122 views

أستانة وسوتشي.. صدى الصراع الإقليمي والدولي

عشرات الآلاف ينزحون من ريف إدلب وريف حلب الغربي إلى المجهول؛ لا يعرفون وجهتهم، لكنهم يفضلون الموت قصفاً أو برداً أو جوعاً على الوقوع أسرى ميليشيات السلطة وحلفائها. فهل هناك أبلغ من هذه الدلالة على عمق العداء بين السلطة الطغمة وجزء من الشعب السوري الذي يفضل الموت على الوقوع تحت سيطرتها!

فمنذ تشرين الثاني 2016 بدأت محاولات التقارب الروسي التركي في أستانة ومنذ اليوم الأول أشرك الأتراك ممثلين عن الفصائل الإسلامية والأخوان المسلمين في تلك المباحثات التي توجت باتفاقات التسليم في درعا والغوطة وريف حمص وحلب الشرقية والتي أعطت السلطة الطغمة فرصة توسيع رقعة سيطرتها الجغرافية وتزويد ميليشياتها المقاتلة بعدد كبير من عناصر المصالحات وبالمحصلة تحقيق انتصار معنوي كبير على المعارضة بكل أطيافها الإسلامية والديمقراطية.. ولم تقف التفاهمات الروسية والتركية والإيرانية عند هذا الحد بل انتقلت إلى خطوة قد تكون الأخطر على الحل السياسي في سوريا؛ ونقصد هنا مسار سوتشي والذي يمثل تصفية جهود المجتمع الدولي عبر مسار جنيف واستبدال الانتقال السياسي المأمول عبر جنيف بمسار تشاركي بين الإسلاميين والسلطة الطغمة بمساع روسية وتركية وإيرانية وقحة.
ثم لنكتشف أن هذا المسار يقر بسيطرة السلطة على طريقي إم 4 وإم 5 بإشراف روسي- تركي وبتسليم حرم الطريقين بعمق 5 كم من الجانبين للقوات الروسية- التركية وبخروج فصائل المعارضة من هذه المنطقة ومن كامل ريف حلب الغربي، وبالتالي لتنحصر مناطق سيطرة المعارضة إلى شريط لا يتجاوز العشرة كيلومترات على الحدود التركية السورية بين سلقين وعفرين، وليبقى مصير إدلب المدينة مجهولاً مع إصرار السلطة على استعادتها في اللحظة المناسبة.
ولن يكون للكلام معنى إذا لم نكمل المشهد المتعلق بالتدخل التركي المتصادم جبهياً مع الهوية الوطنية السورية ونقصد به هنا جميع الاجتياحات التركية لمناطق سيطرة الكرد في عفرين والشمال السوري باستخدام ما يسمى “الجيش الوطني” في مواجهة أبناء جلدتهم من السوريين الكرد، وبالنتيجة تعميق الانشقاق الوطني السوري على أساس قومي ليضاف إلى الانقسام العمودي على أساس طائفي وليجعل من الهوية الوطنية مجرد شعار يتغنى به بعض الحالمون لا أكثر.
وإذا كانت التفاهمات الروسية- التركية مفهومة بمنطق المصالح القومية والأمن القومي وغيرها من مصطلحات السياسة الخارجية، فإن هذه المصطلحات تقف عاجزة عن التعبير عن الالتصاق التركي بروسيا في مواجهة حلف الناتو والذي شكل خندق الدفاع لتركيا خلال مائة عام من المواجهة الباردة مع حلف وارسو- أوربا الشرقية والاتحاد السوفييتي- لكن هذا العجز عن التعبير يسقط بمجرد تفهمنا لتوجه حكومة العدالة والتنمية الإسلامي وسيطرة الآيديولوجيا القومية على عقلها في اعتبار الكرد العدو الأخطر من الجميع بما فيهم السلطة السورية نفسها. كما يسهل فهم ابتعاد تركيا عن السياسة الأمريكية في كل مراحل الحالة السورية إذا فهمنا الفيتو الأمريكي على دولة إسلامية في سوريا وعلى القضاء على PYD ، مع الإقرار بحق تركيا بحدود آمنة مع سوريا. وقد تكون المعركة الآن والتي تُظهر، بلا أدنى درجة من الشك، الرغبة الروسية في سيطرة السلطة على كل شبر من سوريا وبمآزرة عسكرية- سياسية تامة من قبل الروس ولو وصلت للتصادم العسكري- المحدود بالتأكيد- مع الأتراك، كما تُظهر درجة تخاذل الأتراك من الدعم الروسي لتقدم السلطة على حساب الفصائل وعلى حساب تفاهمات أستانة وسوتشي، بما تعني من أزمة إنسانية لمئات آلاف السوريين النازحين وللثقة المتزعزعة بتركيا وبالفصائل الموالية لها، وبالدور المنوط بها في سوريا المستقبل. ولن يكون من النافل التطرق لتصريحات أبو محمد الجولاني الأخيرة في مقابلته مع مجموعة الأزمات الدولية والتي يقر فيها بأخطاء القضاء على الفصائل الأخرى والتملص من العلاقة بالقاعدة واستعداد هيئة تحرير الشام- جبهة النصرة- للعمل التشاركي وقبول الآخر ورفض التطرف وغيرها من القضايا مجتمعة والتي تجعل بقاء جبهة النصرة مستحيلاً، وتجعل من تركيا دائماً في عنق الزجاجة بين رغبتها ببقاء النصرة كقوة مقاتلة قوية على الأرض في مواجهة جيش السلطة وحلفائها وبين رفض المجتمع الدولي لها بالمطلق.
من كل ذلك، يبدو أن المحاججة التركية أضعف من أن تصمد أمام حقيقتي التفاهمات التي تعطي الروس والسلطة الحق في السيطرة على معظم المناطق التي دخلها جيش السلطة، بالرغم من تجاوز السلطة والروس لتلك الحدود في غرب حلب وفي تضخيم حرم الطريقين، بالإضافة إلى إيجاد حل لوجود جبهة النصرة والتي عجزت تركيا عن إيجاد حلّ مقنع لها حتى الآن. فهل ستجد تركيا نفسها مرة أخرى في حضن الناتو والسياسة الأمريكية بشكل أساسي؟
قد يكون الصيف القادم حاراً على جميع الأطراف الداعمة للسلطة الطغمة، وقد يكون نهاية مسار سوتشي وأستانة بسبب تعنت الروس والسلطة السورية وقد يكون تطبيق قانون قيصر على جميع الأطراف التي تدعم السلطة قوة ردع لجميع داعميه، وقد يكون القرار 2254 في موضع الفرض من قبل الأوربيين والأمريكيين بما يعني البدء بمسار سياسي مفروض على السلطة وحلفائها وعلى الأتراك بنفس الوقت.
وحتى تحين تلك الظروف سيبقى مئات ألوف السوريين في مواجهة حقيقة الموت والجوع والتشرد وفقدان أدنى درجة من شروط الوجود الإنساني أمام تغول السلطة والإيرانيين والروس وأمام المصالح الأنانية والضيقة لتركيا وأمام تراخي المجتمع الدولي عن فرض حلول وتهرب من الاستحقاقات الإنسانية واستحقاقات احترام حقوق الإنسان وتهديد السلم العالمي وغيرها من المصائب والكوارث الاجاماعية والإنسانية وما تحمله من مستقبل مرعب لمئات آلاف السوريين ودفعهم إلى الحدود القصوى من الكراهية والعنف والحقد، ومن الشماتة المقابلة من جمهور السلطة الذي أظهر قدرة متناهية الانحطاط في درجتها وهمجيتها. تلك القباحة التي أفرزتها تحالف السلطة- الطغمة والأنانية التركية والجهادية الإسلامية وقد يكون من المفيد أيضاً ذكر تخاذل التيار الديمقراطي السوري العريض في مواجهة أعداء الثورة السورية ومن جميع الأطراف. وقد يكون من المفيد الآن المطالبة الملحة من الأمم المتحدة والأوربيين المساعدة الممكنة في تأمين معابر حدودية لعمل منظمات الإغاثة الإنسانية وإنشاء منطقة آمنة لا تصل إليها طائرات الروس والسلطة بتوافق أمريكي- تركي وأن تبادر قوى المجتمع المحلي المدنية بإدارة المخيمات وتجمعات النازحين وأن تقوم بإخراج الفصائل من بينها وان تمنع تدخلها في إدارة المناطق المدنية بالكامل بما فيها مدينة إدلب والبلدات الأخرى.
تيار مواطنة
المكتب الإعلامي
25 شباط/ فبراير 2020

Facebook Twitter Email

الكاتب mouwaten

mouwaten

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة