81 views

مؤتمر عودة اللاجئين.. لماذا الآن وهل يعودون؟

عقدت روسيا بالاشتراك مع النظام السوري في ١١ و١٢ من الشهر الجاري في دمشق مؤتمراً لعودة اللاجئين السوريين الى بلادهم، وقد كان إصرار روسيا على عقده واضحاً، على الرغم من عدم استجابة دول العالم للدعوة، فما دلالات ذلك؟

يحمل المؤتمر رسائل عديدة داخلية وخارجية، حرص النظام السوري والروس معاً على إيصالها من خلال عقده، فعقد المؤتمر في دمشق تحديداً، ورغم قلة من استجابوا للدعوة وحضروه، هي رسالة لتأكيد شرعية النظام السوري، فالمؤتمر يؤكد أن النظام هو المعني تحديداً بموضوع السوريين جميعاً أكانوا داخل البلاد أم لاجئين، وهو بهذا يعلن للعالم أنه ما زال النظام الشرعي في سوريا وكل ما يخصها سيمر عبره، وخصوصاً بعد أن أعلن رأس السلطة انتصاره على الإرهاب في خطابه، بالتالي أزال عوائق عودة اللاجئين حسب ادعاءه.

لكن في المؤتمر أيضاً رسالة الى أوربا التي تواجه أزمات داخلية وخصوصاً مع اليمين المتطرف فيها، أوربا التي واجهت في الفترة الأخيرة هجمات إرهابية، قام ببعضها لاجئون أو أبناء جيل ثان أو ثالث من اللاجئين، أو مهاجرون غير شرعيين، والتي أعلنت على إثرها حربٌ على الإرهاب على أراضيها، والتي يضغط فيها اليمين المتطرف لطرد اللاجئين من أراضيها، واعتبارهم ككتلة واحدة مخزناً للإرهاب يجب التخلص منه.  لكن أوربا هذه أعلنت بوضوح أنها لن تحضر المؤتمر، وأن عودة اللاجئين مشروطة بتطبيق حل سياسي وفق القرار الدولي ٢٢٥٤. قد يرى الروس والنظام السوري أن من المهم الآن إرسال هذه الرسالة، حتى لو كان الرد المباشر سلبي، وقد يأملون بتأثير بعيد المدى لهذه الرسالة، عبر إحراج الحكومات الحالية أمام معارضتها اليمينية والتي ستستغل ذلك شعبياً.

يسعى المؤتمر أيضاً لتكريس موعد انتخابات الرئاسة القادمة في العام المقبل، بغض النظر عن مصير العملية السياسية ومصيرها؛ ففي دعوة اللاجئين يؤكد أولاً على شرعيته كرئيس لكل السوريين، وذلك بالتعارض مع ما أعلنه مراراً سابقاً، بأن سوريا هي فقط لمن يدافع عنها، أو أنه حصل على مجتمع متجانس، فهو يتحدث الآن، عن عودة الجميع دون التطرق الى موقفهم السياسي. وثانياً فهو بعودتهم يستطيع مراقبة الانتخابات أكثر، ويضمن إلى حد كبير أن السوريين على الأرض السورية سيصوتون له أو لا يصوتوا لأحد، خوفاً من آلة القمع التي ما زالت قائمة بشراسة، وبهذا يسقط ورقة مراقبة الانتخابات من يد الأمم المتحدة والمجتمع الدولي.

من أهداف المؤتمر الواضحة جداً، وخصوصاً في خطاب رأس السلطة، هي استغلال عودة اللاجئين من أجل جلب أموال لإعادة الاعمار، فقد أكد على ضرورة تهيئة البنية التحتية اللازمة لهذه العودة والتي لا يمكن تحقيقها الا بإعادة إعمار، يساهم فيها المجتمع الدولي والمانحون، وبهذا لا تذهب نقود المانحين لدول الجوار التي تحتضن اللاجئين، وانما تعود لجيوبه بحجة إعادة الاعمار.

خاطب المؤتمر اللاجئين الذين هم خارج الحدود السورية فقط، ودعاهم للعودة الى وطنهم، لكنه تناسى وأهمل بشكل مقصود النازحين داخل سوريا، والمهجرين قسراً خارج مناطق سكناهم الأصلية، ولم يحدثنا رأس السلطة في خطابه، إذا كانت عودة النازحين مسموحة بدون شروط، أو على الأقل بتسهيلات كما أدعى بخصوص عودة اللاجئين، أم أن عودتهم ما زالت ممنوعة أو مشروطة بمصالحات مذلة أو موافقات أمنية. أو أن العودة لبعض المناطق ما زالت ممنوعة كلياً.

