320 views

روسيا والنظام.. تركيا والائتلاف ولعبة التسوية

 

لكي نجد تفسيراً مقنعاً- لقرار الائتلاف الأخير حول إنشاء هيئة عليا للانتخابات- وبدون أن نقبل بالتعاطي بأي شكل من الأشكال مع الموضوع بطريقة الانتقام أو الضغينة أو سوء الظن فإننا سنبحث عن القاسم المشترك الذي يجمع تلك الأطراف المذكورة؛ تركيا والائتلاف من جهة، وروسيا وإيران والنظام من جهة ثانية. وبعد البحث عن تفسير لذلك التوافق لم نجد سوى “الوجود العسكري الأمريكي” في الجزيرة السورية الذي يضغط على تلك الأطراف إلى درجة إصابتها بالشلل، وعدم القدرة على الفعل أو إيجاد المنافذ خارج هذا المأزق؛ ولنتابع:

فالأتراك يرون أن الأمريكيين يشلون قدرتهم على إنهاء الملف الكردي في سوريا كما يرغبون، ويدفعون مقابل ذلك الفصائل الإسلامية لمواجهة مع قسد في كل مناطق الاحتكاك من جهة أولى. ثم يسعون من خلال ورقة الفصائل والائتلاف ضمان وجود تركيا في سوريا المستقبل من جهة ثانية. ويفهم الأتراك جيداً أن هذا الحل الذي يضمن دوراً مركزياً للإسلام السياسي في سوريا المستقبل من وجهة نظر تركيا الأردوغانية من المستحيلات بوجود أمريكا في سوريا.

أما الائتلاف- كممثل لهذه الفصائل ولتيار الإسلام السياسي- فيجد نفسه مغلول اليدين من جهة النفوذ السياسي في مستقبل سوريا كما أنه عاجز عن التوسع على حساب الكرد في الجزيرة السورية بسبب الوجود الأمريكي.

على المقلب الآخر، يحاول الروس جاهدين تعويم النظام عبر حلول من خارج جنيف، ولا يخفون رغبتهم في المباشرة بإعادة الإعمار كحل لمشكلة النظام الاقتصادية ثم يجدون أمامهم الرفض الأمريكي على طول الخط لأي مسار خارج جنيف.

أما الإيرانيون فيواجهون يومياً خطر تصفية وجودهم في سوريا والعراق ولبنان من خلال السياسات الصارمة والواضحة المعادية جبهياً للوجود والتوسع الإيرانيين في المنطقة بالإضافة إلى برنامجهم النووي.

وتظل معاناة النظام الحادة من الوجود الأمريكي، عسكرياً وسياسياً واقتصادياً، وبالمحصلة التهديد الحقيقي لاستمراه، هي المعاناة الأشد من بين الأطراف السابقة، ويبدو ألا سبيل أمامه إلا بمواجهته والاستعانة بأي طرف للصمود في وجه هذا الدور الأمريكي، شريطة ألا يقوده إلى جنيف.

هل تعني تلك المقدمة أن الائتلاف- على الأقل في جزئه الإسلامي المهيمن داخل الائتلاف والذي يمكن اعتبار قيادته في الرئاسة وأمانة السر الممثلَين الأبرز لهذا التيار- عبر وكيله التركي قد وصل إلى أي تسوية مع النظام عبر وكيله الروسي؟

لا يمكن الجزم بذلك، كما لا يمكن الجزم بعكسه، والأرجح أن النظام والائتلاف يتقاسمان كما أسلفنا العداء للوجود الأمريكي والمخاوف نفسها من الدور الكردي في سوريا المستقبل والحالية، لذلك قد يكون من حسن الظن إبراز هاتين النقطتين المشتركتين بين النظام وعدوه المفترض والحقيقي-حتى الآن- الائتلاف، وخاصة أن وكيلي الطرفين- روسيا وتركيا- يتشاركان أيضاً نفس العداوات والمخاوف إلى حدّ ما.

قد يشكل التغير الأخير في الإدارة الأمريكية نقطة أمل لجميع هؤلاء في تغير هذا الوجود- الدور في سوريا وجوارها، وبالتالي يصبح من حسن الظن أيضاً القول أن تركيا بتوافق مع روسيا قد طلبتا من الائتلاف والنظام التفكير جدياً بمصالحة أو بتسوية تحفظ دوراً سياسياً مركزياً حاسماً للطرفين- قد تكون على طريقة مناطق النفوذ- في مستقبل سوريا، بينما نرجح أن يكون من سابع المستحيلات الحصول على هذا الدور في ظل سيطرة الولايات المتحدة الأمريكية على هذا الحل- التسوية وطريقة تعاطيها مع جميع الملفات في سوريا وإيران والعراق ولبنان. ويبقى أن نشير إلى نقطتين لا يمكن إغفالهما في موضوع إنشاء هيئة عليا للانتخابات على الطريقة الائتلافية؛ الأولى آلية اتخاذ القرار من قبل قيادة الائتلاف وعدم عرضه على الهيئة السياسية ناهيك على الهيئة العامة، وبالتالي هل كان المطلوب تمرير هذا القرار بدون العودة إلى القوى والشخصيات التي لا تعتبر موثوقة من قبل الجانب التركي وأنها يمكن أن تشكل معارضة لهذا القرار وما قالته بعض شخصيات الائتلاف عن القرار وإدانتهم لآلية اتخاذه يدلل على ذلك. والثانية هي ردّات الفعل العنيفة على قرار الائتلاف بطريقة التخوين والعنف اللفظي وكأن هؤلاء المهاجمين، ومعظمهم ينتمي إلى منظمات شكلية وشخصيات من محبي ركوب أمواج الشعبوية، قد تفاجؤوا بآليات عمل الائتلاف وبتبعية قرار قيادته لتركيا وقطر.. الخ فهل أصبح العمل على البدائل الوطنية مقتصراً على شاشات التواصل الاجتماعي وبطريقة الشتم والتخوين أم أن العمل الجاد يجب أن ينطلق من الوقائع القائمة والسعي لعزل قرار الائتلاف عن القرار التركي، والضغط على المجتمع الدولي عبر جبهة وطنية عريضة لتنفيذ القرار 2254 ومتعلقاته؟!

إننا في تيار مواطنة نظن أن هذا القرار لم يكن أكثر من محاولة بائسة من قبل الأتراك والروس لتحريك ملف التفاوض تحت الطاولة لطالما كان طريق جنيف سيؤدي إلى تغيير النظام في مآله الأخير وإلى دستور مغاير لما ترجوه تركيا وإلى خسارة حلفاء النظام والائتلاف لامتيازاتهم في سوريا وسقوط مشاريعهم الإمبراطورية.

ويمكننا أن نضيف بضع كلمات حول آليات عمل الائتلاف واتخاذ القرار، فقد ثبت حتى الآن أن جميع هذه القرارات تتخذها قيادته منفردة، ومعظمها يكون بطلب تركيا أو بموافقتها على الأقل، وبالتالي فقد صار بمقدورنا القول: ما لم يقطع الائتلاف هذه العلاقة أو أن يحد من تدخل الأتراك فإن مشروعيته ستنحصر في تمثيله للإسلام السياسي المتحالف سياسياً وعقيدياً مع تركيا وأنه لا مكان أو دور للقوى الديمقراطية السورية في هذه التركيبة سوى لعب دور المتفرج السلبي.

تيار مواطنة

المكتب الإعلامي 29 تشرين الثاني/ نوفمبر 2020

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة