337 views

مرة أخرى: الخطاب الإسلامي والخطاب الديمقراطي- سورية بين خيارين

img

ناقشت الافتتاحية السابقة موقف الإسلام السياسي وممثله الأبرز- الأخوان المسلمين- من الوضع السوري وتعقيداته، ونتابع في هذه الافتتاحية موقف “القوى الديمقراطية” من هذا الوضع وأفق تطوره.

عشية انطلاقة الثورة السورية، كان وضع المعارضة السورية بعامة والتيار الديمقراطي بخاصة في أسوأ حالاته التنظيمية والسياسية، وقد انعكس ذلك في شكل العلاقة البينية بين القوى المشكلة لهذا التيار، ولحظة دخول الثورة السورية المفاجئ معظم الميادين السورية وقفت هذه القوى موقف الخائف مما تخبئه هذه الانتفاضة الكاسحة وبدأت الحسابات السياسية المتباينة بالظهور ببطء بداية وبعجالة تالياً، لكن تسارع أحداث الانتفاضة لم تعط الوقت ولم تفسح في المجال لتلك القوى كي ترتب أوراقها وتخرج بمواقف مناسبة للحظة الانفجار الثوري؛ لقد أخذت الانتفاضة تلك القوى على حين غرّة!

ومما تجدر الإشارة إليه بعجالة هنا الوضع الاجتماعي للمعارضة السورية الديمقراطية بخاصة لأنه يؤسس لما يسمى البيئة الحاضنة لتلك القوى، وقدرتها تالياً على الاستمرار وترتيب بيتها الداخلي في وجه التطورات المحتملة للانتفاضة- الثورة، وبالتالي قدرتها على الصمود في وجه عدو أول واضح وجلي منذ ماقبل الانتفاضة وهو السلطة- الطغمة، وفي وجه الأعداء الآخرين الذين سيبرزون لحظة دخول الانتفاضة طور السكون والتعفن والتحول إلى حرب أهلية وظهور الثورة المضادة، كما حصل في التجارب العالمية السابقة التي لم تحسم فيها الثورات مآلاتها لسبب فقدان القيادة القادرة على توجيه هذا السيل الثوري الجارف إلى قنواته السياسية والاجتماعية المرسومة في برنامج ثوري واقعي وحصيف. نقول بان هذه البيئة الاجتماعية للمعارضة عموماً والديقراطية خصوصاً قد جففتها السلطة- الطغمة خلال ما يقارب الخمسة عقود عبر سياسات أمنية- دينية- طائفية وأخيراً عبر “مؤسسة الفساد”- مؤسسة تختص بها الدولة الشمولية وتكون برعاية رأس النظام وإشرافه المباشرين- لكي تحتكر الممارسة السياسية في المجتمع، ونقول بهذا الصدد: التسييس الشامل والشمولي للمجتمع؛ فكل مؤسسة قائمة- رسمية أم شعبية-  يجب أن تخدم هذه السلطة سياسياً وأن تكرس الفكر الشمولي للأب القائد وللحزب القائد وللجيش العقائدي. إنه، بلا شك، دين جديد لعبادة البشر الخالدين.

إذن، في هذه البيئة الاجتماعية قامت أعظم انتفاضة في القرن الحادي والعشرين؛ شكلت القطيعة بين المجتمع وتمثيلاته السياسية سمته الأساس خصوصاً بعد القضاء على المجتمع المدني وعلى نويات منظماته التي عادت للظهور مطلع الألفية الثالثة، ورغم إدراك هذه المعارضة الديمقراطية لجفاف منابعها الاجتماعية ورغم ظهور العديد من الدراسات الهامة حول الوضع الاجتماعي المذرر والمفكك، ورغم معرفة قادة التيار الديمقراطي لمخاطر الدخول في مواجهة جبهية بين المجتمع السوري والسلطة- الطغمة، نقول رغم كل ذلك فقد فوتت المعارضة الديمقراطية، في حينها، فرصة التظاهرات السلمية والانخراط داخل تلك الحركة وقيادتها قبل أن يكتسح الإسلاميون بشعاراتهم الراديكالية كامل الحركة ويطردون جميع الديمقراطيين خارج الحركة أو يخضعونهم لمنطقهم. خلال تلك المرحلة، افتقدت هذه القيادات المبادرة وعجزت عن تنفيذ بعض الخطوات الهامة جداً مثل:

  • توحيد الجهود والبرامج والدخول في تحالفات متماسكة، كي لا نقول “وحدة المعارضة” لأنه شعار طوباوي.
  • تجاوز الانقسام الحاد بين ممثلي أهم تكتلين للمعارضة، المجلس الوطني ولاحقاً الائتلاف الوطني وهيئة التنسيق الوطنية، على قاعدة “داخل- خارج” والتخوين الوقح على قاعدة “جذري- مهادن” وخاصة عند تهرب الطرفين في 2-3 تموز 2012 عن الالتزام “بوثائق القاهرة” ومتابعة تنفيذها عبر لجنة أو هيئة متابعة موحدة.
  • تقديم بدائل سياسية ديمقراطية وقيادية قوية ومقنعة للمجتمع الدولي عموماً وأمريكا خصوصاً بدل الاكتفاء بمطالبتهم بإسقاط النظام لصالح الإسلاميين، بينما بقيت الهيئة تعزف على اسطوانة “لا للتدخل الخارجي”.

وبعد أن تعسكرت الانتفاضة بعد تموز/ رمضان 2011 صار الحديث عن تسليح المنشقين عن جيش السلطة مدار خلاف كبير بين الديمقراطيين، ثم لتظهرالفصائل بدعم قطري- سعودي- تركي مباشر والتي حسمت تحول الثورة إلى ثورة مضادة ومن ثم إلى حرب أهلية، وقفت القوى الديمقراطية منها موقف العاجز والخاضع. وسيبقى موقف بعض الديمقراطيين المدافع عن “جبهة النصرة” ماثلاً في أذهان السوريين بعد أن فشل أولئك القادة في جلب الدعم الدولي للثورة وفشلوا في توحيد جهود المعارضة وبقي الجزء الأكبر منهم يدور في فلك الدول الإقليمية والفصائل الإسلامية.

يكمن الخلل الكبير في سلوك التيار الديمقراطي بشقيه- الائتلاف والهيئة خلال الثورة، وقبل الثورة بين إعلان دمشق وجبهة الانقاذ من جهة والتجمع الوطني الديمقراطي- الانطلاق من مقدمتين خاطئتين:

السلطة لا تقبل أي تغيير- مقدمة صحيحة- بالتالي يجب إسقاطها بأي طريقة- نتيجة كارثية- أي طريقة جلبت الكوارث، مثل التدخل القطري والتركي وداعش والنصرة وأخواتهم. إنه منطق شعبوي مستسلم للذهنية الانتقامية السائدة بعد بطش السلطة والتدخل الإيراني السافر ضد الثورة.

لا يمكن التغيير إلا بتدرج- مقدمة صحيحة جزئياً- وبقبول وبمشاركة السلطة- نتيجة كارثية- فالتغيير بقبول وبمشاركة السلطة مستحيل- إلا إذا كان على طريقة إصلاحات السلطة- والتغير بالإكراه سيجلب الدمار على سورية.

ويغيب المنطق الذي ينظر بتمعن إلى علاقة التغيير السياسي بالمتغيرات الحاسمة في بلدان الأنظمة الشمولية والتي ترتكز على: التغيير مستحيل إلا بكسر إرادة السلطة- أي سلطة شمولية- وهذا الكسر مستحيل بالقوى الذاتية للمعارضة الداخلية، ويستحيل أيضاً بالبرنامج والقيادة- الإسلاميين في حالتنا- المرفوضين من المجتمع الدولي. ويبقى الحل بتشكيل معارضة ديمقراطية مقبولة دولياً بحيث تجبر المجتمع الدولي على التدخل لصالح البرنامج الديمقراطي، من خلال برامج وسياسات رائدة، بديلة لبرامج وهمجية السلطة وأعدائها الإسلاميين. وممارسات توحد مكونات الشعب المنقسمة عمودياً وتقدم حلولاً حقيقية لمشكلة الكرد والأقليات القومية الأخرى بدل تأجيج هذا الانقسام وتحويله إلى دعاية حقد وكراهية وانقسام إضافي للمجتمع.

بعد كل ما قيل هنا، هل كانت نتائج الثورة السورية ستختلف عما آلت إليه الأمور لو توحدت القوى الديمقراطية على برنامج واحد؟ من المستحيل وجود إجابة واحدة على هذا السؤال، لكن المؤكد أن الكثير كان سيتغير وأهم تغيير لو حصلت تلك الوحدة البرنامجية كان وجود جهة “وطنية” موثوقة من جميع الأطراف- شعباً ودولاً وحتى من الأعداء- يمكن أن تلعب دوراً بارزاً- إن لم نقل قيادياً- في طريق التغيير الجذري للوضع السوري.

فاتت فرص عديدة على الديمقراطيين، ومازال الطريق طويلاً، فهل سندرك أهمية دورنا ونتخلص من كل أمراضنا ونقدم النقد الجذري لأنفسنا قبل نقد الآخرين وإلقاء تبعات عجزنا عليهم كمجتمع دولي وإسلاميين؟! صحيح أن مقولة “لو كان هناك إسلامياً واحداً في الائتلاف فسيكون الائتلاف إسلامياً” تعبر عن المزاج الشعبي المعادي للسلطة، فإن هذا المزاج نفسه سيكون مختلفاً لو حقق الديمقراطيون تغييراً لصالح الغالبية الساحقة من الشعب السوري بعربه وبكرده وبكل أطيافه الدينية والطائفية.

من هنا يجب العمل وبكل جدية وإخلاص وبكل مثابرة وثبات على تشكيل هذا القطب الديمقراطي المتوازن والمتشبث بمواثيق الأمم المتحدة والقادر على اجتراح الحلول لكل مصائب وكوارث التدمير السلطوي- الإسلامي في سورية.

نعم لقيام أوسع جبهة ديمقراطية!

تيار مواطنة

المكتب الإعلامي 18 آذار/ مارس 2019

 

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

تعليق واحد على “مرة أخرى: الخطاب الإسلامي والخطاب الديمقراطي- سورية بين خيارين”

  1. دمر السليمان

    السادة الأعزاء
    أعتقد أن موضوع اتفاق القاهرة يحتاج إلى تدقيق،نظرا لكون ان الائتلاف هو من انقلب على الاتفاق بعد أن تم التوقيع عليه، و يأتي الحرص على التأكيد على هذا الموضوع من زاوية الدقة التاريخية و ليس بهدف الدفاع عن هيئة التنسيق

    و شكرا

التعليقات مغلقة