ولكن ما الذي يمنع اللاجئين من العودة فعلياً؟ بنظرة سريعة وبقراءة ردود الأفعال، يمكن أن نلاحظ أن العامل الأمني أو لنقل الخوف هو المانع الأساسي للعودة، الخوف من الاعتقال ومن الانتقام ومن شروط المصالحة المذلة، قد يقول قائل أن الكثيرين ما زالوا يعيشون في سوريا، وأن النظام لم ولن يقوم باعتقال الجميع، وهذا صحيح نظرياً، لكن الذين يعيشون في مملكة الخوف سوريا اعتادوا التعايش مع خوفهم ومداراته، واعتادوا السير في حقل الألغام السوري، ومحاولة تجنب أي نتائج كارثية، أما من خرج من مملكة الخوف هذه، فإن مجرد التفكير بالعودة اليها هو رعب حقيقي، يجعله يرى أقسى الكوابيس. نعم قد لا يعتقل النظام الجميع، ولكنه لا أحد يعرف إن كان سيكون أحد من يعتقلهم النظام ليكون عبرة لغيره، ولذلك فقرار العودة مرتبط دوماً بالخوف الأمني، حتى ولو لم يكن هذا اللاجئ سياسي أو ناشط، بل يكفي أن يكون من أحد المناطق التي ثارت على الأسد، مما يجعله مرشحاً ليكون أداة انتقام.

إلى جانب الخوف الأمني يأتي الخوف من التجنيد الإجباري، وهو ما تعيشه الأسر السورية والشباب السوريون هاجساً يومياً، فلا مناص من سحب كل الشباب السوريين المكلفين بالخدمة الإلزامية إلى الحرب، وهم بذلك سيكونون أداة قتل، وبالتالي سيصبحون إما قاتلين أو مقتولين، وهو أحد الأسباب الرئيسية التي دفعت بالكثير من الشباب لمغادرة الأراضي السورية واللجوء.

من عوائق العودة قطعاً الوضع الاقتصادي والخدمي برمته، فكثر قد تدمرت بيوتهم، بل ومناطقهم كلها ولا مكان يعودون اليه، وهم سيكونون نازحين في ديارهم، ومع كل الصعوبات التي يعانونها في بلاد اللجوء، حتى وإن كانوا يسكنون المخيمات، ولكنها قد تحمل بعض المعونات الاغاثية التي تساعدهم على الحياة، أو قد يجدون بعض الأعمال وإن تكن بشكل غير قانوني (ولو تعرضوا للاستغلال)، ولكنها قد تعين على تصريف أمور الحياة اليومية. وفي ظل الوضع الاقتصادي المتردي في سوريا، فان العودة ستكون محفوفة بمخاطر العوز وعدم إيجاد عمل في ظل الغلاء وانقطاع الأساسيات في الحياة من ماء وغذاء وكهرباء وتدفئة. هذا إضافة لمجمل قوانين أصدرها النظام السوري تجعلهم حريتهم مقيدة في التصرف بما بقي من أملاكهم، التي يحتاج التعامل معها الى موافقات أمنية، لا يضمنون أنهم سيحصلون عليها، هذا إذا لم تكن هذه الأملاك مشمولة بقوانين إعادة الاعمار مثل القانون رقم (10) سيء الصيت.

قد تختلف الرغبة في العودة بين لاجئ وآخر، وذلك يرتبط بما استطاع تحصيله في لجوئه، فتختلف بين من يعيش في المخيمات، أو بين من استطاع تأمين مستقبل له ولأولاده. ولكن قطعاً لم يخطئ رأس النظام عندما أعلن أن الكثير من اللاجئين يتمنون العودة، ولكن الموضوع لا يتعلق فقط بالرغبات، ففي ظل تحديات العودة وصعوباتها التي ذكرناها آنفاً، تبقى إمكانيتها مرتبطة بحل سياسي شامل في سوريا يستند على القرار الدولي ٢٢٥٤ والقرارات ذات الصلة، مما دفع الكثير من المعارضين الى تفعيل هاشتاغ “العودة تبدأ برحيل الأسد”. قد يكون هذا القرار ترفاً لبعض اللاجئين وخصوصاً في دول الجوار، الذين يعيشون ظروف إقامة سيئة قانونياً واقتصادياً، والذين قد يدفعون للعودة قسرياً، ولكن على المجتمع الدولي الذي رفض هذا المؤتمر، وبالأخص أمريكا وأوربا، الضغط على النظام السوري وحلفائه، وعلى دول الجوار، ودعم دول الجوار حتى لا تفرض على اللاجئين عودة إجبارية. كما عليه مراقبة تركيا- والتي لم تدع الى المؤتمر اساساً- والضغط عليها، كي لا تستمر باستغلال اللاجئين كورقة ضغط في بازارها السياسي.

نحن في تيار مواطنة وإن كنا نرى أن من حق الجميع العودة الى سوريا وطنهم الأم، لكنا نرى أن هذه العودة يجب أن تكون طوعية وآمنة وألا تكون قسرية، وذلك لا يتحقق إلا بحل سياسي شامل أو البدء به وفق القرارات الدولية، ونرى أن اللاجئين يجب أن لا يكونوا أبداً ورقة سياسية يلعب بها ويستغلها المتصارعون، فحياة الانسان هي القيمة الأعلى، ومصلحته هي ما يجب دوماً مراعاتها.

تيار مواطنة

المكتب الإعلامي 18 تشرين الثاني/ نوفمبر 2020

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

اترك رداً