26 views

خطاب رأس السلطة- قراءة متأخرة جداً-22-1-2012

خطاب رأس السلطة

قراءة متأخرة جداً

لقد حظي الخطاب بما يستحقه من الرفض والنقد اللاذع من أطراف مختلفة دولية ومحلية ومن بينها بخاصة الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون والمبعوث العربي والأممي الأخضر الإبراهيمي، وعلى الرغم من الموقع الدبلوماسي الذي يحتلانه فإنهما لم يستطيعا كبت مشاعرهما وإحباطهما مثلهما في ذلك مثل جلّ العقلاء والحريصون على سوريا في الداخل والخارج. إن وصف الخطاب وصاحبه بالعمى والصمم والانفصال عن الواقع والانحياز المقيت هو أقل ما يقال فيه وهو- أي الخطاب- يندرج في مسلسل الخطابات التي سبقته وربما قد تلحقه والتي أنكرت الواقع في سوريا بغطرسة لا حدود لها، وهو بهذا المعنى لم يتقدم أي خطوة ذات معنى سواء فيما يتعلق بأسباب الثورة (بالطبع يرفض أن يسميها كذلك) أم بالثائرين، أم بالأهداف المرجوة، أم باقتراح الحل الذي يستجيب لها، وبهذا المعنى لا جديد تحت الشمس.

لقد كان بالإمكان إذن الاكتفاء بالتعليق القصير أعلاه، وهو وافٍ بالغرض بشكل عام، إلا أننا ومادمنا نعيش على أرضنا وبين شعبنا ونشاركه الأهداف ذاتها في الحرية والكرامة نجد من واجبنا أن ندخل في التفاصيل وأن نقارع الحجة بالحجة، وأن نرد الكيد إلى نحر السلطة ونحر حلفائها لأنهم سرعان ما دخلوا وأدخلوا الناس معهم في معزوفة المبادرة الإيجابية وضرورة الرد عليها والاستجابة لها..الخ

يمكن والحال كذلك تقسيم الخطاب إلى قسمين:

القسم الأول وهو كسائر الخطابات محشو حتى التخمة بإنكار الواقع ومحركاته وإنكار الطرف الآخر واحتقاره والاستعلاء عليه بكل غطرسة وإدخال كل من يسمع إلى المدرسة التعليمية المريضة التي مافتئ يعلم فيها منذ أول خطاب ألقاه بعد احتلاله مركز رئيس الأمر الواقع، بل وصل إلى السحاب في أستذته وذهب بعيداً في استخدام النقائض بين السادة والعبيد والبناء والدمار والعصابات الإرهابية والحرية.. الخ وبهذا المعنى فإن هذا الجزء لا يعدو أن يكون جعجعة متعالمة بلا طحين.

أما القسم الثاني فهو المتعلق بالحل المقترح، وهنا بيت القصيد فهذا الجزء هو جزء سياسي من المفيد معالجته على الرغم من أنه ينطبق عليه المثل السائر: هذا المطر من ذاك الغيم، وإن فاقد الشيء لا يعطيه.

إن عرضاً للواقع العنيد بالشكل الذي تضمنه القسم الأول ليس بوسعه إذن أن يولد مبادرة تستحق اسمها بحيث يمكن أن تشكل حلاً سياسياً قابلاً للنقاش، ومع ذلك فلنذهب إلى النقاش..

1-   لماذا في هذا الظرف بالذات جاءت هذه المبادرة الميتة؟ – من المعتقد أن المقصود منها إجهاض جنيف /2/ وإجهاض خطة الإبراهيمي، وقذف الكرة إلى ملعب الآخر دولياً وإقليمياً وعربياً ومحلياً، وإعادة الإمساك ولو لفظياً بالوضع والركوب التام على سيناريو الحل، ومع ذلك وعلى الرغم من بؤس هذه المبادرة والغايات المقصودة منها ما كانت لتولد لولا إحساس السلطة بالمتغيرات على الأرض والخوف من العزلة الدولية القادمة ومحاولة التخفيف منها عبر مغازلة الدول الغربية من الإرهاب والإسلامي منه بخاصة، وربما كان محاولة خجولة لمخاطبة بعض العقلاء وأنصافهم في قاعدته الاجتماعية وحلفائه في الداخل والخارج.

2-   بالمعنى المكيافلّي الفظ للسياسة ينبغي الاعتراف بأن رأس السلطة يلعب بالسياسة في اقتراح حل لا يمسك به بالكامل فحسب بل يبعد كلياً موقع رئيس السلطة عن النقاش معتبراً بقائه في موقعه بداهة خارج النقاش، لا بل يجعل موقع رئيس الحكومة في المرحلة الأولى خارج النقاش أيضاً، وهو بهذا المعنى يجعل اقتراح الإبراهيمي والدولي معلقاً في الفراغ. وفي أحسن الأحوال وفي مضمر الخطاب يمكن توقع نقاش ما حول موقع رئيس الحكومة وهو يعرف جيداً أن الحلّ المقترح حتى لو شمل نقاش الحكومة لا يمكن أحداً أن يقبله في المعسكر الآخر وعندئذ فعلى الحل السياسي السلام وعلى الحوار والتفاوض أن يتحول إلى نجوى ذاتية مع الذات والحلفاء والقاعدة الاجتماعية.

3-   من المنطقي بعد وصف الآخر بالإرهاب والعمالة والعبيد والشراذم أن لا حوار معهم بل الحوار مع السادة كما قال ولأن السادة هم الخارج العربي والدولي فإن الطرف الداخل في الحوار، إلا إذا كان المقصود ما يسميها عادة بالمعارضة الوطنية الرافضة للتدخل و.. الخ وفي هذه الحال حتى لو سرنا مع هذا الفهم، فهل تملك تلك المعارضة وما شابهها أي نفوذ يذكر في الثورة السورية حتى تكون الطرف الندّ في الحل، وفي هذه الحال أليس من الواضح أننا نغوص في شبكة التناقضات، فالحل السياسي لا يمكن أن يكون إلا مع الأقوياء الذين يملكون زمام الأمور على الأرض وفي حال تجاهل ذلك فإننا نستدير على أعقابنا ونستمر في خط مستقيم بالحل العسكري، إلا إذا كان ثمة وهم بأن الحوار مع السادة في الخارج كفيل بإلغاء الأقوياء على الأرض في الداخل، وهو وهم بحق أو في أحسن الأحوال محاولة وهمية هي الأخرى لإفقاد الثورة أصدقائها في الخارج ولن تنطلي على أحد. هكذا نستمر في الدوران في حلقة مفرغة.

4-   هل ثمة تناقض بين اقتراح مؤتمر وطني وحكومة لاحقة ودستور جديد وقانون أحزاب وقانون انتخابات وبين إدعائه بأنه قد قام بكل ذلك من قبل، وفي أحسن الأحوال أليس هذا اعترافاً من رأس السلطة بأن المعارضة والثوار كانوا على حق في رفضهم لكل ما سمته السلطة إجراءات الإصلاح والتي هي بعيدة بعد السماء عن الأرض عن مضمون الإصلاح بل والتطوير والتغيير وحتى التجديد وهي مصطلحات عزيزة على قلب السلطة وحلفائها.

5-   ثمة سؤال بسيط، لماذا لم تقدم هذا المبادرة في الأسابيع الأولى، وهي على الرغم من أنها ولدت ميتة اليوم، هل كان لها بعض الحظ آنذاك؟ – ليس الجواب سهلاً بالطبع، ومع ذلك يصح القول إن مبادرة اليوم هي حلقة في سلسلة الفرص الضائعة التي أتقنتها السلطة- الطغمة.

6-   هل تعتقد السلطة وحلفاؤها من كل صنف أن أحداً يمكنه أن يقبل بقانون عفو عن الجرائم التي ارتكبت خلال العامين المنصرمين وهو القانون الذي يقصد به تحصين القتلة والمجرمين في النظام ضد الحساب الشعبي والسياسي والقانوني والمعنوي، إن الأمر لا يتعلق بأفراد ولا بعشرات ولا بمئات ولا بآلاف، إن حجم القتل والدمار والخراب بلغ حداً جعل أشد الناس المتحمسين للغفران والتسامح والحقيقة والمصالحة وحتى اللا عدالة نقول جعلهم يمسكون بقلوبهم وعقولهم من هول الجرائم المرتكبة وبخاصة إذا كانت السلطة ما تزال سادرة في غيها بل هي ماضية في التصعيد العسكري والأمني إلى حدوده القصوى في المستقبل على قاعدة اعتبار المبادرة المقدمة براءة ذمة للسلطة وتحميل الآخر المسؤولية، وبخاصة لأن المبادرة إياها صممت بشكل يستدعي الرفض حكماً.

7-   نعود إلى شبكة التناقضات لنقول: إذا كانت السلطة لا تريد الحوار مع القوى على الأرض وإذا كان الحوار مع السادة في الخارج لا يحل المشكلة (ربما يتوهم البعض أنه يحل) وإذا كان الحوار مع الضعفاء على الأرض (حتى في حال قبولهم) لا معنى له، وإذا كان المؤتمر الوطني المطروح من قبل السلطة سيكون مصيره مصير المؤتمر الحوار الوطني الفارغ الذي عقد في تموز 2011، نقول إذا كان ذلك كذلك فإلى أين تأخذ السلطة سوريا؟

إنها تأخذها بالتأكيد إلى المزيد من الموت والخراب، ما لم تكن هنالك مفاجآت غير منتظرة في المستقبل القريب، ومع ذلك فإن سوريا وشعبها سيخرجان في نهاية المطاف من هذا الجحيم وسوف تهزم هذه السلطة- الطغمة وإن يكن بثمن باهظ وبزمن ليس بالقصير.

8-   قلنا في المقدمة أن الجزء الأول من الخطاب لا يستحق حتى النظر إليه، وأن القسم الثاني محط النظر السياسي أهزل بكثير من أن يشكل مشروعاً لحل سياسي، فهو يفتقد إلى الأرض الفعلية له والتي هي تنظيم رحيل السلطة قبل فوات الأوان وقبل أن يتحول الأمر من تنظيم رحيلها إلى تنظيم انهيارها القادم، وهو بهذا المعنى لا يملك حتى عكاكيز هشة ناهيك عن الأرجل.

تيار مواطنة

دمشق 22/1/2012

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة