116 views

مراجعة نقدية أولية -الجزء الثاني

6- حكاية ما حدث:

يجب عدم التعويل على مصداقية السلطة- الطغمة لافي قليل ولافي كثير، ولذلك فإن اعتبارها ما بدأ في سوريا في آذار 2011م إن هو إلا تعبير عن حركات إسلامية إرهابية أو تكفيرية نشأت في سياق مؤامرة خارجية تحركها الإمبريالية والصهيونية وإسرائيل وبلدان الخليج وتركيا. إلخ، لا يمت إلى الحقيقة بصلة مقنعة، وحتى لو كان الأمر كذلك فإن السلطة- الطغمة وإيران وحزب الله والمليشيات الشيعية تكذب لأن الجماعات الإسلامية الجهادية والمتطرفة والإرهابية والإسلام السياسي والشعبي معادٍ لإسرائيل والإمبريالية  بل وللغرب كله عداءً مستحكماً لا فكاك له، وبهذا المعنى فإن الأمر لو كان كما تصفه الدعاية المذكورة فإن الفصائل المقصودة مثلها في ذلك مثل حزب الله في لبنان و المليشيات الشيعية في العراق واليمن وأماكن أخرى يتجسد موقفها في العداء لأمريكا وإسرائيل والصهيونية وإلى حد كبير جدا لكل بلدان الخليج  وعلى رأسها السعودية ما عدا قطر بالطبع الداعمة الأساسية لأمثال هذه الفصائل من أفغانستان وحتى نهاية العالم غرباً.

وإذا كان من الصحيح أن الأمور قد ذهبت في نهاية المطاف إلى التطرف وحتى إلى الإرهاب والتكفير فإن الصدق يفرض على الجميع أن يقول: إن المشكلة هنا، وليست في الموقف من “إسرائيل” وغيرها، لأن الجهاديين كما أسلفنا أكثر عداءً “لإسرائيل” وحلفائها حتى من حزب الله وحلفائه.

ومادام الحال كذلك فإن اللغو الذي سمعناه من السلطة وحلفائها لا يعدو أن يكون عكس الواقع ولذلك نلاحظ اليوم أن التركيز على الإرهاب هو الأكثر استخداماً في الديماغوجيا المذكورة وفي هذا بعض الحق إن لم نقل أكثر من ذلك.

أما فيما يتعلق بالعسكرة والأسلمة والطائفية فإنها هي الأخرى ما آلت إليه الأمور وليس ما كانت عليه في البدء وليس أدل على ذلك من اعتراف رأس السلطة لاحقاً أن المرحلة السلمية استمرت خمسة أشهر، الأمر الذي يعني أنها بقيت كذلك حتى شهر آب.

وبالتباين مع ديماغوجيا السلطة وحلفائها فإن تيار مواطنة يرى أن ما حدث في سوريا هو انفجار عاصف على قاعدة الاحتقان العارم ضد الفساد والاستبداد والطائفية التي تفاقمت كما ذكرنا منذ آذار 1963م وإن البداية كانت إلى حد كبير امتداداً عفوياً لكسر هيبة السلطات كما حدث في تونس حتى فيما يتعلق بالشعارين الأساسيين: 1- الشعب يريد إسقاط النظام، 2- ويلله ارحل يا بشار، وقد تمت الإشارة مئات المرات إلى أن الشعار الأول كتبه بعض طلاب المدارس في درعا على جدرانها في آذار الانفجار.

والآن هل كانت هذه الانتفاضة السلمية قادرة على الاستمرار في بعدها السلمي والوطني؟ والجواب على ذلك من وجهة نظر التيار بالسلب، لا لأن السلطة– الطغمة قمعت كل تحرك بوحشية وبوسائل ميلشياوية من الناحية الرئيسة فحسب- على الرغم من صحة ذلك- بل لأن انتفاضة شبه عفوية لا رأس لها ولا عمود فقري وطني صلب تقوم عليه ولا وحدة سياسية مركزية تشمل كامل أرض الوطن، ولا استراتيجية حازمة تلتزم فيها، ولا… إلخ من العسير أن تبقى كذلك، وليس أدل على ذلك من نشوء ظاهرة لجان التنسيق المحلية، ويجب هنا التركيز جيداً على كلمة “محلية” لأنها تكشف جوهر هذا الانفجار أو هذه الانتفاضة وافتقارها إلى كل ما سبق وآثار ذلك الكارثية.

إن تيار مواطنة يعتقد اليوم- وليس في آذار 2011م- أن مثل هكذا انتفاضة سوف تنزلق على الأرجح– وهو ما حصل- نحو العسكرة والأسلمة ونحو الطائفية، وهذا ما كان يحصل في سورية منذ بدأ الصراع في أحداث حماة 1964م وصولاً إلى العشرية السوداء 1976م-1986م   وهذا الانزلاق يعود في الحقيقة إلى التعقيدات التي ذكرناها في سورية وعلى رأسها الانقسام العمودي الطائفي المتفاقم، كما يعود في جزء منه إلى استعداد الإسلام السياسي- مثله في ذلك مثل اليسار الجذري- للعنف وحمل البندقية عن طيب خاطر، لا بل إن من لا يفعل كذلك كان يتهم من قبل الطرفين المذكورين بالميوعة والانتهازية و.. إلخ.

إذن تضافر قمع السلطة– الطغمة الوحشي مع هذا الاستعداد الذي كانت تجلياته في غير مكان في المنطقة من العراق إلى ليبيا للتحول إلى العسكرة، وعندئذ فإن ما حصل هو شيء طبيعي تقريباً حيث غادرت الميدان المجموعات المدنية السلمية بألوانها كافة، وهو ما سنأتي عليه لاحقاً في فقرة الخطاب السياسي والإعلام، نقول غادرت الميدان الذي أصبح حكراً على الإسلام السياسي والعسكري.

وفي هذه الحال كان من الضروري توقع ما حصل من التحول نحو الخطاب الطائفي البغيض على طرفي الخندق علنياً من طرف، وشبه علني أو مضمر من الطرف الآخر، على الرغم من أن الممارسة كانت طائفية حتى النخاع.

يمكن تكثيف ما سبق والعام الأول من الانتفاضة بما يلي: استمرت الانتفاضة بضعة شهور سلمية من الناحية الرئيسية على الرغم من ظهور السلاح بشكل أو بآخر وكانت المظاهرات العارمة في العديد من المدن السورية تقارب مئات الآلاف وبخاصة في مدينة حماة وإلى حد كبير في الرقة ودير الزور ودرعا وحمص والسلمية و.. إلخ، ثم سادت مرحلة جمعت بين الأسلوبين السلمي والعنفي في بعض مناطق سورية وإن تكن قليلة وعلى سبيل المثال مجزرة مركز الأمن في جسر الشغور التي قام بها المسلحون في 6 حزيران 2011م، وأخرى في المعرة في 10 حزيران  من العام نفسه، كما ظهرت المجموعات المسلحة في الجزء الجنوبي من جبل الزاوية منذ بدايات شهر أيار من العام نفسه إن لم نقل قبل ذلك.

وأدت المجازر التي ارتكبتها السلطة- الطغمة في منتصف عام 2011م في درعا والغوطة وحماة وأماكن أخرى إلى تراجع الحركة الشعبية السمية لصالح الأسلوب العسكري مع استمرار الأولى- السلمية- وإن يكن بشكل خجول، وفي هذا السياق أُعلن عن تشكيل الجيش الحر رسميا في 29 تموز 2011م بغاية حماية المتظاهرين في البداية وصولاً إلى نهايات العام المذكور حيث انتهى تعايش الأسلوبين – السلمي والعنفي- وانفردت العسكرة بالصراع في غالبية المناطق السورية وبالتحديد في المناطق ذات الغالبية السنية- نترك الآن مسألة الصراع في الجزيرة لاحقاً بين الكرد وداعش- ومن الجدير بالذكر- وهذا بغاية الأهمية- أن العسكرة ما كان لها أن تذهب نحو الأسلمة والطائفية فحسب بل يمكن القول: أن هذه العسكرة والأسلمة ذهبت إلى نوع من الحرب السياسية الأهلية الطائفية المركبة وذلك لأسباب أخرى من بينها ما يتعلق  بالتعقيدات السورية وبالطبيعة الطائفية للسلطة- الطغمة.

إن هذا هو الوصف الحقيقي لما حدث لاحقاً، ولأنه كذلك رفضه الطرفان المتصارعان، فالسلطة– الطغمة رفضته لأنه ينسف مقولة السلطة الوطنية الشرعية التي تصارع فصائل إرهابية وعميلة و.. إلخ، كما رفضه الطرف الآخر لأنه ينسف مقولة صراع شعب ثائر ضد سلطة استبدادية فاسدة طائفية ووحشية، وهذا مفهوم بالتأكيد.

إن مقولة الحرب الأهلية المركبة تضفي الشرعية على- أو تنزعها عن- الطرفين المتصارعين وهو ما لا يريده أي منهما، أما نحن فإننا نعتقد أن هذه المقولة لا تنسف بالضرورة شرعية الثوار ولكنها بالتأكيد تضعف إلى حد كبير من شرعية السلطة- الطغمة وقد شهدنا أمثلة على الحرب الأهلية وعلى ما نقول بصددها في غير مكان أو زمان في العالم، إن يكن في البلقان أو رواندا أو اليمن اليوم. وفي كل مكان مما هو مذكور تداخل الاصطفاف السياسي مع الاصطفاف القومي أو الديني أو الطائفي أو القبلي، وما جرى ولا يزال يجري في سورية ليس بعيداً عن ذلك لأنه من مجانبة الصواب القول إنه ليس ثمة اصطفاف سياسي في الصراع الدائر، لأنه موجود ولايزال منذ البداية وهو الانتفاضة ضد السلطة- الطغمة الاستبدادية، ولكن ولأن الأمور في سورية على ما ذكرناه غير مرة سرعان ما تراكب هذا العنصر مع الطائفية بشكل عام في سورية، ومع القومية في الجزيرة السورية.

وفي كل الأحوال فإننا نعتقد أن الأمور ذهبت بالتدريج إلى ما هو أسوأ من ذلك، فباستثناء الجزيرة السورية- نسبياً- أين موقع الشعب الآن من الانتفاضة أو الثورة أو الحرب الأهلية المركبة- سمها ما شئت- وهل هنالك أي حراك ذو معنى سواء أكان داخل سورية أم خارجها، وبخاصة في مخيمات اللجوء؟ وأين ما سمي ذات يوم الجيش الحر، وهو لايزال يسمى كذلك دون مضمون في بعض مناطق سورية؟ لقد تضافرت داعش والنصرة والروس وإيران والمليشيات الشيعية والسلطة “وبؤس الجيش الحر” ووضع المعارضة الوطنية والتدخلات الإقليمية والدولية على المآل الذي آلت إليه الأمور بحيث نستطيع القول: إننا اليوم أمام عسكرة مؤسلمة مطيّفة تحولت إلى ثورة مضادة وأمام سلطة- طغمة طائفية هي الأخرى ثورة مضادة بشكل أو بآخر لأنها ليست ضد الثورة أي ثورة فحسب، بل وضد أي تغيير يستحق اسمه.

 

7-الخطاب السياسي والإعلامي:

من المفيد تسليط الضوء على هذا الخطاب ومعرفة كيف تناول الصراع في سورية وعلى سورية؟

مرة أخرى نقول: إن ديماغوجيا السلطة- الطغمة لا تستحق ولا تغني بهذا الخصوص، ومع ذلك من المهم معرفة كيف وإلى أي حد تتقاطع نظرة هذه السلطة وحلفائها مع نظرة المعارضة بشكل عام على قاعدة التعقيدات التي ذكرناها.

ذكرنا قبل قليل كيف تتقاطع النظرتان في مسألة الحرب الأهلية، ونضيف الآن أن كلتيهما تتقاربان إلى حد لافت للنظر في اعتبار المؤامرة الخارجية أساس المسألة، فالسلطة تعتبر كما قلنا قبل قليل أن الأمر لا يعدو أن يكون كذلك وأن القوى المتآمرة هي الإمبريالية والصهيونية وإسرائيل وأمريكا وأوروبا وبلدان الخليج و…إلخ، وأن الحركة السلمية والعسكرية في سورية ما هي إلا أداةُ هذه لأطراف، والمعارضة تنطلق من المؤامرة ومن الأطراف ذاتها مع بعض التغيير والحذف بحيث تكون السلطة- الطغمة هي الأداة الوظيفية لدى الإمبريالية والصهيونية وإسرائيل ويستدلون على ذلك بأن هذه الأطراف لم تعمل على إسقاطه- أي النظام- بل على حمايته، ومن الطريف بعد كل هذا أن المعارضة لم تكِف عن المناشدة وتعليق الآمال على الأطراف المذكورة وبخاصة الاتحاد الأوربي وأمريكا من أجل التدخل  للخلاص من السلطة، ومن حق المرء أن يتساءل هنا أين البناء المنطقي في هذه المواقف؟ ليس هذا فحسب بل إن كلا الطرفين ينتقل بخفة البهلوان ليقول بعد قليل وفي كل مكان آخر إن هنالك صراعاً في سورية وعلى سورية بين محور الممانعة ومكوناته، وبين محور الاستسلام وحلفائه، وذلك عندما يتعلق الأمر بديماغوجيا السلطة.

إذن ليس ثمة مؤامرة خارجية وعالم غير أخلاقي مجمع على شطب سورية، بل هناك عالمان متصارعان على كل الصعد عالمياً وإقليمياً وعربياً ومحلياً، وكذلك عندما يتعلق الأمر بالمعارضة  فالصراع محتدم بين محور الممانعة وحلفائه، السلطة وإيران وحزب الله والروس والصين و…إلخ ومن خلفهم وأمامهم – بالطبع بعد أن يَعتبر أن هذا المحور كاذب وغير ممانع بل عميل وموظف  لدى أمريكا و”إسرائيل”، وأن كل ما يبدو عداءً هو مجرد ظاهر باطنه معاكس كلياً، نقول : بين هذا المحور والشعب السوري وحلفائه وسيكون الحلفاء هذه المرة تركيا وقطر و…إلخ، مع عدم نسيان أن المعارضة نفسها أو جزء كبير منها بما في ذلك فئات واسعة من الشعب تعتبر أن الشعب السوري  قد تُرِك وحيداً بدون أي حليف أو داعم أو صديق أو ..إلخ، ويتنطح هؤلاء لشتم الكرة الأرضية بالكامل على قاعدة البارانويا المرضية التي تحيل إلى ثنائية الملاك الذي هو نحن، والشيطان الذي هو كل الآخر المحلي والإقليمي والعربي والعالمي، وقد تُرجم هذا المرض المعقد بجملة بسيطة: ” ما لنا غيرك يا الله” وفي هذا الدليل   الكافي عن المرض المذكور، في حين أن ثلاثة أرباع العالم كان معنا قبل التحولات والانزلاقات نحو الأسلمة والإرهاب والطائفية ومعاداة الديمقراطية والحريات، وضرب الأمثلة البائسة على سلوك لا يختلف كثيراً عن سلوك السلطة في المناطق الخاضعة للفصائل الإسلامية العسكرية المتطرفة حيث لم تعد هنالك منذ زمن بعيد بندقية وطنية.

تحدثنا قبل قليل عن التقاطعات ذات الدلالة بين السلطة – الطغمة والمعارضة من مثل:

أ-المؤامرة الكونية، ب- الحرب الأهلية: والمضحك المبكي في المسالة الأولى هو الاتفاق شبه التام على الطرف الخارجي الذي يعتبر من قبل الطرفين سيد المؤامرة، والذي هو كما أسلفنا الإمبريالية والصهيونية و”إسرائيل” مع تنويعات إضافية، وفي هذه الحال أين في غير سورية يمكن أن يحدث ذلك، وما السبب الذي يقبع خلف هذا التقاطع؟

سنجيب على هذا السؤال في السياق اللاحق وسننتقل الآن إلى المسألة الثالثة التي هي:

جـ-الوطنية والعمالة:

كنا قد ذكرنا أن هذه المسألة لم تأخذ في بلدان الربيع الأخرى الحيز الذي أخذته في سورية، بل إنها أحيانا لم تأخذ أي حيز ذا معنى وأسباب ذلك معروفة كما نعتقد، وكنا قد أشرنا إلى ذلك في سياق التعقيدات على الساحة السورية.

إن تيار مواطنة يعتقد – بالإضافة إلى منزلة المسألة الوطنية والفلسطينية في سورية- أن السبب الأعمق في ذلك هو بنية العقل السياسي العربي والإسلامي- وبخاصة العقل السياسي السوري- الذي يجعل المسألة الوطنية صنماً للعبادة ويعالج معظم المسائل بدلالة ذلك وكأن استبداد السلطة وطائفيتها وفسادها المطبق ووحشيتها غير كافية لتسويغ المعارضة والثورة بل يجب أن تسقط عليها صفات العمالة والخيانة والدور الوظيفي لخدمة الخارج الإمبريالي والإسرائيلي كي تستقيم الأمور.

والحق إن هذا العقل الكارثي يلاحقنا- على الأقل- منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ونهوض حركة التحرر الوطني في العالم والمنطقة وسنضرب على ذلك بعض الأمثلة وأولها مثال جمال عبد الناصر، والكل يعلم تقريباً أن خالد بكداش وحزبه- الشيوعي- لجأ كي يسوغ معارضته لجمال عبد الناصر في أثناء الوحدة إلى اتهامه بالعمالة للإمبريالية الأمريكية طالباً ممن لا يصدق ذلك قراءة كتاب لعبة الأمم لـ “مايلز كوبلاند”، لأنه لم يكن يستطيع القول إن عبد الناصر وطني بما فيه الكفاية ولكن المشكلة هي في ديكتاتوريته وهذا كافٍ للمعارضة لأن مثل هذا الكلام لا يحوز على الصدى المطلوب عند الشعب وعندئذ هل كانت هذه مشكلة بكداش أم مشكلة العقل السياسي الجمعي؟

إنها بالتأكيد مشكلة الأخير الذي لا يعنيه في قليل أو كثير الديكتاتورية والديمقراطية بقدر ما تعنيه الوطنية ونقيضها.

الأمر الذي كان يعني ولا يزال أن الخطاب بدلاًلة الديمقراطية يأتي في آخر القائمة، ولقد تجلّى ذلك في الموقف من الشيشكلي الذي اعترفت جميع القوى السياسية السورية لاحقاً بأنه كان وطنياً سورياً صادقاً وأميناً بما فيه الكفاية، ولكن الأمر عندما كان على رأس السلطة كان عكس ذلك فقد اتُهِم من قبل المعارضة بتلاوينها كافة تقريباً بأنه أداة للمخططات الأجنبية.

ومن المؤسف القول: إن هذا الوضع لايزال مستمراً حتى اليوم بشكل أو بآخر، وبوسعك أن تقرأ بمناسبة الذكرى الخمسين لوفاة جمال عبد الناصر الأناشيد المدحية التي تتجاوز حدود المعقول من أنصاره دون الإشارة إلى العيب البشع في نظامه السياسي والذي هو الديكتاتورية على الرغم من زعمهم الدفاع عن الديمقراطية على مدار الساعة، كما بوسعك أن تستمع إلى بعض الذم والقدح من بعض معارضيه فقط تقريباً، والحال إن بوسع المرء أن يقول:

لقد قام نظام عبد الناصر بالكثير من الإنجازات على الصُّعُد الاجتماعية والعربية والإفريقية وهو ما يجب أن يحسب له، لكنه مهد الطريق في المنطقة للاستبداد- وإن شئت الوطني الحديث- الذي تفاقم بعد عام 1952م في معظم بلدان الانقلابات العسكرية العربية جنباً إلى جنب بالطبع مع الاستبداد القديم، في حين لم تستطع الانقلابات العسكرية الثلاثة التي سبقته في سوريا عام 1949م التأسيس لأي شيء نوعيّ من هذا القبيل.

قلنا من المؤسف استمرار الوضع المذكور ولنأخذ على سبيل المثال الموقف من حزب الله الذي كان زعيمه صنماً للعبادة في الأغلب الأعم عند العرب والمسلمين بوصفه عدواً “لإسرائيل”- في سياق المسألة الوطنية والفلسطينية- دون النظر إلى الأبعاد الطائفية وعلاقة التعبية العضوية لملالي إيران التي جاءت على عظمة لسانه وآثار هذه المسألة على لبنان والعرب بشكل عام، لأن العقل الجمعي العربي والسوري بخاصة مسكون بالهاجس الوطني حيث يهون كل ما عدا ذلك.

لقد تغير ما سبق إلى حد كبير عند المعارضة السورية- وبعض العرب- بعد التدخل السافر لحزب الله في سورية، حيث تحول المذكور إلى عميل “لإسرائيل” و…إلخ، وتذكر الناس فجأة طابعه الطائفي وتبعيته لإيران وملاليها وتأجيجه للصراع الشيعي- السني …. إلخ، كما اعتبرت إيران نفسها عميلة لأمريكا و”إسرائيل” و…إلخ.

مرة أخرى كان على المعارضة السورية أن تسوّغ عداءها لحزب الله وإيران بالعمالة للخارج، وكأنه لا يكفي أن تمارس إيران والحزب المذكور كل ما يمكن من أجل دعم السلطة- الطغمة الدموية كي نكون بمعارضة المذكورين، ولابد من الرطانات السخيفة عن العمالة والخيانة و..إلخ.

ليس هناك عاقل لا يرى أن الكلام السابق غير صحيح، فالعالم كله يعترف ويرى ويمارس- عدا المعارضة السورية وبعض حلفائها- على أساس الصراع الفعلي بين الأطراف المذكورة و”إسرائيل” والإمبريالية، ولكن عقلنا الجمعي- كما يبدو- لا يستطيع أن يعترف بذلك لأنه يعتقد أنه يخسر في هذه الحال حق العداء لهذه الأطراف، وهذا دليل آخر على أننا لم نتقدم كثيراً منذ سبعة عقود.

إن بوسع المرء أن يقول: إن حزب الله وإيران في حالة عداء مع “إسرائيل” والإمبريالية الأمريكية، ولكن نظراً للعديد من الأسباب وعلى رأسها المشاركة النوعية في الحرب ضد الشعب السوري ولطائفية الحزب وظهيره الإيراني فإنه ليس أقل خطراً من “إسرائيل” إن لم يكن أكثر على شعوب المنطقة وبخاصة الشَّعبين اللبناني والسوري.

وفي السياق نفسه يأتي الخطاب السياسي والإعلامي المتعلق بالسلطة- الطغمة في دمشق التي يتبارى المعارضون في وصمها بالعمالة والخيانة والدور الوظيفي.. إلخ وكأن كل هذه الوحشية والدم والتعذيب والحصار والدمار والخراب المادي والمعنوي لا يكفي لاعتبارها العدو الأول.

إن تيار مواطنة يحق له أن يعتقد أن السلطة المذكورة حتى لو كانت ربّ الوطنية هي العدو الأول وذلك على النقيض من العقل السياسي المذكور.

إن تيار مواطنة يعتقد أن الوطنية بدلالة الخارج والأخرى التي هي بدلالة الداخل بمعنى الدفاع عن المصالح المشروعة للشعب والوطن وتكريس نسيج اجتماعي داخلي يعلو فيه الانتماء إلى الوطن والشعب على كل انتماء آخر قبله وبعده عدا عن الانتماء للإنسانية على الرغم من ضرورتهما وأهميتهما وبخاصة الثانية التي هي بدلالة النسيج الداخلي لأنها الأساس في أي هوية تستحق اسمها وبالتحديد في هذه المرحلة التي تعاني فيها سوريا من التشظي والانقسام حول الهوية الوطنية الجامعة، نقول: على الرغم من ذلك فإن الوطنية التي بدلالة الخارج أقرب ما تكون إلى الغريزة، ولا تشكل رأسمالاً معنوياً يستحق الوقوف عنده والإشادة به ليل نهار ولا المعيار اللازم والكافي لتحديد المواقف.

وبالتباين مع ذلك فإن التيار يعتقد أن الديمقراطية وتصنيف القضايا بدلالاتها هوما يستحق الوقوف عنده لأنها الخيار الحقيقي للإنسان الفرد والجماعة الوطنية والقومية والإنسانية، وهي ببساطة وبجملة واحدة الوضع الصحي للبشر وكل ما عدا ذلك هو المرض بعينه، وعندما تتحقق فإن كل المسائل الأخرى يمكن أن توضع على جدول البحث والعمل.

لذلك ولأسباب أخرى يُعتبر التركيز على قضايا الوطنية والخيانة والسيادة و…إلخ بدلاً من التركيز على الاستبداد والفساد والطائفية والسلوك الوحشي والدموي للسلطة- الطغمة أو حتى عليهما جنباً إلى جنب غير صائب بل ربما كان خسارة للعديد من الأسباب من بينها:

  • عدم وجود صدى لذلك عالمياً وعربياً وإقليمياً- حتى عند كثر محلياً- لأن الغالبية الساحقة من البشر تعتقد عكس ذلك.
  • وهو في الحقيقة غير مطابق للوقائع العنيدة بالشكل الكاريكاتوري الذي تقدمه المعارضة في الاتجاه العام الأمر الذي يفقدها إلى حد كبير مصداقيتها وصوابها.
  • إظهار الافتقار إلى البعد القيمي والديمقراطي الراسخ عبر النفخ في المستوى الوطني بدلاً من التركيز الدائم على المستوى الآخر المذكور.

وبهذا المعنى فليس ثمة فائدة من هذا الخطاب حتى بالمعنى البراغماتي- ناهيك عن المبدئي- الأمر الذي يستدعي بالتأكيد إعادة النظر في هذا الجانب من الخطاب دون تردد أو تعنت.

بقي أن نقول بضع كلمات في الوطنية والديمقراطية لأن هناك شريحة عريضة في المعارضة تعتقد أنها عندما تركز على الحقل الوطني كأنها تركز على الحقل الديمقراطي لأنها تعتقد أنهما قرينان، والحال ليست كذلك أبداً على امتداد عقود من ممارسة السياسة في منطقة حركة التحرر الوطني والانقلابات الثورية القومية اليسارية، وكذلك الأمر في منطقة المعسكر الاشتراكي ناهيك عن الحركات الإسلامية لم نشاهد- عدا حالات نادرة- أي نظام اشتراكي أو وطني أو قومي يساري يقرن الاشتراكية أو الوطنية أو الإسلام بالديمقراطية، بل كانت في غالبيتها الساحقة من موسكو وبكين حتى كوبا ومن أندونيسيا حتى الجزائر أنظمة ديكتاتورية بامتياز.

د- حول داعش والنصرة والإسلام السياسي المتطرف:     

وهنا أيضاً تقع المعارضة السورية وما يسمى الفصائل الثورية في مطب عميق- نقصد دائما من الناحية الرئيسية بالمعارضة تلك التي تطرح نفسها معارضة جذرية بسقف عالٍ- وهنا أيضاً نقع على نقطة تقاطع بين المعارضة المذكورة وبين السلطة- الطغمة حيث يقوم الخطأ الأصيل في الموقف على اعتبار داعش والنصرة الجهاديين و…إلخ فصائل مصنّعة في غرف المخابرات وهذه الغرف التي تعود تبعاً لموقف كل طرف، إما إلى الإمبريالية الأمريكية و”إسرائيل” والصهيونية وبشكل عام الغرب وبلدان الخليج العربي أو إلى إيران والسلطة السورية أو إلى تركيا وقطر و…إلخ.

هذا الاعتبار يبرّئ الإسلام النّصي والتاريخي على حد سواء من التطرف والإرهاب ويتجاهل حقيقة وجود نسغ عنفي مولّد لهذا التطرف وبخاصة في إسلام المدينة- يثرب، ومنه نهل الكثيرون بمن فيهم مؤسسو هذا الإسلام ومن سار على هديهم لاحقاً في تكفير العالم كله وضرورة جهاده حتى يكون الدين عند الله الإسلام.

والحال إذ قلنا جدلاً أن الفصائل المذكورة أعلاه هي من صناعة غرف المخابرات التي يحال إليها عادة، فمن يا ترى صنع ابن تيمية، وابن القيم الجوزية -وقبلهما ابن حنبل- وبعدهما محمد بن عبد الوهاب، وأبو الأعلى المودودي، وأبو الحسن الندوي وسيد قطب والقائمة تطول من أفغانستان وباكستان حتى الغرب لأنه مر على البشرية زمن لم تكن فيه أمريكا في الأصل ولا “إسرائيل” ولا ملالي إيران ولا السلطة السورية فأي غرفة مخابرات هي التي صنعت ابن تيمية ومن تلاه حتى محمد بن عبد الوهاب؟ وأي شيطان هو الذي أسس الجيش الإنكشاري العثماني الإمبراطوري القائم على انتزاع أطفال الشعوب المهزومة وبخاصة المسيحية لتشكيل جيش لا يعرف له أباً أو أُمّاً أو أحداً سوى الخليفة العثماني الأمر الذي جعل هذا الجيش من أعنف جيوش العالم العنيفة في الأصل؟

الحق يقال إن كل الأسماء والظواهر التي جئنا عليها هي مولود شرعي طبيعي لإسلام المدينة بشكل خاص- إن لم نقل للإسلام بشكل عام- ولم تفعل هذه الشخصيات والقوى والفصائل شيئاً لم يفعله الأوائل من زواج القاصرة حتى ذبح الناس مروراً بالغزو والسبي والاستعباد والجواري و…إلخ.

والآن إذا كان ذلك كذلك فإنه لا يعني أن أجهزة المخابرات لا تخترق أو توظف بعض هذه القوى والظواهر وهذا طبيعي فالأجهزة المذكورة يمكن أن تخترق وتوظف بعض الناس أو بعض الفئات في كل الاتجاهات الاجتماعية والسياسية والدينية والثقافية وهذا حصل مراراً وتكراراً، ولكن هذا شيء واعتبار أسامة بن لادن وأمثاله من الظواهري حتى قادة داعش والنصرة صناعة مخابراتية شيء آخر. لأن القوى المذكورة هي في حقيقتها وطبيعتها وبنيتها وثقافتها معادية عداءً لا فكاك منه للبشرية جمعاء تقريباً وبخاصة من هم خارج الإسلام، وحتى تلك الإسلامية التي لا تُذعِنُ لمقولاتها المعادية للإنسان والحضارة والثقافة والديمقراطية والحرية والدساتير والقوانين البشرية.

وعلى المقلب الآخر فإن الفصائل الإسلامية الشيعية المتطرفة هي الأخرى- مثلها في ذلك مثل الفصائل السنية المتطرفة- نتاج الإسلام الشيعي وإن تكن إيران في الحال الراهنة هي الظهير لجميع هؤلاء أينما كانوا تقريباً، والفرق بين هذين التطرفين

في الإسلام، هو كون التطرف الشيعي له مرجعية دولية هي إيران، في حين يفتقر التطرف السني إلى ذلك، الأمر الذي يسمح إلى حد كبير بالتعامل معه على هذا الأساس، كما أن التطرف الشيعي ينظر إلى الإسلام السني باعتباره العدو الرئيس وأحياناً إلى أمريكا بوصفها الشيطان الأكبر و”إسرائيل”، في حين يعتبر التطرف السني البشرية جمعاء-تقريباً- عدوه الرئيس، وفي هذا الفرق ما يكفي لأن يكون هنالك تعامل مختلف من قبل العالم مع كل من التطرفين المذكورين وهو كذلك.

إذا كان من الصحيح القول إن الفصائل والثقافة الإسلامية المتطرفة والإرهابية هي مولود شرعي لإسلام المدنية فإنه ناقص لأن الظروف التاريخية تلعب دوراً هاماً في تأجيج أو تخميد هذا التطرف بدءاً من الغزو الخارجي إلى الاستبداد بأنماطه كافة مروراً بالمشكلات المستعصية والصراعات المحتدمة …إلخ. ولعل من الدلائل على ذلك أن فقيهاً مثل ابن تيمية عاش في المرحلة التي أعقبت الاجتياح المغولي للمنطقة، وفي الوقت الراهن بوسع المرء أن يلاحظ أن معظم الفصائل المتطرفة تعتاش على الصراعات القائمة في المنطقة.

لايزال هناك أمر تنبغي الإشارة إليه هو تلك النظرة إلى الذات والتي تكاد تتطابق بين القوميين والإسلاميين، فالقوميون لسان حالهم رسالة العرب التاريخية والراهنة، كما لسان حال الإسلاميين هو كونهم خير أمة أخرجت للناس، ولذلك لا غرابة إذا أطلق النهضوي الشهير الأفغاني جملته المأثورة في حجاجه مع الغرب والتي تقول:” حدثوني عن الإسلام ولا تحدثوني عن المسلمين، فالإسلام منزّه عن كل نقص في حين أن المشكلة في المسلمين” مثله في ذلك مثل العروبة والعرب بالنسبة للقوميين.

والحال إن الكلام المذكور في شقّيه القومي والإسلامي بعيد بعد السماء عن الأرض لأنه بالتأكيد معلّق في الفراغ ولا علاقة له بالتاريخ الحيّ وتاريخ البشر الحقيقيين على الأرض.

وما دمنا بصدد داعش وأخواتها لا بد من المرور على الخطاب الإعلامي للمعارضة- بما فيها الإسلاميون- هذه المعارضة التي صدعت رؤوسنا عن السلطة- الطغمة التي أفسدت كل شيء وشوّهت الثورة العظيمة عبر إطلاق سراح الإسلاميين المتطرفين وهم بالمئات في سورية في منتصف العام 2011م، كما تمّت الإشارة إلى إطلاق سراح نوري المالكي في العراق للكثير منهم فما حقيقة ما يقال؟

أولاً، فيما يتعلق بالمالكي لا معنى للكلام عنه في سورية لأمرين أولهما أن إطلاق السراح المذكور تم بعد أن كانت الفصائل الإسلامية قد اكتسحت جزءاً كبيراً من سورية، والثاني أن الغالبية الساحقة من المذكورين بقيت في العراق ومن وصل منهم إلى سورية قلة قليلة، وليس هذا فحسب بل إن القاصي والداني يعرف أن المعركة الحقيقية الأولى في العراق جرت بين المتطرفين وخصومهم بين عامي 2006م و2007م وكان الزرقاوي على رأس التطرف آنذاك وقد ولدت داعش لاحقاً بما فيها زعيمها من فلول تلك المرحلة وعقابيلها.

أما فيما يتعلق بسورية فإن التحول إلى العسكرة الخجولة والأسلمة الواضحة كان يتم بشكل ملموس قبل الإفراج المذكور، ولم يكن من شأن ما تم سوى مفاقمة الأمر الذي كان يجري في كل مكان من سورية تقريباً مع اختلاف الوتائر والأسماء.

ومع ذلك لنفترض جدلاً أن ما قالته المعارضة صحيح صحةً مطلقة فما الذي كان ينبغي أن يترتب على القول المذكور؟ منطقياً كان من المفترض شن معركة حقيقية إعلامية وسياسية وعملية ضد هؤلاء الذين أطلقتهم السلطة- الطغمة لتشويه الثورة السلمية وكسب الرأي العام و…إلخ، ولكن ما الذي حصل واقعيا؟

الذي حصل هو العكس لقد تزعم بعض هؤلاء المتطرفين أقوى الفصائل المعارضة الإسلامية ومن بينها على سبيل المثال جيش الإسلام- زهران علوش- في الغوطة الشرقية، ولم تكتفِ المعارضة بالصمت حيال ما يجري أو رفضه سياسياً وإعلامياً أو رفض المواجهة تحت ذرائع مضحكة من مثل أن هذه المواجهة تخدم السلطة- الطغمة. بل وصلت بدلاً من ذلك إلى تعهير العالم لأنه لا يدعم هذه الفصائل وإلى ما يفوق الخيال بصدد التعامل معها عندما نصّبت قادتها على رأس الوفد المعارض في أولى المفاوضات مع السلطة، وعندئذ ما معنى كل الخطاب الذي سمعناه ولا نزال عن سلوك السلطة. إن الممارسة التي ترتبت على هذا الخطاب كانت خارج سياق المنطق والواقع وكانت تناقضاً فاضحاً لا يمكن بلعه ولكننا بلعناه، وكانت النتيجة إلى حد كبير هي كما يلي:

سيطرة بعض الرموز على بعض الميادين الحاسمة في سورية جنوباً وشمالاً وفي الوسط بما في ذلك السيطرة على القرار السياسي  والعسكري والعملي وتحوّلت المسألة مسألة إطلاق سراح المتطرفين إلى ما يشبه لعبة الألغاز والحائط المسدود على قاعدة كون النقيضين يصبّان في المجرى ذاته على  الشكل التالي: إن لم نواجه هؤلاء المتطرفين فإن المحصلة تخدم السلطة التي أطلقتهم لمآربها الخاصة وإذا واجهناهم فإن المحصلة أيضاً تخدم السلطة التي تريد الفتنة وتأجيج الصراع بين “الأخوة” ومرة أخرى أين يمكن أن يحصل ذلك إلا في سورية حيث لانزال نقطف الثمار المُرَّة للتعقيد البالغ للوضع السوري ولم يعد أمامنا- والحال هذه- إلا أن نغني مع فيروز التي أنشدت ذات يوم: وأين في غير شام يطرب الحجر؟.

لا يزال هناك ما يجب قوله حول داعش والنصرة وأمثالها فالمعارضة- مرة أخرى نقصد ذات السقف العالي- صدعت رؤوسنا لاحقاً بأن داعش والنصرة لم يحاربا سوى فصائل ما يسمى الجيش الحر في حين كان أقطابها في البداية يشيدون بالنصرة قائلين: “إن كل بندقية توجه ضد السلطة هي بندقية ثورية، وأن النصرة هي رأس الحربة في ذلك …إلخ”، في حين جاء الكلام اللاحق للتدليل على أن الفصائل المذكورة هي صناعة سلطوية وأنهما عملية للسلطة في نهاية المطاف.

ماذا يمكن للمرء أن يقول في مثل هذا الكلام الذي يأكل بعضه بعضاً، لا شيء أكثر مما قلناه أعلاه ومع ذلك يبقى أن نقول: إن الكلام اللاحق عن داعش والنصرة لا يمت إلى الحقيقة والواقع إلا بصلة واهية عندما يجري إدراك هذه الأفعال، فأن يقال إنهما لم يحاربا السلطة- الطغمة ليس صحيحا أبداً فمن الذي استولى في هذه الحال على المطارات العسكرية من الطبقة حتى منغ مروراً بكويرس ومن الذي استولى على حوالي ثلث سورية في كل المناطق؟

أما أن تكون داعش والنصرة قد حاربتا ما سمي بالجيش الحر فهذا بديهي في كل ثورة وثورة مضادة، وذلك على قاعدة الظاهرة البسيطة الواضحة كل الوضوح والتي تقول: إن الفصيل الأكثر جذرية في الثورة والثورة المضادة سوف يأكل الفصائل الأخرى بدءاً من ثورة الجنوب اليمني وانتهاء بالثورات في قلب وغرب إفريقيا في العصر الراهن هذا إذا تركنا جانبا الثورتين الفرنسية والروسية وغيرهما كثر.

أما فيما يتعلق بالثورة المضادة فإنه يكفي أن نشير إلى ما حصل في لبنان في خندق اليمين اللبناني في تموز 1980م حيث التهم بشير الجميل قائد قوات الكتائب القوى الأخرى مثل حرّاس الأرز ونمور كميل شمعون وكل الآخرين، ومن لم يستطع التهامه بفعل الحماية السورية قام باغتياله مثل طوني فرنجية.

إنه إذن قانون عامٌ تقريباً، وهذا ما حصل مع داعش والنصرة فأين الغرابة في ذلك، والأهم أين في ذلك الدليل على ما ادّعته المعارضة لاحقاً؟

أما فيما يتعلق بقول المعارضة أنها هي التي واجهت داعش والنصرة فإنه غير صحيح أبداً لأنها لم تبادر إلى بدء أي صراع معهما واكتفت في أحسن الأحوال بالدفاع عن النفس، وقد صار معروفاً للجميع أن قواعد الفصائل العسكرية المسلحة كانت ترفض قتالهما بحجة أن الفصيلين المذكورين هما فصائل إسلامية، وفي الحالات التي نشبت فيها بعض المعارك كان الرابح  داعش والنصرة والخاسر الفصائل  الأخرى، ليس فقط في ميدان المعارك، بل لأن غالبية الفصائل كانت تتفكك وقسم كبير منها ينضم إلى أحد الفصيلين المذكورين، وهذا أيضاً من الظواهر الطبيعية في الثورات والثورات المضادة، لأن الفصيلين المذكورين هما الأكثر جذرية وتطرفاً وقوة وبخاصة إذا أخذنا الدعم الذي كانا يتلقيانه من الإقليم وبالتحديد من قطر وتركيا.

وفي حالة واحدة كان النصر فيها للجيش التركي وحلفائه من المعارضة المسلحة الإسلامية وهي تلك المعركة التي شنتها تركيا في ريف حلب لغاية تمزيق مناطق السيطرة الكردية أكثر بكثير مما هو لمواجهة داعش. حيث كان الأمر شبه معركة في المنطقة المذكورة في حين كانت تركيا تدعم بأشكال مختلفة داعش في مناطق أخرى.

إن السلوك الدفاعي والبائس والرافض للقتال مع داعش من قبل المعارضة  بدا واضحاً وجلياً في أواخر عام 2014م عندما طلبت أمريكا من هذه المعارضة تبني استراتيجية مواجهة داعش أولاً حيث رفضت المعارضة المذكورة ذلك بشدة بإيعاز حاسم من تركيا وذلك بذرائع لم يثبت أنها صحيحة، من مثل أنها تريد مواجهة السلطة وداعش معاً، والحال أنها لم تبادر في المواجهة أبداً كما قلنا أعلاه، ولم يطل الوقت حتى انعطفت تركيا وأخذت المعارضة المذكورة إلى أستانا وإلى مناطق خفض التصعيد وهو أسوأ بكثير مما طرحته أمريكا فيما يتعلق بالموقف من السلطة- الطغمة.

وفي كل الأحوال وكما يقال في المثل العاميّ: “حلب موهون الدراع هون” ما الذي تفعله هذه المعارضة المسلحة وظهيرها تركيا مع جبهة النصرة في إدلب الآن؟ لا شيء سوى ترك المذكورة تسيطر فعلياً على مجرى الأمور في المحافظة حتى إشعار أخر، ومن المؤكد أن الحجج المضمرة أو المعلنة التي تقدمها أو يمكن أن تقدمها المعارضة هي ذاتها التي سمعناها ألف مرة عن أن ذلك يخدم السلطة على الرغم من أن بعضهم يجرؤ على القول: إن جبهة النصرة هي التي تخدم السلطة وفي هذا القول ما فيه من بؤس عقلي وأخلاقي، لأنه لا يفرق بين الخدمة الذاتية ونتائج الأفعال التي قد تخدم السلطة موضوعياً.

قد يقول بعضهم إن المقصود بالفعل هي تلك الأفعال التي تخدم السلطة موضوعياً بغض النظر عن نوايا أصحابها، وحتى في هذه الحال لا يمكن إطلاق صفة العمالة عليها، لأنك عندئذ يجب أن تقول إن كل فصائل غزة والإسلامية منها بخاصة هي عميلة لإسرائيل لأن كل الأعمال التي تقوم بها في ضرب المدنيين تخدم إسرائيل أمام الرأي العام العالمي، ولكن هذا شيء والعمالة الذاتية شيء آخر.

بقي أن نكثّف باختصار الفقرات المتعلقة بالمؤامرة الخارجية والصراع والعمالة وداعش و..إلخ بالقول إن أخطر ما في مسألة نظرية المؤامرة هذه أمران:

الأول، هو الانطلاق بوعي أو بدونه من النظرة المانوية الثنائية- نسبة إلى مانا- والتي تقسم العالم إلى حقلين، حقل الخير وحقل الشر على قاعدة إله الخير وإله الشر، وعندما يكون العالم من حولنا حسب هذه الثنائية هو إبليس وهو الفاقد للقيم والأخلاق والإنسانية و…إلخ من وجهة نظرنا يجب أن نكون نحن العالم الثاني أي عالم الملاك.

والآن إذا أضفنا إلى ما سبق عقدة البارانويا التي نقتات عليها والتي تتألف من تداخل عقدتين هما جنون العظمة وجنون الاضطهاد تغلق الدائرة تماما. فما دمنا نحن الملاك ونحن العظماء فإن العالم هو الشيطان ولابد من أن كل مسعى له لا يهدف إلا إلى اضطهادنا وقهرنا وتركنا في أرذل حال.

نترك الآن لكل ذي عقل أن يفكر في القيمة الفعلية لادعائنا بأن العالم من حولنا يمارس العنصرية علينا في الوقت الذي يقوم فيه جوهر موقفنا على الاستعلاء والفوقية والأنوية وهي أشد أنواع العنصرية المضادة حتى في حال كانت هنالك عنصرية ضدّنا.

أما الآثار الأخرى السياسية والعملية لما سبق فهي ضياع البوصلة والتخبط في رسم السياسات والمواقف الاستراتيجية منها بشكل خاص وحتى تلك التكتيكية وهو ما نعاني منه بالتأكيد منذ قرن على الأقل وليس في السنوات العشر الأخيرة.

وفي حقل العقل السياسي وموضوع الوطنية والعمالة نريد أن نضيف إلى كل ما سبق وإلى ما قلناه عن عبد الناصر في الذكرى الخمسين لوفاته وعن حزب الله ومحور الممانعة وإيران و…إلخ، الموقف من الشهيد الطفل محمد الدرة في الذكرى العشرين لاستشهاده.

هل هناك من لاحظ الاهتمام الفائق بالموضوع واستمراره حياً حتى الآن وإبرازه في كل مرة في حين أن هنالك آلافا من الأطفال- إن لم نقل خمسة عشر ألف طفل قتلوا في سورية- على يد هذه السلطة- الطغمة الوحشية بوسائل وبأوضاع أبشع بكثير من مقتل محمد الدرة وبخاصة عبر السلاح الكيماوي في غوطة دمشق في 21 آب/ أغسطس 2013م وعبر تهديم المنازل على رؤوس أصحابها في العديد من المدن السورية، فأين موقف العرب والمسلمين من ذلك؟

هل لنا الحق أن نؤكد مرة أخرى على أن العقل السياسي العربي الوطني معنيٌّ بمقتل الدرة لأنه تمّ على يد “إسرائيل” في حين أن أطفالنا قتلوا على يد محور الممانعة حتى لو كانوا بالآلاف ومحور الممانعة منا وفينا فأين القيم النبيلة وأين الديمقراطية وأين الأخلاق والإنسانية في ذلك؟

إن كل ما سبق يبقى ناقصاً إلى حد كبير وقابلاً للحجاج وحتى النقض من أصحاب النظرية السابقة، وللمساهمة في التقليل من الجدل نقول: لنفترض أن ما يقوله العقل السياسي الوطني العربي وأصحاب المؤامرة والظاهر والباطن صحيح تماما، فإن ثمة حقيقة لا تخفى على الأبصار والبصيرة وهي الصراع الدائر بين الدول -وإن شئت الحكومات- الإمبراطورية أو ذات النزوع الإمبراطوري- الثلاث في المنطقة وهي ” إسرائيل” وإيران الملالي وتركيا أردوغان على الرجل المريض والذي هو في هذه المرة العالم العربي وبخاصة المشرق منه.

هذا الصراع الذي يخفت أحيانا – بل يمكن أن يصل حتى إلى بعض التفاهم- ولكنه في الجوهر قائم ومحتدم، وعندئذ فإن الصراع بين إيران ووكلائها وتركيا ووكلائها و”إسرائيل” بدون وكلاء، يجب الاعتراف به والبناء عليه حتى لو لم يكن له أي علاقة بالوطنية والمقاومة والممانعة و…إلخ المعزوفة المعروفة. هذه الحقيقة هي الفاعل الأساسي في تحديد موقف العديد من البلدان العربية وعلى رأسها السعودية والخليج والعراق واليمن وربما دول عربية أخرى حتى في إفريقيا.

وعليه فإنه يصح القول: إن سورية ولبنان في قلب التجاذب الثلاثي، ويصعب فهم ما يجري دون الاعتراف بذلك، ويكفي النظر إلى خطاب الأطراف المتصارعة للتأكد من هذه الحقيقة، وربما كان الأبشع في الأمر أن هذه الحكومات ذات النزوع الإمبراطوري وبالتحديد اليوم إيران وتركيا، تعتمدان على أذرع محلية إسلامية من الناحية الرئيسية تقوم على الانقسام السني – الشيعي بحيث يكون الأول هو الأداة التركية، والثاني هو الأداة الإيرانية، مع الاعتراف بأن بعض  القوى القومية واليسارية تشكل ركيزة هي الأخرى لإيران، وفي هذه الحال نترك للقارئ تقدير الآثار الكارثية لهذا الانقسام وبخاصة في المشرق العربي، كما نترك له تفسير مواقف بعض الدول العربية من تركيا أردوغان ومن إيران الملالي و”إسرائيل” بما في ذلك بالطبع انحيازات وخيارات قوى الإسلام السياسي المختلفة من حماس وحزب الله ومن اليسار الفلسطيني إلى اليسار اللبناني .. إلخ.

يبقى أن نشير إشارة عابرة إلى البعد الطائفي الخطير والخطاب السياسي للمعارضة الإسلامية المسلحة وغير المسلحة السورية، وحتى إلى خطاب المعارضة بشكل عام الذي لا يجابه هذا – البعد الطائفي- بما يكفي من العمق والاتساع، وقلنا إشارة عابرة لأننا سنأتي على ذلك لاحقاً وفي مكانه المناسب.

تابع الجزء الثالث…

أو عودة إلى الجزء الأول…

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

تعليق واحد على “مراجعة نقدية أولية -الجزء الثاني”

  1. Abdullatif teryaki

    تذكرت تعليقا لاحد ممثلي شركة يابانية….زار سوريا عام 2005 واراد ان يزور الجامعات السورية الثلاث دمشق وحلب وتشرين…لكي يطلع على المجتمع الدمشقي والحلبي والساحلي….حيث قال ان ذلك يعطيه فكرة ولمحة اولية عن تللك المجتمعات..وبعد ان تم ما اراد وعدنا من جولتنا التي استمرت ثلاثة ايام…قضينا فيها يوما كاملا في كل جامعة..زررنا فيها جميع الكليات تقريبا…تخللها التجول في ردهات الكليات والجلوس في الندوات المخصصة للطلاب فييها…واحتساء الشاي والقهوة…سالته ما هي انطباعاته نتيجة خءه الزيارة عن التجمع الطلابي…في سوريا…فاجابني جوابا ادهشني…قال بالحرف الواحد…وكانني زرت جامعات في دول ثلاث….فسالته عن السبب لهذا الانطباع…فقال انه في حلب راى الطالبات .منعزلات عن الشباب واكثرهن متحجبات والبعض منقبات..وفي اللاءذقية…راي اكثىرية الطالبات..غير محجبات..والبعض( مزلط)..وبعض الشباب والشابات متشابكي التيدب يتسامرون تحت الاشجار في حداءق الجامعة بل راى البعض يتبادل القبلات على المقاعد في الزوايا المنعزلة في الحداءق..وكانني في دول وجتمعات مختلفة…فكرت في اجابته وملاحظته التي لم افطن لها انا ابن البلد والءي قضى عدة سنوات للتدريس في جامعاتها…تذكرت هذه الحادثة عندما قرات هذا المقال

التعليقات مغلقة