401 views

بعض الردود على افتتاحية موقع مواطنة “لمن ترفع القبعات”

​​على غير عادة القوى السياسية السورية، ننشر على موقع تيار مواطنة بعض الردود على افتتاحية الموقع “لمن ترفع القبعات” بغض النظر عن كل ما قيل في هذه الردود!
وكنا قد نشرنا منذ يومين دراسة وافية عن مثلث داعش والسلطة والمعارضة، وهي جزء من سلسلة مقالات ودراسات بدأناها منذ مطلع هذا العام, وبالتالي فقد كان قرار تيار مواطنة أن ينشر بعض هذه الردود على أن يقدم رداً تفصيلياً على هذه الآراء في افتتاحيته القادمة.
كتب الأستاذ بسام يوسف:

معركة “الباغوز” في قراءة “تيار مواطنة”.. حين تنفعل السياسة

في 25/3/2019 صدر بيان، أو افتتاحية، كما يصرّ تيار مواطنة على تسميته رغم طوله، ورغم طريقة صياغته التي تنتمي إلى صيغة البيان، وليس إلى صيغة الافتتاحية، صدر “البيان/الافتتاحية” عن مكتب الإعلام في تيار مواطنة، يتناول معركة “الباغوز” التي شنتها قوات “قسد” مدعومة بقوات التحالف الدولي، على الجيب الأخير الذي حوصرت فيه مجموعة من قوات تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”.
منذ جملته الأولى يضعك “البيان/الافتتاحية” أمام توصيف أخلاقي وحضاري لهذه المعركة، توصيف لا يسمح لك كقارئ أن تبحث عن أي وجه آخر، فما حدث، هو: نصر عسكري (أطاح بخلافة وحوش بشرية، لا تزال تعيش في كهوف الماضي الظلامية)، ولكي لا تسترد أنفاسك بعد قليل، فتحاول مجدداً رؤية وجه آخر لهذه المعركة، يسارع إلى قصفك بتوصيف آخر، مستعملاً نفس التكتيك العسكري الذي اتُّبع في معركة “الباغوز”، أقصد: الإبادة الكاملة. فينبهك إلى أنك إن كنت ممن يتوهمون أن “داعش” هي صناعة مخابراتية؛ فيجب قذفك إلى مزبلة التاريخ. لكنه – أقصد البيان/الافتتاحية- يمنحك قليلاً من الرحمة، حين يخبرك أن في حال كان عقلك معاقاً، ولم يتفق مع رؤيته، فلا تفقد أملك بالشفاء:(من الواضح أن الأمر يحتاج إلى كثير من السنين، وإلى هدوء الخواطر كي يعترف الناس أخيراً بهذا النصر على حقيقته، بهذا الحدث التاريخي على أهميته).
ما إن تنتهي من قراءة المقدمة حتى تظن أنك أمام حدث عسكري تاريخي، لا يقل أهمية عن معركة “ستالينغراد” شهيرة الحرب العالمية الثانية
ما إن تنتهي من قراءة المقدمة حتى تظن أنك أمام حدث عسكري تاريخي، لا يقل أهمية عن معركة “ستالينغراد” شهيرة الحرب العالمية الثانية، بل إن هذا الحدث يتفوق عليها كثيراً؛ فمعركة “ستالينغراد” هزم الجيش النازي فيها، بينما في “الباغوز” لم تهزم قوات “داعش” فقط، ولم يمرغ أنفها بالوحل تمريغاً، بل (إن قسد مرّغت أنف كل الأطراف المتحاربة في سوريا في الوحل). نعم، كل الأطراف المتحاربة في سوريا، بما فيها الحليفة لـ “قسد”؟!
ثم لا ينسى كاتب البيان/الافتتاحية، أن يوضح لك:(إن العالم أجمع، ومنطقتنا بشكل عام، سوف تحتفي بهذا الحدث التاريخي؛ حدث السقوط العسكري لخلافة داعش الإسلامية)، أما إن لم تكن- أنت أيها القارئ- من المحتفين؛ فأنت بالتأكيد إما أن تكون: تركياً، أو قطرياً، أو من المعارضة الدائرة في فلكهما. ثم يتذكر أن للأمر احتمالات أخرى، فيضيف احتمالاً آخر، هو: أنك قد تكون من الإسلام السياسي والعسكري، ثم يغلق بوابات الاحتمالات أخيراً؛ ليقرر أنك قد تكون من الأكثرية “العربية السنية”، فيبرر لك حماقتك هذه بأنها قد تعود إلى المرض المنتشر هذه الأيام، وهو: “سردية المظلومية”.
يمكن الكتابة طويلاً عن اللغة المتعسفة والمنفعلة، التي لا تمت إلى لغة السياسة بأي صلة، ولا أدري حقيقة: كيف يستقيم هذا ونحن أمام بيان، أو افتتاحية لجهة سياسة…؟
عندما تنفعل السياسة؛ فإنها تصبح أقرب ما تكون إلى المقامرة؛ فتفقد بذلك أهم خصائص القراءة السياسية، أقصد تلك القراءة التي تحاول الغوص إلى أعمق ما في حدث ما، القراءة التي لا تصنف القارئ مسبقاً، ولا تغلق أمامه بوابات التحليل. أما في هذه القراءة فأنت أمام واحد من خيارين: إما القبول بما تريده هذه القراءة والخضوع له، وإما أن تطلق النار عليك. قراءة يمكن القول عنها أنها “داعشية” بامتياز، رغم أنها تتحدث عن النصر على “داعش”.
قراءة يمكن القول عنها أنها “داعشية” بامتياز، رغم أنها تتحدث عن النصر على “داعش” بعيداً عن اللغة الإنشائية الخطابية التي تعيدك بخطابات بطولاتها المتوهمة إلى أمجاد السراب، التي عشناها في هذه المنطقة، والتي كانت تعبيراً حقيقياً عن إفلاس أصحابها ثم هزيمتهم، فإن النص يحفل بتناقضات صادمة، إذ يخبرنا بعد قليل من إعلان انتصاره التاريخي الساحق: (أن داعش لم تنته بعد، ولا تزال الهزيمة العسكرية التامة رهن المستقبل، وبخاصة لأن أعداداً كثيرة منهم لاتزال تصول وتجول في بوادي سوريا والعراق، وقادرة على الإضرار الكبير بالأوضاع في المنطقة بأشكال مختلفة)!
ثم يضيف: إن النصر على داعش يحتاج أساساً (إلى كفاح فكري عميق من قبل كل الأطراف – وبخاصة من الإسلاميين المتنورين- لتحقيق النصر الحقيقي).
 إذاً باختصار: يعتبر “البيان” أن هذا النصر غير حقيقي، هذا أولاً، ويحتاج إلى فعل تنويري تثقيفي ممنهج ومديد ثانياً. وبناء عليه: هل يحق لنا كقرّاء أن نعتبره نصراً عسكرياً جزئياً، قد تم بقوة المحاصرة، وبالتالي فهو ليس بالغ الأهمية كما يريد لنا “البيان” أن نرى؟ ثم كيف يستقيم هذا مع العبارة غير البريئة، التي تستبطن اتهاماً غير معلن لطيف واسع من البيئة الإسلامية: (لأن داعش هي بنية أصيلة للإيديولوجيا الإسلامية المتطرفة ولا تمثل فئات قليلة أو كثيرة تقوم بدور وظيفي بأي شكل من الأشكال)؟
في مفارقة صادمة أخرى يحيلنا “البيان” إلى قراءة (الخطاب الذي يلقيه مهجرو الغوطة إلى عفرين الذين يحرضون بوضوح سافر على مؤازرة داعش في “الباغوز” على قاعدة الأخوة في الله والإسلام)، هذه الإحالة غير المنطقية وغير البريئة، لا يصح أبداً أن تكون مرتكزاً لقراءة سياسية، إلا إذا كانت السياسة ترتكز بجوهرها على المنهج “القبنضي الطبلي”، فتحلل بناء على ردود الأفعال، وليس على ما هو أساسي.
باختصار: يغلق “البيان” كل مساحات النقاش الملحة والضرورية حول داعش، ووظيفتها، وكيف نشأت، ومن موّلها، وما خدمت؟ ومن خدمت؟ ويعيد- مرة أخرى- إغلاق الباب أمام كل الأسئلة المشروعة والضرورية أيضاً حول سياق معركة “الباغوز”، وتوقيتها، ومعناها السياسي، ولماذا كل هذا القصف المتوحش على جيب صغير محاصر في الصحراء، ومن كل الجهات، وقد كان يمكن إسقاطه سريعاً بالحصار فقط، والأهم من كل هذا، هو: تسويق “قسد” بهذه الصورة البطولية الخارقة لمنع التساؤلات بالغة الأهمية حول “قسد” وتحالفاتها، ودورها، ومن يستثمر بدم أبنائها؟
باختصار: يغلق “البيان” كل مساحات النقاش الملحة والضرورية حول داعش، ووظيفتها، وكيف نشأت، ومن موّلها، وما خدمت؟ ومن خدمت؟ ويعيد- مرة أخرى- إغلاق الباب أمام كل الأسئلة المشروعة والضرورية أيضاً حول سياق معركة “الباغوز”
إن تجاهل هذه الأسئلة كلها لا ينتج قراءة سياسية لجهة سياسية، إنه ينتج إعلاناً عن عصبوية منفعلة، تريد أن تقسر الجميع داخل فهم ما، أو تتهمهم.
في مفارقة صادمة أخرى يفتح “البيان” الباب مشرعاً أمام تساؤل كبير، حول ما يستبطنه من إيراده توصيف “العرب السنة” مرتين: (ينبغي الاعتراف أن جمهوراً غير قليل من الشعب السوري ذا الانتماء العربي السني، يذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، يذهب إلى اعتبار- مضمر على الأقل إن لم نقل معلناً- أن داعش والنصرة هما رأس حربة العرب والإسلام في مواجهة السلطة – الطغمة، والحشد الشيعي وحزب الله وإيران والكرد والروس وربما أطراف أخرى).
هذا التوصيف الذي يستبطن اتهاماً غير معلن لهم، وهذا عدا عن كونه توصيفاً طائشاً، فلا يمكن استعماله في قراءة سياسية- يفتح الباب على قراءة لا تخدم الثورة السورية، ولا مستقبل سوريا، ويضع من يقصدهم بـ “العرب السنة” بوضوح في صف داعش والنصرة، وفي مواجهة مع الأكراد، تماماً وعلى قدم المساواة في المواجهة بينهم وبين السلطة -الطغمة- والحشد الشيعي وحزب الله وإيران والروس.
إن الانتصار لحقوق “الأكراد” بما أنهم سوريون أولاً، لا يتم عبر بيان منفعل، بل يتم أولاً عبر قراءة متأنية لواقع ووقائع وحقائق ما يجري، وعبر فصل حقوقهم عن “قسد” أو أي تشكيل سياسي آخر، وإعادتها إلى حقلها الأساسي الحقيقي الذي هو: حقل المواطنة العادلة والمتساوية لكل السوريين. لكن السؤال الأهم في هذا المقال، هو: كم من المواطنة في هذا الرأي يا “تيار مواطنة”؟
———-
كتب الأستاذ معبد الحسون:
حول زوبعة “تيار مواطنة”
لست معنياً بالرد على أي بيان في الرأي العام، أو الخلاصات السياسية التي يصدرها هذا الطرف السياسي الذي يدعي المعارضة أو ذاك. فاليوم تحفل سوق السياسات التي أناطت بعاتقها الحديث عن الشأن السوري، بكثير من أسماء الأحزاب والتيارات والقوى والتجمعات والمنظمات المختلفة. بعضها مجرد مسميات شبه افتراضية، ومعظمها تجمعات حديثة العهد، ظهرت بعد الثورة السورية، (وبتحديد أدق بعد أن بدأ الخط الوطني والثوري بمرحلة الانكسار، ابتداء من بداية عام 2015)، وبعد أن أصبح بعض هذه المسميات ذات العناوين الكبيرة والكثيرة، جزءاً أصيلاً، يلعب لعبته الخاصة في إدارة الفوضى الشاملة، التي ما تزال عجاجتها الغبراء تخيم كالسحابة في سماء المشهد السوري القاتم.
بعض هذه التجمعات قدم نفسه كـ”تيار” أو “حزب”، وبعضها الآخر عرَّفَ نفسَه بأنه “منظمة مدنية” لا تتدخل في الشأن السياسي إلا بقدر، أو “تجمع”، أو ما شئت من هذه المسميات، ولن أدخل في مشاحة الألفاظ والتعاريف، بقدر ما سوف أتدخل في مناقشة أهم الأفكار التي اعتبرها طيف واسع من السوريين مُستفزِّة ومنحازة، وتثير الريبة ولحظ الانتباه، في هذه المرحلة الحاسمة من هشاشة الوضع الثوري السوري، سياسياً وثقافياً، وإجرائياً مجتمعياً، ومن تراجع الوطنية وتبعثر قواها وانكسارها الذي لم يعد موضع جدال.
يهمني بقدر ما، أن أسجل ملاحظة في البدء، وهي أن مثل هذه الأفكار والتصورات التي حاول هذا البيان (أو الافتتاحية كما عرَّفَ كاتبُهُ به)، هي مطروقة، وباتت موضع سجال ونقاش محتدم، خاصة على صفحات مواقع التواصل. ولن أطيل مقدمتي أكثر، بل سوف أحاول تلخيص أبرز النقاط التي أثارت من السجالات غيظاً، وأنْهَرَت من الأقوال والردود عليها فيضاً.
أول ما يلفت الانتباه في هذا البيان، هو عنوانه الذي تروّسَ المقال: “لمن ترفع القبعات؟”، وهو اقتباس أدبي لطيف وفني، وينطوي على مشاكلة لفظية من عنوان رواية “ارنست همنغواي” الشهيرة: “لمن تُقرع الأجراس؟”، والتي كتبها تمجيداً وتخليداً للأبطال من الثوار الجمهوريين، الذين كانوا يقاتلون قوات النظام الملكي الفاشي في إسبانيا في الحرب الأهلية، تحت قيادة الجنرال فرانكو. والمقايسة التشبيهية في العنوان، تكاد تنطق بأن من يجب أن ترفع له القبعات، انحناءاً وتبجيلاً وتخليداً، هم مقاتلو “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) الذين ظفروا وانتصروا وقضوا على “خلافة داعش الإسلامية، من خلال تحقيق النصر العسكري في الباغوز، الذي أطاح بخلافة هذه الوحوش البشرية، التي لا تزال تعيش في كهوف الماضي الظلامية”، كما ورد في نص البيان. وعلى الرغم “من كل ما قيل فيهم سابقاً وما يقال حقاً أو باطلاً”. حسب تعبير البيان/ الافتتاحية.
البيان منذ البداية، يحاول أن يثبت الواقعة، بأن جمهوراً غفيراً من السوريين، قد أعمى بصائرهم العنادُ والمكابرة، فهم غير راضين أن يسجلوا اعترافاً صريحاً بالحقيقة الواقعية، والتي لم يتحلَّ بها، ربما، سوى تيار مواطنة، من خلال كاتب افتتاحيته التي يسعى البيان إلى توكيدها من خلال طرح أفكارها، ولابد من فترة من الزمن يتاح فيها “هدوء الخواطر كي يعترف الناس أخيراً بهذا النصر على حقيقته، وبهذا الحدث التاريخي على أهميته، على الرغم من أن داعش لم تنته بعد، ولا تزال الهزيمة العسكرية التامة رهن المستقبل، وبخاصة لأن أعداداً كثيرة منهم لاتزال تصول وتجول في بوادي سوريا والعراق”. ثم يضيف: “فإن تيار مواطنة يهنئ نفسه، وكل العالم وكل ذي عقل من شعوب المنطقة، والشعبين السوري والعراقي بخاصة بهذا الإنجاز الساطع، الذي لن تستطيع كل التخرصات أن تكسفه”.
ثم يضيف كاتب البيان: “إن العالم أجمع ومنطقتنا بشكل عام سوف تحتفي بهذا الحدث التاريخي؛ حدث السقوط العسكري لخلافة داعش الإسلامية، باستثناء قطر وتركيا والمعارضة الدائرة في فلكهما، سواءً أكانت سياسية أم عسكرية، وبخاصة الإسلام السياسي والعسكري، مع جمهور غير قليل من الأكثرية العربية السنية، لأسباب باتت معروفة للجميع، وعلى رأسها سردية المظلومية المعاصرة المتخيلة أو الحقيقية”. ولسنا على دراية؛ هل يجد كاتب البيان بأن الأغلبية الثورية التي فجرت الثورة السورية في ربيع عام 2011 بالملايين، عبر آلاف التظاهرات، هل هي من المعارضة الدائرة في فلك قطر وتركيا؟ أم هي من الإسلام السياسي والعسكري؟ ام هي من الجمهور غير القليل من الأكثرية السنية صاحبة سردية المظلومية، كما يصفها الكاتب.؟ فإن كان جواب كاتب البيان بأن تلك الأغلبية الثائرة، السلمية المدنية والديمقراطية، التي قاومت استبداد نظام الأسد، ووقفت في وجهه بصدور عارية، وقدمت على مذبح الثورة والتحرر الوطني مئات الآلاف من الشهداء، هي في عمومها تدور في فلك المعارضة التركية أو القطرية، أم هي، برأيه، أغلبية سنية لها منطقها الخاص في التفكير، ولها شكاية ومظلومية تحتوي على سردية، لم يشرحها لنا كثيراً كاتب البيان، ولا نعلم ماهي هذه المظلومية السنية!
أما إذا كان كاتب البيان يرى عكس ذلك، وهو مستعد للإقرار بأن تلك الكتلة الكبيرة من السوريين (الواقعة خارج المظلة التركية والقطرية)، جميعها لا تشاطره الرأي، لا بما يختص برفع القبعات لقسد، ولا بالاحتفاء بذلك الحدث التاريخي، ولا باعتبار نصر قسد والتحالف على الجيب الأخير لتجمع “داعش” في الباغوز، هو “أم المعارك الخالدة”. إذا كان مستعداً للجواب بأن تلك الأغلبية، ليست مع قسد، ولا هي مصطفة مع “داعش”، فإن عبارته الآنفة تغدو بلا معنى حقاً. وتصبح الطامة الكبرى في أوهامه الشوفينية، ذات الطبعة المؤمركة، وبحسب وظيفته التي يتقاضى أجراً وراتباً عليها، هي إضافته القول: “بما في ذلك النتائج الكارثية المترتبة على هذه السردية في الموقف والممارسة والانحيازات القبلية. ومن لا يصدق ذلك فليستمع إلى الخطاب الذي يلقيه مهجرو الغوطة إلى عفرين الذين يحرضون بوضوح سافر على مؤازرة داعش في الباغوز على قاعدة الأخوة في الله والإسلام”.
هذا شططٌ سفيه، وتحريض رخيص على آلاف الضحايا من مهجري الغوطة، لا يقوم به إلا أعوان النظام الأسدي ومن يدورون في فلكه، وهل يريد برهاناً على ذلك بأن يُقَدَّمَ له عريضة مذيلة بأغلظ العهود والايمان والمواثيق، وموقعة من عشرات آلاف الثوار والديمقراطيين المدنيين والأحرار الوطنيين، بأنهم لم يسمعوا قبل بيانه بتحريض أهالي الغوطة المهجرين إلى عفرين، أنهم قاموا بتحريض “داعش” على الأكراد، أو على بقية المكونات من أبناء شعبنا؟ وأنهم غير مصطفين وراء ستائر عشائرية وانحيازات قبلية تحت وطأة وضغط سردية المظلومية التي يدعيها؟ وأن قاعدة الأخوة في العروبة والإسلام، إذا كانت تعني ولاءً لداعش، أو ارتباطاً، ولو نفسياً ومعنوياً بها، او استنصاراً لها على شعبنا الكردي، (أو على الأقل ضد قسد)، إذا كانت هذه هي قاعدة الأخوة في العروبة والإسلام، فإنهم مستعدون أن يتبولوا على هذه القاعدة التي لم ولا توجد، إلا في عقله وأوهامه ومخيلته. وليست تبرئةً لذممهم ومواقفهم السياسية والوطنية، أمام محكمة قاضيها كاتب بيان “تيار مواطنة”!
ثم يضيف كذبة أكبر من كل ما سبق، قائلاً: “الاعتراف الصادق والصريح بأن المعارضة السورية العربية الرسمية، والفصائل العسكرية الإسلامية، بغالبيتها الساحقة، وعلى اختلاف مسمياتها رفضت والتزمت بهذا الرفض بإصرار فائق للعادة، الدعوة الأمريكية إلى أولوية محاربة داعش في خريف 2014م، وهو الأمر الواضح عملياً وسياسياً وإعلامياً، إلا في حالة الدفاع الخجول عن النفس في بعض الأحيان. ولم يُخرق هذا الالتزام، إلا عبر العمل الذي قامت به تركيا وحلفاؤها من الفصائل العسكرية السورية في شمال وشرق حلب، لغايات تركية صرف، متعلقة بقطع الطريق أمام الكرد نحو الغرب، لا إلى معاداة داعش على الإطلاق”. هل يريد أن ندخل معه في سجال تاريخي، ونقدم له من الوثائق القاطعة، والبراهين المؤكدة، بأن هنالك عشرات الفصائل المسلحة، قد وافقت على شروط الأمريكان لقتال داعش أولاً قبل النظام، وأن غرف الموك والموم الأمريكية، قد رفضت تسليحهم بعد مطل ومخاتلة دامت قرابة السنتين؟ مع أن هذه الموافقة وهذه الشروط، هي بصريح العبارة ضرب من الختل والديماغوجية السياسية، والخلط المقصود الذي التزم به صانع القرار الأمريكي، منذ ظهور السفير الأمريكي فورد في مظاهرات مدينة حماة، مروراً بكل مرحلة الرئيس الأمريكي أوباما، العدائية للثورة السورية، ثم ما أعقب ذلك من مباريات لعبة “الكشتبانات” التي كان يدورها المبعوث الدولي ديمستورا بين النظام والمعارضة، التي قبلت بشروط اللعبة معه؟ ثم انتهاءً بالمواقف الأخيرة لترامب، ولسائر فريق العمل الذي عمل معه؟
ليست هذه أكبر الأحجار، وأنفذ السهام وأشدها، التي يرجم بها كاتب البيان، بل لعل المدهش حقاً، أن يصل الأمر به إلى ما هو أفظع من ذلك. حيث يؤكد قائلاً -بعنصرية شوفينية، وفوقية وحقد أعمى-: “ليس هذا فحسب، بل ينبغي الاعتراف أن جمهوراً غير قليل من الشعب السوري، ذا الانتماء العربي السني، يذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، يذهب إلى اعتبار -مضمر على الأقل، إن لم نقل معلن- إن داعش والنصرة هما رأس حربة العرب والإسلام في مواجهة السلطة – الطغمة، والحشد الشيعي وحزب الله وإيران والكرد والروس وربما أطراف أخرى”. هذه العبارة يمكن تلخيصها وشرح مراميها بطريقة تعبير أخرى: (إن الأغلبية العظمى من العرب السنة، الذين يشكلون ما نسبته 80% من الشعب السوري، يعتبرون داعش والنصرة هما رأس حربة العرب والإسلام في مواجهة السلطة – الطغمة).
حتى أبواق نظام الأسد، المشتهرين على الإعلام والميديا، لم يصلوا إلى ما وصل اليه كاتب هذا البيان، من استنتاجٍ يمخض النوايا ويستحلب ما يتمناه هو، من معتصرِ الأحكام السياسية الجزافية، ويغامر بموقف غير مسؤول، أمام ضميره ووطنه وأبناء شعبه. مستأنفاً القول: “الله نفسه لا يستطيع أن يفسر لماذا يرفض هذا الجمهور وهذه المعارضة مواجهة وقتال ذيول السلطة – الطغمة وحلفائها، وليت الأمر يقف عند هذا الحد من المفارقة، ولا يوغل في اللامعقول، حتى يصل هذا الجمهور وهذه المعارضة، إلى تأكيد أن السلطة ـ الطغمة، وحلفاءها يريدون، وأرادوا دائماً إضعاف الثورة والمعارضة عبر الاقتتال الداخلي مع داعش والنصرة، وفي هذه الحال ماذا نفعل بالترهات عن صناعة السلطة والدول المذكورة لهذه الأطراف المتوحشة”.
ولكي يصير “اللامعقول” عند كاتب البيان معقولاً، فإن الجواب على هذا التساؤل الذي يطرحه كاتب البيان بسيط: لأن جميع من ذكر من “العرب السنة، ومعارضة تركيا وقطر، والمتلفعين بعباءات عشائرهم، ومهجري الغوطة، ومن قتلوا تحت قصف براميل النظام، ومن ضحوا وقاتلوا واستشهدوا وهجروا واعتقلوا وعذبوا.. جميع هؤلاء؛ هم ببساطة مع النظام وعملاء له، ولا يهون على خاطرهم أن يقاتلوه على وجه الحقيقة، وأنهم يرون بأن داعش والنصرة من صنائعه، وبالتالي فإنهم يعطفون على داعش والنصرة، عطفهم على نظام الأسد نفسه.. هكذا يستحيل اللامعقول معقولاً.. بينما لا يقف حقيقة في وجه هذا النظام الديكتاتوري المتوحش، سوى قسد.. فهي وحدها “حديدان” وهي وحدها في الميدان!
دليل ذلك توكيد كاتب البيان بالفقرة التالية الملحقة: “ضرورة الاعتراف بأن شُجاعات وشُجعان قسد، وبعض أحرار العالم، قد مرغوا في الوحل -على العكس مما تقول المعارضة- أنف السلطة الطغمة، التي دأبت على تدمير المدن السورية وهدمها على ساكنيها المدنيين، وعلى المقاتلين أيضاً، بكل صنوف الأسلحة وعلى رأسها البراميل، دون أي ذرة من العقلانية والأخلاق والحياء”. وقد نسي كاتب البيان، أو تناسى، متى وأين حصل تمريغ أنف السلطة الطغمة في الوحل، من قبل شجاعات وشجعان قسد؟ لعله لو ذكر لنا مكاناً أو زماناً، حدث فيه هذا التمريغ، أن ينعش ذاكرتنا قليلاً.
أخيراً، لن يفوتني أن أنوّه، كما أسلفت في مقدمتي، بأنني لست في وارد الرد والمساجلة مع تيار افتراضي على الانترنيت، لا وجود له إلا بحجم قد لا يتعدى أصابع اليد الواحدة، لكنني إذ أقدم على التتبع النظري والفكري السياسي، لمثل هذا الحشو المحتقن بالكراهية والعنصرية والثورة المضادة السافرة، وقرع الطبول في إعلان صريح بالحرب الأهلية و”الأقوامية” الإثنية بين السوريين، إنما أتوجه بخطابي وردّي، على من يعنيهم الخطاب، ومن هم في مستويات من التفكير والمقاربة لا تبعد كثيراً عن هذا اللغو الذي تقدم بين يدي كاتب افتتاحية “تيار مواطنة”، فلقد بات مؤيدو هذا الخطاب الأقلوي العنصري، يتكاثرون في الوقت الضائع.. وكما يتكاثر الهشيم والحطب بعد أن تتكاثر أسراب الجراد.
—-
كتب الأستاذ نواف الركاض:

يسعد مساك أبو نوار :
أول شي ، أنت مُسامَح على اتهامك لنا بالتسجيل على الاتهامات التالية ( العقلية التخوينية ، معاداة الكرد عبر القول ( الكرد شركاؤكم في الوطن شئتم أم أبيتم ) ، و اتهمتنا بالقراءة بعين واحدة ، الشوفينيون العرب ، عدم العمل بالسياسة فعلا و عدم القراءة فعلا ) انتهت الاتهامات .

و الآن استجابةً للتحدي الذي طرحته علينا ، و الذي جاء لاحقا للافتتاحية المتحدية ، بسم الله نبدأ :

1- في المقدمة ، قلتم أن شجعان قسد سيدخلون بحق تاريخ سوريا من بابه الواسع رغم كل ما قيل فيهم . ( لا أدري ما هو المعيار الذي استندتم إليه في إدخال الناس في تاريخ سوريا ؟ و هل هناك معيار اتفق عليه السوريون لدخول التاريخ ؟ لماذا لا نقول أن النظام وفق سردية مواليه بمحاربة ” الإرهاب ” أو الجيش الحر وفق أنصاره بمحاربة ” الاستبداد ” سيدخلون تاريخ سوريا من بابه الواسع ؟ علماً أن قسد استعانت بقوى أجنبية و حاربت لأجل مشروعها الخاص و ليس فداءً للوطن ولم يكن عملها خيريا .

2- جملة ( و انطلاقا من الضربة العسكرية المدمرة في الباغوز يهنئ تيار مواطنة نفسه و العالم …) .
حين تقول الافتتاحية بأنها ليست متأكدة من وقوع قتلى من المدنيين من النساء و الأطفال في الباغوز، تصبح الجملة التي بين قوسين على قدر كبير من التشفي و الاستهتار و عدم احترام لحرمة دمائهم ، دون انتظار نتائج التحقيق المنشود .

3- جملة ( جمهور غير قليل من الأكثرية العربية السنية لن يحتفوا بسقوط داعش ) تحمل تعبير طائفي صارخ ، و اتهام مبطن بالانفتاح السني الفطري على الإرهاب .
فمن يقول مثلا : ( جمهور غير قليل من الشيعة يوالون الأسد ) فهذا اتهام طائفي صريح لأن القارئ يعلم بأنهما من ذات المذهب .

4- اتهام مهجّري الغوطة بالتحريض على وجوب مؤازرة داعش ( اتهام تعميمي خاطئ ينطوي على حكم أيديولوجي طائفي مسبق لا يرغب بالإنصاف ) .

5- القول عن داعش ( كل الهراء عن كونها صناعة مخابرات يجب قذفه في مزبلة التاريخ ) هو قول راديكالي غير عادل ، لأن داعش هي خليط بين استثمار الاستخبارات و العملاء و المصابين بلوثة الأصولية ، بالرغم من أن الجمل اللاحقة ذكرت دور المخابرات تمحكّا بالحقيقة لا إنصافا لها.

6- اعتبار ( سردية مظلومية السنة ) أنها العامل الأساس في خلق الإرهاب حكم ظالم ، و دليلي على اعتباركم لها بأنها العامل الأساس هو وضعكم لها في المقام الأول بين أسباب الإرهاب.

7- ( جمهور غير قليل من العرب السنة يعتبرون داعش و النصرة رأس حربة العرب و المسلمين في مواجهة السلطة ) .
أولا ، المؤمنون بفكر النصرة و داعش – و نحن ضد فكرهم بالمطلق – هم أقليّة السنّة و دليلنا أن غالبية الثوار “السنة ” كانوا يرفعون مع كل إخوانهم السوريين شعارات ( الشعب السوري واحد ) و هم في غالبية الحواضر و المدن و البلدات و القرى السورية . ( بإمكانك دراسة حجم معارضة أهل إدلب للنصرة و أهل الرقة لداعش) .
ثانيا ،لماذا كل الحديث منصبّ على طعن و اتهام العرب السنة ؟
ثالثا ، لماذا انحدر الخطاب السياسي المعارض إلى هذا الدرك الطائفي التحريضي التعييري المبتذل ؟

8- ممارسة الكفر اللفظي و في هذا جرح لمشاعر القرّاء ، و هذا لا يليق ببيان سياسي صادر عن تيار سياسي.

9- التفنن في مغازلة قسد و ذكائها و إنسانيتها و تفوقها الأخلاقي ، لا أستطيع أن أصفه إلا بالنفاق الصريح ( ما عليش لا تزعلوا مني ) ، لأنكم خير من يعلم بأن لقسد مشروع خاص بقسد تم تنفيذه بقوة السلاح كأي ميليشيا غاشمة و من غير رضا السوريين ولا أهل المنطقة من عرب و كرد و سريان و بالاستعانة بالنظام ثم بأمريكا ، و تعلمون أنها ميليشيا مستبدة و ارتكبت الجرائم و حاربت الثورة ، و تتحدث الآن مع السوريين بمنطق إما أن تقبلونا برؤيتنا و حدود إدارتنا و جيشنا و إلا فلن يكون هناك حل أبدا ( هل ترغب بقرائن ؟ ).

مالي أراكم تتحدثون عن العرب السنة باستعلاء و ازدراء ثم تمسحون الجوخ لقسد ؟

10- انتقاد البيان لانتقاد الناس لما حصل مؤخرا في الباغوز و الغمز من قناة الناقدين بالقول ( كلام حق أريد به باطل و اتهامهم بالموالاة الباطنية لداعش ) هو حكم قيمة سلبي ينطوي على تذاكي مليء بسوء الظن ، و تقسيم للبشر إلى فسطاطين إما مع قسد أو مع داعش و لا خيار ثالث.

نرجوا منكم سعة الصدر في تقبّل النقد الذي طلبتموه.

——-

كتب الأستاذ عمر قدور:
قرأت للتو بيان “تيار مواطنة” الخاص بالانتصار على داعش. بصرف النظر عن كل ما ورد فيه، وليكن صحيحاً 100%، اللغة التي كُتب بها البيان أشعرتني طوال الوقت كأن أحداً يضع البوط فوق رأسي قائلاً: مين ربك ولاه؟
—-
طبعاً, ما قدمناه هنا كان جزء من عدد أكبر من الردود التي تراوحت لغتها بين النقد والتهجم والتكفير, رغم ذلك نؤكد أن النقد بغرض الحوار- مهما كان هذا النقد حاداً- يبقى الوسيلة الأهم لفهم وتفهم الآخر المختلف.

تيار مواطنة
المكتب الإعلامي 4 نيسان 2019

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة