3 views

التقرير السياسي الرابع تيار مواطنة 11/8/2012

التقرير السياسي الرابع 11/8/2012

لقد شهدت الثورة خلال الشهور الثلاثة الأخيرة تطورات هامة، وبخاصة في الأسابيع القليلة الأخيرة وعلى الرغم من استمرار ما أسميناه سابقة “المرحلة الرمادية” –جزئياً على الأقل- فإن التطور تجاوز ذلك في الاتجاه العام نحو مرحلة يمكن تسميتها “مرحلة الاستنزاف” وبداية معركة كسر العظم بين الثورة الشعبية والسلطة-الطغمة، نقول مرحلة “استنزاف” وبداية أخرى فقط لا أكثر من ذلك، على الرغم من الأهمية الكبيرة لانفجار مكتب الأمن القومي، لما لذلك من تأثير سلبي غير قابل للإنكار على معنويات السلطة وكل ملحقاتها، من جيش وأمن وحزب وإدارة وحلفاء ومؤيدين. فالرمزية والثقة والهيبة التي كانت تحظى بها خلية الأزمة من الصعب تجسدها في بدائل أخرى حتى لو كانت أكثر قسوة ووحشية، وحتى لو حاولت السلطة –وهي تحاول بالتأكيد- استعادة زمام المبادرة وتغطية نقاط ضعفها التي أظهرها وسيكرسها الانفجار، وبخاصة لأن الحدث تم استثماره بشكل صحيح معنوياً وسياسياً وميدانياً في خندق الثورة، ولقد أظهرت معركة حلب أن الثورة جديرة بهذا الاستثمار.

نترك جانباً الآن معركة دمشق التي كانت في جوهرها عبارة عن “بروفا” لمعركة الحسم القادمة وسيستخلص الثوار من جوانبها السلبية والإيجابية العبر الضرورية للمستقبل في المكان والزمان والاستراتيجية، ونحن نرجح أنهم قد فعلوا ذلك بهذا القدر أو ذاك، وبخاصة لأن كلتا المعركتين –وبخاصة حلب- لم تصل بعد إلى مآلها الأخير. على صعيد آخر، شكل احتلال المعابر الحدودية حتى لو تم التخلي عنها في اليوم التالي ضربةً موجعةً بحق لمفهوم السيادة – نقصد بالطبع سيادة السلطة لا الدولة، لأنه لا دولة بالمعنى الخاص لمفهوم الدولة في سورية.

وفي الشمال الشرقي والشمال والشمال الغربي تطورات شكلت هي الأخرى ضربة لهيبة السلطة وفتحت الباب على احتمالات داخلية وخارجية ليست لصالح السلطة من الناحية الرئيسية حتى لو كانت هي ذاتها وراء ما حدث، بالطبع دون أن ننسى أن ثمة احتمالات لمفاعيل سلبية على الثورة نفسها –مهما تكن افتراضية- وسوف نقوم لاحقاً في هذا التقرير بالإشارة إلى هذه المفاعيل المحتملة.

إن التطورات التي جئنا على ذكرها –على الرغم من أهميتها- لا تختزل الصيرورة على الأرض، ففي كل أنحاء سورية هناك ما يدفع إلى القول: إن الثورة تندفع في المحصلة العامة إلى ذروة أخرى من ذرى الصراع، لا بل إنها تنجح في تحقيق بعض المكاسب المعنوية والسياسية والميدانية، فالتطورات كانت بشكل عام في صلب بعثرة قوى النخبة السلطوية بين عشرات المواقع الميدانية –إن لم نقل أكثر- الأمر الذي خفف الضغط الخانق الذي كانت تعاني منه مدن ومناطق كثيرة، وتوجيه ضربة ملموسة لمفهوم المركزة والسيطرة ميدانياً وقيادياً، تمهيداً لما يمكن تسميته مستقبلاً “جيوش السلطة” بدلاً من جيشها، وهو هدف استراتيجي في الصراع يستحق العمل في سبيله بكل الوسائل.

في السياق نفسه، ليس خافياً على أحد أن المعركة المفتوحة في حلب وريفها وإدلب، وربما في مناطق أخرى في الشرق والشمال الشرقي، تهدف– فيما تهدف إليه- إلى انتزاع منطقة محررة آمنة شبه دائمة –إن لم نقل دائمة- تشكل مدخلاً إلى الملاذات الآمنة، وإلى تعزيز نفوذ وقوى الثورة سياسياً وعسكرياً وجغرافياً واجتماعياً، كما يمكن أن تكون من بين أمور أخرى حافزاً على تحقيق نقلة نوعية في مفهوم الانشقاق، بمعنى تحوله من الحالة الفردية والفئوية والخَلاصيَّة إلى حالة الانقسام العسكري الفعلي الجمعي لوحدات بكاملها أو بأجزاء رئيسية منها وخاصة من تلك التشكيلات العسكرية شبه المهمشة أو غير الموثوق فيها، بما في ذلك سلاحها المتوسط والثقيل، ونحن نعتقد أن النقلة نفسها ستحدث في الحقلين السياسي والإداري، وربما كانت بدايات ذلك مرئية اليوم، وسوف نعود في سياق هذا التقرير إلى دراسة الآثار الأخرى لهذا الانقسام المحتمل.

على الصعيد السياسي، لا معنى كبير للدخول في تفصيلات المؤتمرات الصديقة للشعب السوري، العربية والدولية التي عقدت، الرسمية منها وغير الرسمية، بما في ذلك الاجتماع الأخير لمجلس الأمن لأنها لا تزال بعيدة عن لحظة الحسم، وبخاصة بسبب الموقفين الروسي والصيني. نقول ذلك على الرغم من بعض التقدم الذي حصل في كل مكان، وبخاصة في اجتماع الجامعة العربية في الدوحة والجمعية العمومية للأمم المتحدة في نيويورك. ومن المرجح أننا سوف نمضي بعض الوقت القادم في السياق المذكور، وإن يكن من المنتظر أن يكون العالم بأكمله في غضون بضعة أسابيع أمام استحقاقات لم يعد من الممكن الالتفاف عليها، بل الالتفاف بدلاً من ذلك على مجلس الأمن ذاته.

ومن اللافت للنظر هنا تصريح الناطق الرسمي باسم الخارجية السورية حول الأسلحة الكيماوية والجرثومية، الذي استدعى تركيزاً واضحاً دولياً وإقليمياً وعربياً عليها، وهو تصريح يمكن فهمه على أنه تهديد سافر موجه من قبل السلطة السورية ضد تدخل دولي متوقع ، كما يمكن فهمه بوصفه تعبيراً عن حالة من الإحباط المعنوي بعد التطورات الأخيرة، بما في ذلك درجة من الإرباك والتخبط، وبخاصة إذا ثبت نقل هذه الأسلحة إلى أماكن حدودية، وفي كل الأحوال من الصعب تصور قيام السلطة بخيار الاستخدام –على الرغم من استعداده الذاتي لذلك- لأنه خيار مجنون بكل معنى الكلمة، إن لم نقل انتحاري، بالإضافة إلى طابعه الإجرامي أخلاقياً وإنسانياً وسياسياً، بل واجتماعياً، وسوف نعود إلى الأمر في سياق لاحق.

ومما يلفت النظر أيضاً تصريحات بعض المسؤولين الإيرانيين الكبار بأن حلفاء السلطة –ومنهم إيران طبعاً- لم ينزلوا بعد إلى الميدان- على الرغم من أنهم نزلوا إليه بأشكال مختلفة منذ زمن بعيد وبخاصة إيران وحزب الله- وأنهم سوف ينزلون عند الضرورة ولن يسمحوا بإسقاط السلطة، وبدرجة أدنى –وإن تكن موحية- جاء تصريح الروس المحذر من مجيء سلطة أكثر تشدداً من الأسد في حال سقوطه.

لنا الحق أن نقول– والحال هذه- إن بضعة الأسابيع القادمة سوف تشهد استعداداً واضحاً لسورية بدون الأسد أو به –حسب كل طرف- وإن المسرح يجري إعداده من أجل ذلك بالتزامن مع استقالة كوفي عنان من مهمته، هذه الاستقالة التي تؤشر بشكل واضح على استعصاء ما يمكن تسميته الحل السياسي-السلمي، وعلى الرغم من أن بعض الدول والأطراف والقوى السياسية سوق تلوم الطرفين أو المعارضة على انسداد الأفق هذا فإن الغالبية العظمى من الدول العالمية والعربية والشعب السوري ومعارضته سوف تشير بإصبع الاتهام إلى السلطة-الطغمة بصفتها المسؤول الأول والأخير عن ذلك، وعندئذٍ ألا يصبح التعويل على الحل المذكور –الذي كان مفهوماً جداً في البدايات- بيعاً للأحلام والأماني الطيبة؟ لا بل إننا نعتقد أنه كان كذلك في الأصل، الأمر الذي يضعنا –شئنا ذلك أم أبينا- أمام الخيارات المرّة، ولا يعود أمامنا إلا اختيار أهون الشرور، إذ يصعب تصور بدائل من طبيعة أخرى على الساحة السورية اليوم.

وما دام الأمر كذلك، يصح القول إنه لا معنى إيجابياً يذكر في البحث عن بديل لكوفي عنان، لأن المشكلة في الأصل هي مشكلة السلطة-الطغمة وحلفائها في الداخل والخارج، الأمر الذي يجعل كل مهمة سلمية ميتة سلفاً لافتقارها إلى القوة الفعلية الكفيلة وحدها بجعل النقاش ذا معنى دون أن يعني ذلك نجاحها أبداً.

واستكمالاً لما تم الحديث عنه قبل قليل، تنبغي الإشارة إلى ارتفاع الصوت العالمي والعربي بخصوص الأسلحة الكيماوية والجرثومية جنباً إلى جنب مع ما يشاع عن الاستعدادات الأمريكية والإقليمية والعربية لوضع اليد عليها للاطمئنان التام على عدم وصولها إلى بعض الأيدي المتطرفة، وهو الأمر الذي قد يقدم ذريعة لشكل نوعي من التدخل العسكري، كما يزيح أحد أهم أوراق السلطة في مواجهة التدخل الفعلي عندما يصبح ذلك أمراً لا مفر منه.

وعلى صعيد آخر، يبدو أن ما يشاع عن دعم سرّي أمريكي للمعارضة يجيء في سياق الانزياح النسبي عن التركيز على الحل السلمي ومهمة عنان وبيان جنيف –الذي كان الديدن حتى الآن، وهذا الانزياح شكل من أشكال التصعيد السياسي –إن لم نقل أكثر- ويترافق ذلك مع المشروع السعودي العربي الذي تجاوز مجلس الأمن وقدّم للجمعية العامة للأمم المتحدة والذي حصل على ثلاثة أرباع أصوات الحضور، والمشروع هذا وعلى الرغم من رمزيته وعدم إلزامه، له معنى كبير بحق ويشكل ما يمكن تسميته “بروفا” ناجحة لمشروع قادم قد يقوم على الإلزام وفقاً لمبدأ التحالف من أجل السلام والذي يشار إليه عادة بالمادة أو القرار /377/.

وفي كل الأحوال، وعلى الرغم من أن المشروع السابق لا ينص صراحةً على تنحي الأسد، فإنه يحيل إلى ذلك بشكل غير مباشر، وهو بهذا المعنى محاولة لكسب الرأي العام العالمي، وقد كسبه إلى حد كبير، لتأييد قرار الجامعة العربية الذي اتخذ في الدوحة والذي ينص على تنحي الأسد وقيام مرحلة انتقالية بعده. إن نجاح المشروع السعودي العربي بهذه النسبة العالية من الأصوات سوف يكون له انعكاسه على الموقفين الروسي والصيني، مشكلاً لهما ولتحالف بريكس المهم المزيد من الإحراج إن لم نقل العار وسوف تكون مواجهة هذا الضغط المعنوي إلى ما لا نهاية غير سهلة، وإن كنا لا ننتظر المعجزات.

وفي سياق البحث العميق في المرحلة الانتقالية –ما بعد الأسد- وربما لأسباب أخرى، طرحت فكرة حكومة مؤقتة أو انتقالية أو حكومة منفى أو… الخ، وبدا كما لو كنا بحاجة إلى ذلك لتتفاقم الخلافات في المعارضة، ولتصعد إلى السطح الرائحة الكريهة للتهافت الذاتي لبعض التيارات والشخصيات الوطنية، وبدا أن هناك بازاراً للفقر المعنوي والأخلاقي والسياسي يصعب إخفاؤه تحت ستار الشعارات الغيورة على مصلحة الشعب والوطن والثورة.

إن تيار مواطنة، إذ يعتقد أن حكومة مؤقتة –أو أياً يكن اسمها- هي ضرورة من حيث المبدأ والمنطق مثلما يمكن أن تكون ضرورة عملية في لحظة من تطور نضالات الشعوب، نقول إذ يعتقد ذلك فإنه يجد من الصائب عدم تقليد أي تجربة تاريخية، وإن يكن من الضروري الاستئناس بكل تجربة، وذلك ببساطة لتباين الظروف واختلاف السياق التاريخي، كما يعتقد أن مثل هكذا حكومة قد تكون ضرورية من أجل نزع شرعية السلطة-الطغمة بالكامل من خلال شرعية بديلة كاملة وهو ما عجز عنه المجلس الوطني السوري وسائر أطياف المعارضة حتى اليوم لأسباب ذاتية وموضوعية داخلية وخارجية على حد سواء. والشرعية المذكورة ضرورية أيضاً من أجل التواصل والدعم من قبل المجتمع الدولي والإقليمي والعربي، ومن أجل كسب شرائح وأطياف اجتماعية أخرى في الداخل لصالح الثورة، بل ربما كانت هذه الحكومة بديلاً لكل الائتلافات القائمة بوصفها الكيان الناطق باسم الشعب السوري وانتفاضته وبوصفها المرجع السياسي المخوّل بأي قرار أو اتفاقات أو… الخ.

والآن إذا كان ما سبق هو بعض إيجابيات هذه الحكومة فإننا نزعم أن لها ما يكفي من السلبيات الواقعية والتي من بينها:

1-      تعميق الخلاف الموجود أصلاً بين أطراف المعارضة التقليدية والذي هو وليد عقود من السنين والرؤى المختلفة لا وليد البارحة أو الماضي القريب.

2-     تعميق الخلاف- إذا كان موجوداً- واستيلاده إذا لم يكن- داخل المعارضة بين جناحها المسلح والجناح السياسي في الداخل والخارج، وهو أمر بغاية الخطورة.

3-     تفاقم النزعات الذاتية والطموحات المفرطة المغطاة بأطهر الكلام، وربما كان في هذا التفاقم نسغ إيجابي إذا أدى إلى اختناق أو احتراق بعض الأطراف والشخصيات المتزاحمة تزاحم الذباب على العسل.

4-     إمكانية انتشار وباء الخلاف، بل حتى التمترس داخل التنسيقيات الفاعلة على الأرض.

5-     إمكانية أن تكون الحكومة محاولة للالتفاف على الخلافات- وهذا سعي قد يكون مشكوراً- ولكن الطامّة هي في أن هذه الحكومة ستتألف من الأطراف المعروفة للجميع في النهاية والتي عجزت عن الاتفاق المطلوب بدون حكومة فكيف ستكون الحال والسلطة تلوح في الأفق. إن استيلاد حكومة تحظى بالشرعية والقوة الفعلية لقيادة الشعب السوري وانتفاضته- والحال على ما ذكرنا- قد يكون مخاضاً عسيراً.

6-     أخيراً ليس من باب الفوبيا النفسية القول: إن مشروع الحكومة قد يكون محاولة لسحب البساط من تحت المجلس الوطني السوري ومن القوى الفاعلة على الأرض- السلمية والمسلحة- وتنصيب حكومة قد تكون جيدة ومرضياً عنها عالمياً وعربياً وإقليمياً، ولكنها تفتقر إلى القوة والحضور على الأرض السورية. لكل ما سبق يعتقد تيار مواطنة أن الحكومة المنشودة ليست مناسبة اليوم، وحسناً فعل المجلس الوطني السوري وغيره من حيث التريث ودراسة الأمر بعمق وبروية وهدوء وفي كل الأحوال يصعب تصور هكذا حكومة بدون دعم الحراك الثوري على الأرض والجناح المسلح للثورة والمجلس الوطني السوري وهيئات المجتمع المدني وستكون الطريق ممهدة بحق أمام هكذا حكومة عندما يتم انتزاع أرض من السلطة تشكل إقليماً محرراً بشكل دائم لا عابر، قادر على الصمود وتشكيل ملاذ آمن وقاعدة انطلاق، ومقر للقيادة المنشودة وتهيئة المناخ الضروري لها لإخراجها من حيّز الممكن إلى حيّز الفعل.

وبالعودة إلى الأرض وما يجري فيها وعليها فإن التطور الأهم في الأسابيع الأخيرة على أهمية كل ما جرى قبل ذلك- هو معركة حلب ولذلك ليس مصادفة أن تكون كل الأنظار مصوبة على حلب، ولا داعي هنا للدخول في الأسباب الجغرافية والاجتماعية والسياسية والعسكرية التي تجعل من معركة حلب ما هي عليه، بل المهم دلالتها وتداعياتها المحتملة في المستقبل على كل الصعد وعلى كل الأطراف.

ربّ قائل: ما سبق صحيح في حال انتصرت الثورة، وانتصر جناحها المسلح في حلب، لكن ما الحال إذا لم يحصل ذلك؟

بعيداً عن الإطلاق يمكن القول: إن معركة حلب وريفها أيّاً يكن مآلها العسكري المباشر فإنها ستشكل على صعيد التداعيات بداية مرحلة جديدة وبخاصة على الصعيدين العسكري والسياسي اللذين شهدنا بعضاً من ملامحهما حتى قبل أن تأخذ معركة حلب شكلها الرئيسي ناهيك عن مآلها الأخير، وقد يكون الدليل على ذلك انشقاق رئيس مجلس الوزراء وخروجه من البلاد، أما على الصعيد العسكري فإن من المرجح أن تبدأ صيرورة الانقسام- لا الانشقاق- وقد أشرنا إلى الفارق بينهما في ثنايا هذا التقرير الأمر الذي سيكون له آثار إيجابية جداً على صيرورة الثورة وبخاصة على جناحها المسلح وعلى الأصعدة كافة بدءاً من بنية هذا الجناح وانتهاء بمضمون وشكل تطوره مروراً بالقيادة والتنظيم والسلاح والاستراتيجية- وسيكون مرحباً به- أي الانقسام- جداً، لأن وجود قوة مسلحة منضبطة بقيادة موحدة وباستراتيجية وطنية عامة، وبدون دعاوى آيديولوجية أو عقيدية متطرفة- سوى الوطنية- سوف يترك أثراً كبيراً لا على الوضع الراهن اليوم فحسب بل على مستقبل سوريا ووحدتها وسلمها الأهلي وطبيعة دولتها ومرحلتها الانتقالية، ولهذا ولأسباب أخرى بالطبع فإن السلطة- الطغمة سوف تستميت حتى لا يولد إقليم محرر في سورية وحتى لا يكون هكذا انقسام.

ونظراً لأهمية ما سبق لا بدّ من الدخول في التفاصيل الإيجابية المحتملة وعدم الاكتفاء بالايجاز المذكور ومن المعتقد أن من بين الايجابيات المحتملة ما يلي:

1-     نشوء ذراع عسكرية طويلة للانتفاضة تنطوي على السمات الايجابية التي ذكرناها أعلاه قادرة على إدارة الصراع بجدارة وقوة، وقادرة على أن تكون ذراعاً أيضاً للحكومة المؤقتة- حال قيامها- لفرض الأمن والهيبة والسيطرة.

2-     تعديل التوازن القائم داخل الجناح المسلح بين المسلحين المتطوعين- أو الثوار حسب تسمية أخرى- والذين يفتقرون إلى هذا الحد أو ذاك إلى الوحدة والانضباط وأمور أخرى ضرورية والذين توجه بعضهم عقائد مختلفة عن الاتجاه العام للانتفاضة الشعبية- نقول تعديل التوازن بين هؤلاء والجزء العسكري بحق المنضبط إلى حد ما بالنظام والوطنية العامة وبقدر ما يزداد وزن هذا الجزء الأخير تزداد الضمانة الفعلية في مواجهة أي فوضى أو نزاع أهلي ممكن في المستقبل أو مواجهة “المجهول” الذي يرعب الكثيرين بحق وبغيره، وسيكون هذا التعديل في صلب جعل الذراع المذكورة ضمانة الانتقال الأقل خطراً وكارثية في سورية.

3-     استدراج ثقة المجتمع الدولي والإقليمي والعربي بهذه الذراع، الأمر الذي يستدرج معه أشكال الدعم كافة نظراً لتراجع المخاوف القائمة من المآل الذي يمكن أن تصير إليه ظاهرة المقاتلين المتطوعين المشبع بعضهم بعقائد غير مطمئنة.

4-     زيادة القدرة على إحداث خلخلة فعلية داخل النظام، ولا نقول السلطة لأن الأخيرة هي الدائرة الضيقة الأولى- وزعزعة الارتباط المحكم بين السلطة وبين قاعدتها الطائفية ناهيك عن الأقليات الأخرى، وتشجيع شرائح وازنة فيها على إعادة النظر بموقفها المعادي أو الخائف أو المتهم أو الصامت حيال الثورة وهو ما يقوي خندقها ويضعف خندق السلطة- الطغمة التي تقتات على هذه العدائية والمخاوف والمشاعر الاتهامية أو الصامتة.

ومن التطورات اللافتة على الأرض تلك التي حدثت في المناطق الكردية في الأسابيع الأخيرة والتي أشرنا إليها أيضاً في ثنايا هذا التقرير والتي ينبغي التفصيل في مفاعيلها المحتملة.

إن الكيفية التي اتخذتها الأحداث وحساسية المسألة القومية الكردية، ودور حزب العمال الكردستاني فيها [الاسم اللافتة في سورية هو الاتحاد الديمقراطي الكردي] وطبيعة العلاقة بين هذا الحزب وتركيا تشكل معضلة تستدعي الكثير من الوعي والحصافة واليقظة كي لا نكون أمام فخ سلطوي سواء اتخذ ذلك شكل صراع كردي- كردي بين الحزب المذكور والمجلس الوطني الكردي وحسناً فعل البرزاني بدعوتهما إلى الطاولة وتوقيع اتفاق يشكل ضمانة ضد هذا الصراع وربما ضد مخاطر أخرى ونأمل بالالتزام الكامل بما وقع، أو اتخذ- أي الفخ- شكل صراع عربي- كردي بين قبائل الشمال الشرقي العربية والأكراد، بكل المخاوف التي يمكن أن يثيرها هكذا صراع الأمر الذي يوجب العمل بالروح السابقة نفسها لتجنب الخطر المذكور، كما يمكن أن تجيء المخاطر من محاولة الحزب المذكور التحرش بتركيا من على الأرض السورية الأمر الذي قد يستدرج تدخلاً عسكرياً ملتبساً قد يحرف الثورة في المناطق الكردية عن المسار الطبيعي، ويحول الدور التركي الداعم للشعب السوري إلى دور إشكالي إن لم نقل غير ذلك، ولذا ليس مصادفة أن يتوجه إلى كردستان العراق رئيس المجلس الوطني السوري عبد الباسط سيدا ووزير الخارجية التركي داوود أوغلو ومن المرجح أن تكون الشخصيتان قد نجحتا في درء هذه المخاطر أو بعضها على الأقل.

بقي أن نقول إن ما حدث في المناطق ذات الغالبية الكردية قد يولد قدراً من سوء الفهم المؤسف الذي يمكن أن يؤدي إلى زيادة التطرف عند الشعبين العربي والكردي بحيث يرفع الأخير مطالب تاريخية ذات طابع بعيد المدى في حين تتراجع القوى السياسية العربية عن بعض المطالب الكردية المحقة، الأمر الذي سيكون خطأ فادحاً وقد يترك أثراً سلبياً على طبيعة العلاقة بين الشعبين كما على مآل الثورة.

فيما يخص تيار مواطنة فإنه يعتقد أن الحقوق المدنية والقومية للشعب الكردي ينبغي أن لا تكون محل مساومات ويجب الاعتراف بها طبقاً لمواثيق الأمم المتحدة وسائر المواثيق السابقة والمرافقة لها والمتعلقة بحقوق الإنسان والشعوب والأقليات من كل نوع، وهذا ضروري وإيجابي أياً يكن موقف الكرد.

ملحق

بقيت هناك بعض الملاحظات الضرورية لاستكمال ما سبق وبخاصة لعلاقتها باللقاء الأخير لمواطنة ومن أهمها: ورقة معايير التحالف والائتلاف والتي تقوم على أربعة بنود وسوف يتم نشرها بشكل مستقل ولذلك لا داعي لإيرادها هنا.

أما ما يتعلق بموقفنا الداخلي في مواطنة من هذه البنود فإن بالإمكان أيجازه على الشكل التالي:

1-     دعم الجناح المسلح للانتفاضة (الجيش الحر) مع احتفاظنا بموقف نقدي من بعض الممارسات والوقائع والأفكار التي لا تخدم قضية الثورة، والعمل على المعرفة الحقيقية لوجوده على الأرض وتقسيماته وحجمه وبنيته وموجهاته وطبيعة العلاقة بين كتائبه و…الخ.

وخلاصة القول امتلاك خريطة فعلية له ومحاولة التواصل معه والتأثير فيه أو في بعضه على الأقل وتيار مواطنة يدعم على هذه القاعدة “مدونة السلوك” التي أصدرتها لجان التنسيق المحلية- بغض النظر عن عنوانها- ويعتبر أن الغاية النهائية منها هو تشكيل قطب ثوري مسلح يشكل النقيض الفعلي للسلطة- الطغمة على كل الصعد عبر امتلاكه للتفوق المعنوي والأخلاقي وتقيده بمواثيق حقوق الإنسان والأسرى وقواعد الاشتباك الصارمة ومقومات العدالة الانتقالية.

2-     وصيغة الدعم نفسها تنطبق على المجلس الوطني باعتباره الكيان السياسي الأكثر تمثيلاً للاتجاه العام للثورة ونرفض أي تشويش على درجة تمثيله لها أمام القوى الخارجية، على الرغم من ملاحظاتنا المتعلقة بتفعيله ودمقرطته ووحدته الداخلية وإعادة هيكلته  لتوسيع تمثيله خارجياً وحتى ذلك الوقت يجب إقامة صلات حوارية معه حول المسائل المذكورة وغيرها.

3-     وفيما يتعلق بحماية المدنيين والمناطق العازلة والتدخل الخارجي يعتقد تيار مواطنة أن كل الذين يشيرون إلى ما يسمونه المثال الليبي السيء ليسوا مخطئين فحسب بل هم يفتقرون إلى الاستقامة والموضوعية وبخاصة بعد المآل الذي آلت إليه ليبيا اليوم.

وتيار مواطنة إذ يقدر بعمق تعقيد الوضع السوري وصعوبة التدخل العسكري الخارجي يرى أن من الضروري تكوين موقف منه بغض النظر عن درجة استعداد الخارج لذلك، لا بل إنه يدعو كل من يؤمن بأن كل يوم يمر يؤدي إلى ازدياد التطرف كماً ونوعاً وإلى تزايد مفاعيل نذر كارثة أو أخرى قد تقع ويدعو كل من يريد قطع الطريق على الحرب الأهلية أو الطائفية أو الاستنقاع والفوضى المدمرين، نقول يدعو إلى تسريع استخدام شكل نوعي مناسب من التدخل الخارجي والعربي منه بشكل خاص بوصفه الحاجز الأنسب والضمانة النسبية الأفضل في وجه أشكال الاقتتال الأهلي أو السياسي.

4-     فيما يتعلق بالحكومات والدول والأطراف الداعمة للسلطة- الطغمة فإن تيار مواطنة وعلى الرغم من إقراره بأن الدولة السورية القادمة ستقيم علاقات متزنة مع الدول الأخرى بما يخدم مصالح الشعب فإنه- أي التيار- يميل بوضوح إلى التركيز على العلاقات مع الشعوب وعلى دعم نضالها في سبيل الحرية والديمقراطية والأهداف المشروعة لها.

تيار مواطنة 11 آب 2012

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة