأقوى الآن على الأرض السورية، وكلتا الدولتين تنظران إلى الوجود الأمريكي وللدور الإسرائيلي بعين الغضب والمخاتلة لتمرير  بعض المكاسب الجزئية والتي قد يقبلها الأمريكان ويتغاضون عنها مراعاة لبعض القواعد السياسية الدولية وخاصة تجاه الأتراك، لكن هذا التغاضي لا يعني بحال القبول الأمريكي لاتفاقات قد تعيد الوضع إلى المرحلة التي كانت شوكة الإسلاميين هي الأقوى وخصوصاُ بعد دحر داعش ولا إلى حلّ يكرس سيطرة الإسلام السياسي على الدولة المقبلة ولا إلى حل يبعد الكرد عن الساحة ويجعلهم تحت رحمة الأتراك ويثبت هيمنة تركيا على كامل الشمال السوري ولا إلى حل يبقي سلطة الأسد. لقد تغيرت المعادلة الآن، لذلك يسعى الأتراك والروس لتثبيت بعض نقاط التقدم والتي، على الأغلب لن يوافق الأمريكان عليها، ويصرون على رؤيتهم في المبادرة المقدمة عبر المجموعة المصغرة من أصدقاء الشعب السوري والتي تصر على الحل عبر جنيف والمسار الدولي الشرعي والتي تضمن عدم العودة إلى الوضع المذكور أعلاه.

مقابل هذه التطورات، وهي مهمة جداً، تطرح “المعارضة السورية” بشقيها الديمقراطي والإسلامي تصورات ومبادرات مهمة جداً، وتأتي هذه الأهمية من الدرجة الأخيرة التي وصل إليها تطور تلك المعارضة على مستوى الممار سة والفكر السياسيين، ولا تأتي من قدرتها على فرض تلك الرؤى أو تنفيذها أو بالحد الأدنى من الأيمان المشاركة بها مع الأطراف الخارجية الفاعلة في الحالة السورية. وقد عبر الإسلام السياسي السوري عبر ممثله السياسي الأبرز “جماعة الإخوان المسلمين” عن هذه الدرجة من التطور وفق منظورهم الشامل لمستقبل سورية في بيان موجه إلى السوريين إسمياً وإلى حكومة أردوغان فعلياً وشكلياً. وقد يكون من الإجحاف الحكم على “الجماعة” من مجرد “بيان” واحد، لكنهم أتحفونا سابقاً بالعديد مثله إضافة لمسيرتهم المثبتة عبر الممارسة، وقد شكك البعض بصحته، لكن الجماعة لم تبادر إلى نفيه أو التعليق والأجدى تصديقه والتعامل معه.

يحدد هذا البيان أربعة نقاط فاصلة في العقل السياسي الإخواني ولا يترك مجالاً لرهان البعض على أن الأخوان المسلمين في سورية خصوصاً والإسلام السياسي السوري عموماً أنهم قد استفادوا من تجربة نحو قرن من وجودهم السياسي ليطوروا هوية وطنية عامة بديلة للهوية المتجاوزة للوطن على قاعدة “الأمة الإسلامية” بل أثبتوا مرة أخرى أن هذا الفكر السياسي يستند إلى قواعد ارتكاز سياسية راسخة رسوخ الفكر الديني والإيماني. وجوهر ما نقول يقوم على فكرة أن مشروعية أي مشروع سياسي لا تقوم على القيم الأخلاقية والمظلومية ولا على الأحلام الجميلة أو الكابوسية، بل تقوم على برنامجه أولاً وخدمة هذا البرنامج لأهداف المشروع وبالاستناد إلى واقيعته ثانياً، وبالتالي فإن محاكمتنا السياسية لأي مشروع عموماً ولمشروع الإسلام السياسي خصوصاً لا تنطلق من مقولات أخلاقية، رغم أهميتها، بل من وقائع وموازين قوى ومعطيات لا مجال لإنكارها أو الالتفاف حولها أو إغماض الأعين عنها.

تقوم فكرة الأخوان المسلمين على أن الرابطة “الأخوية” مع الحكومة التركية هي الضمان الأوحد للمنطقة الأمنة التي يطلبها “جماعتنا” وينسون أن الحكومة التركية تمارس السياسة على قواعد واقعية، وليس على أساس رابطة “الأخوة” وأنها تتحالف معهم ومع الفصائل لأنه لا بدائل سورية أخرى تتمتع بالقوة العسكرية وتمسك الأرض وتقبل بالمشروع التركي بدون نقاش مقابل وعدها لهم بحصة من السلطة القادمة. النقطة الثانية والتي تتعارض مع المنطق الواقعي جبهياً العداء الظاهر للتحالف الدولي بقيادة أمريكا واعتباره مساهماً في سفك دماء السوريين واعتماده بكائية المدنيين والحصار في مناطق داعش ولو بدون تسميتها بالاسم وبالتالي عدم قبولهم لوجود هذه القوى في المنطقة الآمنة كضامنين لها، والإصرار على أن الأتراك هم الضامن الوحيد، وطبعاً يستمر المنطق نفسه في اعتبار “قسد” والقوى الكردية كمساوٍ لداعش في إرهابه وفي سفكه لدماء السوريين، ومن حقنا طبعاً أن نسألهم “أي سوريين؟” وهل حرب قسد ضد داعش هي إرهاب؟ أو تحالفها مع الأمريكيين؟ وباختصار لا يشكل هذا النسق المنطقي أي رؤية واقعية للوضع السوري فاتهام قسد وPYD بالإرهاب إنما هو تأييد للمخاوف التركية ولا علاقة له بالحل المطلوب للحالة السورية، وأخيراً ستكون النقطة الأخيرة حول بيان “الجماعة” هي الطموح الشديد لأخذ حصة من السلطة بمشاركة الأتراك، وبالتالي، وهو أخطر ما ينضح به هذا المنطق، القبول بالشراكة التركية- الروسية على قاعدة قبول الروس بالإسلام السياسي كشريك مقبل في السلطة السورية بغض النظر عن حجم الدعم الروسي للسلطة وعن المشروع الروسي للبقاء في سورية، ما يعكس النزعة النفعية الشديدة “للجماعة” في تعاملها مع الوطنية السورية ومستقبلها.

ويبقى أن نشير في موقف تيار مواطنة إلى الرغبة الحقيقية للتيار بقيام الجبهة الديمقراطية العريضة على أرضية رفض مشاريع الإسلام السياسي ورفض استمرار السلطة الطغمة، وفي هذا الصدد لنا موقف تفصيلي من السلوك السياسي والمنطق الحاكم له لدى القوى الديمقراطية السورية ورؤيتها لمستقبل سورية وأفق تطور هذه الجبهة من الرغبات إلى الواقع.

تيار مواطنة

المكتب الإعلامي 11 آذار 2019

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة