82 views

حزب الله: من احتكار الوطنية إلى استبداد الأمر الواقع

تزامن اغتيال “لقمان سليم” مع إصدار المحكمة البلجيكية الحكم على ديبلوماسي إيراني بالتخطيط لارتكاب جريمة إرهابية هي تفجير مقر منظمة “مجاهدي خلق” في باريس أثناء المؤتمر السنوي للمنظمة. ومنذ عدة أشهر، وبعد خمسة عشر عاماَ على ارتكاب الجريمة، أصدرت المحكمة الخاصة باغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري حكمها على أربعة أشخاص، جميعهم من المنتمين لحزب الله، ويرفض حزب الله تسليمهم، والخامس كان فد قتل فأسقطت التهم الموجهة إليه.

إن عملية اغتيال الشخص المتعدد الكفاءات ” لقمان سليم” استحضرت ارتباط جميع عمليات الاغتيال السابقة في لبنان، والتي يجمعها خيط واحد واضح جداً هو كون الضحايا معارضين لنفوذ حزب الله وداعميه الإقليميين سورية وإيران؛ فحزب الله قبل الانسحاب السوري من لبنان عام 2005، مثلما بعده، هو الطرف المحلي المنفذ لسياسة هذا الحلف بل الذي يأخذ على عاتقه كل المهام من التحضير إلى التنفيذ إلى المسؤولية السياسية.

منذ أن رسخ حزب الله وجوده بعد دوره في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي فقد نُسبت إليه عدد من جرائم الاغتيالات ومحاولات الاغتيال  لخصومه وخصوم حلفائه، والتي نادراً ما نجا أحد منها مثلما نجا مروان حمادة ومي شدياق، لكن بإصابات شديدة، بدأت المحاولات باغتيال سهيل طويلة وحسين مروة ومهدي عامل عامي 1986 و1987 ومجموعة من قيادات في الحزب الشيوعي اللبناني، مروراً بموجة اغتيالات 2005 بعد اغتيال الحريري، التي ضمت سمير قصير وجورج حاوي وجبران تويني ثم الاغتيالات المتعلقة بمتابعة ملف الحريري: فرنسوا الحاج ووسام العيد ووسام الحسن ومحمد شطح، وصولاً إلى اغتيال لقمان سليم.

طالت الاغتيالات السابقة شخصيات من كل الطوائف اللبنانية، وفي لبنان لا يمكن إهمال الأصل الطائفي حتي لو كان المعني علمانياً. أما الموجة الأولى فقد اهتمت أكثر باغتيال شخصيات شيعية فكرية وسياسية هامة وأيضا شخصيات من طوائف أخرى لكن ما يجمعها هو انتماؤها اليساري الشيوعي، هذا الانتماء واسع الانتشار ضمن الطائفة الشيعية، قبل وجود حركة أمل وحزب الله، فأهمية هذا المنافس لا تأتي فقط من توجهه الإيديولوجي بل أيضاً من توجهه السياسي، من اهتمامه بالمسألة الوطنية اللبنانية ومن كونه صاحب إطلاق المقاومة المسلحة بوجه الاحتلال الإسرائيلي، وبعد خروج المقاومة الفلسطينية من لبنان، حليفة وشريكة اليسار الوطني اللبناني، تمت المصادرة الكاملة للقضية الوطنية ولجغرافيتها ولأدواتها بل و تماهت هذه القضية مع مصلحة الحلفاء الإقليميين. ولم يكن أمام اللبنانيين، إذا كانوا يرغبون بالحفاظ على حيواتهم، إلا الخنوع، والامتنان لمن يعتقدون أنه حرر الأرض.

الجميع تقريباً، خصوماً وحلفاء، كان يعتقدون أن حزب الله وراء هذه الاغتيالات، لكن لا أحد يمتلك الدليل، وفي ظل التركيبة اللبنانية لا يمكن لقضاء مستقل أن يقول كلمته، فالكلمة النهائية للموقف السياسي وللداعمين الإقليميين، ورغم ذلك استمر بعض المعارضين، ومن الطائفة الشيعية، في إعلان مواقفهم، بل إن الشارع الشيعي المتململ شارك بشكل واضح في التظاهرات التي شهدها لبنان منذ 17 تشرين الأول 2019، وفي دعم شعار” كلن يعني كلن”، تلك التظاهرات التي توقفت بتأثير عدة عوامل عديدة لسنا في صددها الآن.

وهكذا استحال الرصيد الوطني، بمعنى العلاقة مع الخارج، إلى نفوذ سياسي يتم توظيفه في الداخل، بل وتم استخدام هذا الرصيد كنفوذ عسكري، تم بواسطته إخضاع وإذلال بيروت الغربية التي هي ليست تقليدياً من مناطق نفوذ حزب الله، مع أن ذريعة القتال الوطني بقيت مقتصرة على قضية ليست ذات أهمية كبيرة وهي مزارع شبعا، وهي موضع خلاف حول لبنانيتها أو سوريتها، استطراداً فإن الكثيرين من الذين اعتقدوا أن نصر الله مستعد لقتال إسرائيل من أجل مساعدة الفلسطينيين قد غيروا حساباتهم.

وإذا عدنا للسياسة، وفي تعبير جلي عن براغماتية تتناقض مع ادعاءات الصوفية الوطنية والنزاهة والوضوح، فإن طرفاً سياسياً مثل العماد عون الذي كان العدو رقم 1 للنظام السوري، تحول إلى حليف إلى حزب الله لأن هذا التحول وحده هو الذي يسمح له بالوصول للرئاسة اللبنانية بدعم من حزب الله، بالترافق مع إعادة هيكلة خطابه السياسي ليتناسب مع تحالفاته الجديدة.

الرصيد الوطني لحزب الله بطل التحرير أصبح من “المسبقات” في الذهن العربي ومن النادر أن تجد من يجادل فيه وذلك، رغم كل ما سببه ليس فقط لخصومه بل أيضا لمؤيديه، عندما اختطف الحزب جنديين إسرائيليين في تموز 2006 وردت إسرائيل بشن حرب مدمرة على مناطق نفوذ الحزب جعلت نصر الله يقدم اعتذاراً مبطناً لقاعدته الشعبية الطائفية، بالقول أنه لو كان يعلم بحجم رد الفعل الإسرائيلي لما أمر بخطف الجنديين.

بالطبع هنا لابد من الإشارة أن نفوذ حزب الله في الطائفة الشيعية ليس مكتفياً، ولا يمكن له أن يكتفي بقوة الانتماء الديني الشيعي بل يعتمد على مؤسسات الدعم الاجتماعي والمالي، التي تشكل دولة مصغرة، وهذه الدولة ممولة تماماً من دولة أخرى هي إيران، وهو أمر لا يخفيه نصر الله بل يتباهى به في تعبير إيماني ذو طبيعة طائفية، وبوضوح سياسي يحسد عليه، في أن كل ما لديهم من أموال وأسلحة هو من إيران.

بقي رصيد حرب الله قوياً ومنتشراً حتى اندلاع الربيع العربي وخاصة في سورية، وحينها تعرى الخطاب الخاص بحرب الله، ليس فقط في سورية بل في المنطقة كلها، وتدخل الحزب في سورية بحجة الدفاع عن مرقد السيدة زينب، التي في جميع الأحوال لم تكن في خطر أبداً، لكن الذي كان في خطر، في حال سقوط النظام الاسدي، هو طريق الإمداد من إيران، الذي يهدد قطعه بانهيار مقومات دولة حزب الله في لبنان عسكرياً واقتصادياً وبالتالي تراجعها سياسياً، وكان لابد، من أجل دعم نظام يعرف نصر الله فساده جيداً، من استحضار قضية كبيرة، فكان استحضار الصراع الشيعي السني من التاريخ، واستخدامه سياسياً في مجتمعات لم تصل بعد إلى مرحلة الاندماج الوطني .

وفي جميع الأحوال لم تكن سمعة حزب الله المالية، عالمياً ومحلياً، في أحسن أحوالها فقد ثبت تورط الكثير من عناصره في عمليات غير مشروعه لتهريب الحشيش، لتمويل الحزب، وأحيل بعضهم للمحاكم لكن دورهم لم يكن ممكنا التخلي عنه أمام تردي الوضع الاقتصادي الإيراني الذي يعاني من الحصار.

إن مواجهة محتل تعطي لأي حزب مشروعية، ليست فقط محلية بل عالمية، لكن التورط بأعمال ذات طابع إرهابي جعل الدول تعيد تقييم موقفها، فبعضها صنف الحزب إرهابياً وبعضها اكتفى بتصنيف جناحه العسكري فقط إرهابياً.

كان المزاج الشعبي في سوريا متجاوزاً لثنائية شيعي/ سني وللحساسية الطائفية عموماً قبل 2011، لكنه انطلاقاً من الدور الذي لعبه حزب الله في دعم النظام السوري في المواجهة المبكرة للثورة السورية السلمية وقبل التحول للعسكرة، والذي فعل ما لم تفعله الأنظمة العاجزة، فقد تحول إلى اعتبار الحزب وداعميه عملاء للغرب أو لإسرائيل.

الأهم من أن حزب الله وطني أو غير وطني هو وجود رصيد داخلي كبير له عند الشريحة السكانية الأكبر في لبنان، ولكن انتهاء الرصيد العسكري داخلياً، سيعني عودة التنوع السياسي داخل الطائفية الشيعية في لبنان، يعني العودة إلى الحالة المجتمعية الطبيعية حيث جميع الطوائف فيها انتماءات متعددة، بينما حالياً يقتصر دور حزب الله على تمثيل الشيعة وينازعه على ذلك جزئياً حركة أمل التي تشاركه نفس الخطاب الإيديولوجي لكنها أضعف منه وأقل دينامية ولا تتحداه، لذلك هي تستطيع الاستمرار معه وبوجوده، بعد انتهاء الصراع العسكري بينهما، الذي استمر حوالي عامين 88-90، وليصبح بعدها حزب الله هو الطرف الأقوى مع بقاء حصة سياسية لحركة أمل.

إن جميع الاغتيالات السياسية التي نفذها حزب الله هدفها إرهاب المجتمع والخصوم السياسيين، والمحافظة على التماسك داخل الطائفة، التي هي مصدر الشرعية التمثيلية للحزب، ويبدو أن الخوف من اصطفافات سياسية جديدة على أساس قضايا مجتمعية كالديموقراطية والفساد والمواطنة كمقياس لوطنية الحزب، بديلاً عن دعم التمثيلات الطائفية والعداء الصريح للتغيير نحو مفهوم الدولة الضامنة لمواطنيها، كان أيضاً وراء الاغتيالات للناشطين/ات والصحفيين/ات في العراق، من قبل أطراف مشابهة لحزب الله اللبناني.

أخيراً إن اللجوء للقضاء، عند حدوث جريمة، وعدم إصدار أحكام قبل انتهاء التحقيقات، يبدو صحيحاً في الجرائم غير السياسية، وفي شروط وجود نظام قضائي، ليس فقط عادلاً ونزيهاً بل يتمتع بحماية الدولة، أما في الجرائم السياسية، كالتي تحدثنا عنها، فإن طروحات من مثل من المستفيد، ويجب الانتظار حتى نهاية التحقيق، وربما الترويج لفكرة وجود طرف ثالث “يريد إيقاع الفتنة”، كل ذلك إن لم يكن دفاعاً مستتراً عن الجريمة فهو مجرد إضاعة للوقت.

تيار مواطنة

مكتب الإعلام 10 شباط/ فبراير 2021

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

اترك رداً