216 views

ماذا يعني أن يقتل البغدادي في إدلب؟

img

صحت سوريا والعالم صباح الاحد ٢٧/١١/٢٠١٩ على تغريدة الرئيس الامريكي دونالد ترامب “تم قتل البغدادي في عملية إنزال امريكية“. هكذا إذاً بعد مضي سنوات مأساوية من سيطرة تنظيم الدولة البائد على السوريين، حيث استغل الثورة السورية ليوسع دولته ”الإسلامية“ على أراض سورية واسعة، وكان قد أثخن الجراح وأمعن في قتل شعبنا المنتفض كما السلطة الأسدية, نقول بعد كل هذه السنين استطاعت أمريكا قتل الرأس الأعلى للتنظيم، وهنا في ”بريشا“ بمحافظة ادلب السورية وعلى مشارف الحدود التركية.
شكرَ ترامب الدول التي ساعدت في نجاح العملية ومنها روسيا وتركيا والعراق، وبوقاحة ترامب وعنجهيته المرضيّة المعهودة أعلن مصرع البغدادي، في حين سارعت روسيا لإعلان أنها قد أُعلمت بالعملية دون تفاصل، ولم تكن تعرف من المستهدف؟ في حين لم تنف تركيا أو تؤكد تعاونها، مكتفية بالترحيب بمقتل البغدادي. العراق بدورها أكدت تعاونها وكان لمعلوماتها الاستخبارية الدور البالغ، فيما سارعت قوات سوريا الديمقراطية لتأكيد دورها وتعاونها.
ما الذي نرغب في قراءته اليوم، هو الدور التركي في هذه العملية، حيث رجح المحللون انطلاق الطائرات العمودية الأمريكية المهاجمة من مطارات بمناطق قريبة، فقد صرح المرصد السوري أنها انطلقت من مطار ”صرين” في الشمال الشرقي السوري… اذا أين الدور التركي؟ فالبغدادي الذي قتل في محافظة ادلب -كما يعلم الجميع- كان يمثل هدفاً كبيراً لكل من يدّعي محاربة الارهاب -ومنهم تركيا- وكان هذا الهدف الثمين يتنقل في مناطق نفوذ تركيا شمال سورية (حتى قتل في بريشا التي تبعد ٤ كم عن الحدود التركية) وهنا يحرق لساننا السؤال: لماذا مرّ تنقل البغدادي وفريق حمايته وذخائرهم وسلاحهم وعائلته الكبيرة تحت عيون وأنوف ونفوذ الاستخبارات التركية وفي منطقة سيطرة هيئة تحرير الشام (النصرة سابقاً) وهي الخصم العقائدي للبغدادي والمنافس الأول في تنظيم القاعدة بسورية.
الآن وفي ظل الاتفاقات الأخيرة التي سمحت لتركيا بدخول سوريا بطول ١٢٠ كم وعمق ٣٢ كم، بين رأس العين وتل ابيض، وسمحت لقوات النظام السوري والروس أيضاً بالوصول الى الحدود السورية التركية وتشكيل دوريات حراسة، الا يحق لنا أن نتسائل ما الذي جناه السوريين الآن كما سابقاً من وجود تنظيم القاعدة بنسختيه الداعشي والنصراوي وأشباههم؟ وما الفائدة التي قطفتها ثورة الكرامة والحرية من التوغل التركي بعملياتها شمال البلاد؟ حيث مازال التطرف والارهاب يسيطر على الأرض ويمعن بقمع السوريين عموماً والنشطاء خصوصاً، بينما فلول داعش منفلتة تتسلل عبر تلك المناطق وبمسارات طويلة دون تعقب يذكر، لتترك هاربة من القصاص بعد كل الويلات والانتهاكات التي ارتكبتها، وتتوالى الفضائح عن التسهيلات التركية وصفقات بيع نفط داعش التي تورط بها قادة أتراك.
وفي المقلب الآخر عاد الجيش الأميركي مجدداً الى الشمال الشرقي السوري، وهو الذي أُعلن مغادرته سابقاً عبر الرئيس الأمريكي ترامب، حيث استكملت قواته هدفها في القضاء على داعش وانه لن يبقى اكثر في مستنقع الرمل والدم والموت هذا، وأضاف إن الخلاف الكردي التركي قديم ولا شأن لأمريكا به. فلماذا عاد تكريس التواجد الأمريكي مجدداً؟… ولايمكننا هنا استسهال الإجابة بالقول طمعاً بحقول النفط السورية (فهي قائمة لم تغب وتعود) لتتسبب بخروج الأمريكي وعودته مجدداً, وعليه لايمكننا تجاهل المعطيات الاستخباراتية عن زيادة خطر التوسع الإيراني الذي بدأ بالتسلل شمال الفرات، وستبقى المهمة الراهنة للتواجد الأمريكي بضبط الحدود السورية العراقية من خطر المليشيات الشيعية الإيرانية، وخطر عودة داعش في الباديتين السورية والعراقية، وهذا ما يبقي المهمة راهنة ويضاف الى ذلك ضرورة طمأنة الحليف الميداني ”قوات سورية الديمقراطية“ التي كانت قد طُعِنت طعنة قاسية في المنطقة الآمنة شمالاً، وقد يحدّ ذلك أيضاً من طموحات النظام باستعادة مناطق شمال شرق الفرات أيضاً.
لطالما شدد تيار مواطنة على ضرورة تلازم القضاء على الإرهاب والتطرف في المنطقة بوجهيه الشيعي والسني مع القضاء على السلطة الأمنية الاسدية من خلال انتقال سياسي جدي, وعليه نعتقد بأن مصرع البغدادي يصبّ في مصلحة الشعب السوري قطعاً مع التأكيد أن محاربة الإرهاب لا يمكن أن تكون عسكرية فحسب، فتنظيم الدولة قادر على التجدد واختيار بديل للبغدادي ولن يتأخر، ونهاية بن لادن لم تنه ظاهرة القاعدة، ومقتل البغدادي أضعف تنظيم الدولة ولكنه لن ينهيه. فما زالت مقومات وأسباب وجود ونشأة التطرف والإرهاب قائمة، وقابلية التطرف ماتزال متوفرة أيضاً، لاسيما مع استمرار الغلو الأيديولوجي بالمنطقة وغياب أفق حل عادل لقضايا الشعوب.
إن تيار مواطنة الذي لم يرَ يوماً في عملية “نبع السلام“ التركية أي مصلحة للشعب السوري، حيث وجد بها خطوة بائسة تزيد من تهتك نسيج المجتمع السوري، وتسمح للنظام السوري بانتعاش ما والعودة للتسلل الى منطقة كانت قد تحررت لفترة جيدة من استبداده وسلطته، وهو ما يزيد من فرص النظام لفرض شروطه في العملية السياسية القادمة بعكس إرادة غالبية السوريين.
وستبقى مصلحة الشعب السوري بانتقال سياسي جدي وفق مقررات جنيف الدولية أولاً مع ضرورة الاستمرار بمحاربة الإرهاب -أياً كان مصدره- على كامل التراب السوري، وتتأكد اليوم هذه المصلحة السورية بأولوية الخلاص من النصرة وأشباهها من جهة والمليشيات الطائفية الإيرانية والأسدية من الجهة الثانية قبل أية مواجهة ثانوية وتحت أي ذريعة أو حجة، وتتأكد إرادة شعوب المنطقة من بغداد حتى بيروت بمواجهة مشروع الولي الفقيه، وتتضافر معها العقوبات الغربية والحصار على إيران والأسد وحتى تركيا لافشال مشاريعهم بقمع الشعوب.
بعد كل ما جرى، يمكننا التأكيد على ضرورة الحد من سلبيات التوغل التركي وانعكاساته على الساحة الوطنية السورية وحصرها بأضيق الحدود، بما يحفظ سلامة أهلنا في الشمال السوري ويعيد لأبناء المنطقة حق ادارة شؤونهم بأنفسهم، وبالتالي الحد من فرص وأوراق السلطة الغاشمة بالسيطرة مجدداً، مستثمرين تضامن انتفاضات العراق ولبنان النوعية لصالح شعبنا وشعوب المنطقة.

تيار مواطنة – مكتب الاعلام

٣٠-١٠-٢٠١٩

Facebook Twitter Email

الكاتب mouwaten

mouwaten

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة