114 views

السياسة الروسية في سورية

 

لطالما اعتُبرت سوريا ذات أهمية كبيرة في السياسة والدبلوماسية السوفيتية، لأسباب تتعلق بالصراع العالمي وقتها، أكثر بكثير مما تتعلق بالتوجهات الآيديولوجية، وقد تحسنت العلاقات بشكل واضح مع وصول “حافظ الأسد” للسلطة في السبعينات، كنظام معتدلٍ براغماتي، مقارنة بالنظام الذي وجد قبله والذي اعتبر متطرفاً من قبل السوفييت، رغم ما حققه معهم من تقدم في العلاقات الاقتصادية، بعد سقوط النظام السوفييتي تراجعت العلاقة أساساً بسبب الانشغال الروسي بالوضع الداخلي، لكنها عادت للانتعاش من جديد مع وصول “بوتين” للسلطة، و إعفاء سورية من معظم الديون المتراكمة عليها، و إعادة تشغيل القاعدة الروسية في طرطوس.

بعد اندلاع ثورات الربيع العربي التي أشعلت شرارتها تونس أواخر عام 2010، وما لبثت أن لحقت بها كل من ليبيا ومصر واليمن، و لم تتأخر سوريا كثيراً عن شقيقاتها العربيات، فاندلعت الثورة فيها في آذار 2011. ومنذ ذلك الوقت شهدت المنطقة الكثير من التغيرات والتحولات في مجرى الأحداث، اختلفت من دولة لأخرى وفقاً لسلوك الأنظمة و أجهزتها العسكرية والأمنية من جهة، ولتفاعل الظروف المحلية مع الأوضاع الإقليمية والعالمية، من جهة ثانية، فشهدنا تدخلاً إقليمياً ودولياً متنوعاً في بلدان ذلك الربيع وعلى أرضيات وأهداف مختلفة، فكان التدخل الأمريكي والغربي سبّاقاً في ليبيا بعد أن استطاعت الدول الغربية تمرير قرار في مجلس الأمن يسمح بإقامة حظر جوي لحماية المدنيين من الهجمات الجوية لجيش “معمر القذافي” ما لبث أن تطور إلى تدخل عسكري ساهم في إضعاف جيش النظام واستمرار انتفاضة الليبيين، التي استمرت حتى مقتل “القذافي” وسقوط النظام.

في تونس ومصر كان العامل الأكثر أهمية هو وقوف الجيشين على الحياد مع صدور إشارات غربية قوية عن ضرورة تنحي الحكام في هذين البلدين، وفي اليمن اضطر علي عبد الله صالح إلى قبول المبادرة الخليجية ومغادرة البلاد، قبل أن تدخل اليمن النفق الطويل للحرب الأهلية والصراعات الإقليمية.

أما في سوريا فلقد اختلف الوضع كثيراً،  اندلعت الثورة السورية وشهدت التطورات اللاحقة وكان الدور الأهم للنظام في تحولها إلى صراع مسلح، عندما رفض التنازل أمام مطالب الشعب المحقة، واعتمد الحل الأمني والقوة العسكرية العارية لقمع المظاهرات، التي عمت مختلف المدن السورية. في هذه الأثناء برزت دينامية جديدة للسياسة الروسية في سوريا،  فجاء التدخل  الروسي سريعاً بعد تعطيل دور مجلس الأمن، وبعد تلكؤ أمريكي وغربي، بدا جلياً مع وصول “باراك أوباما” إلى السلطة في الولايات المتحدة، حيث ترافق ذلك مع بداية مرحلة وفق استراتيجية جديدة غير مسبوقة لدى أمريكا، حيث اعتمدت سياسة غير تدخلية عموماً وفي منطقة الشرق الأوسط، مع مراجعة حقيقية لسياساتها التي كانت تعتمد على القوة العسكرية على الأرض، إضافة للجهد الدبلوماسي والعقوبات الاقتصادية، كلما رأت ذلك ضرورياً ومفيداً، كما حدث في كل من العراق وليبيا والكثير من البلدان التي عانت من اضطرابات ونزاعات، وطالما كانت هناك مصلحة لأمريكا في التدخل. بعد استلام “باراك أوباما” الحكم، بدأ التخلي التدريجي عن أشكال التدخل المباشر والتحول إلى اعتماد سياسات الضغط الدبلوماسي والاقتصادي، واعتمد ذلك التغيير، على ما يبدو، إلى ما خلص إليه منظرو السياسة في الولايات المتحدة، والسؤال عن مدى جدوى و نجاعة التدخل العسكري المباشر، هذا الواقع الجديد في سياسة الولايات المتحدة والسياسة الغربية، ترك فراغاً في مناطق النزاعات والاضطرابات الدولية، ما لبث أن استغله وشغله الروس وبعض الدول الإقليمية، خاصة وأن روسيا استعادت توازنها الداخلي والاقتصادي، بعد التخلص من نمط النظام القديم، وهكذا توفرت لها تلك الفرصة الثمينة، التي كانت بأمس الحاجة إليها، والتي ستتيح لها لعب دور دولي يجعلها تستعيد بعض ما فقدته من نفوذ سياسي عالمي. في تلك المناخات، و على أساس هذه المعادلات الجديدة جرى التدخل الروسي في سوريا، و كان الطريق أمامه معبداً كون سوريا كانت حليفاً تقليدياً لروسيا الشيوعية، تتلمذ على نهج المدرسة العسكرية الروسية والتدريبات والسلاح الروسي، إضافة للعلاقات الاقتصادية التي أرست مشاريع هامة في البنية التحتية السورية. وبالمعنى الجيوسياسي كانت سوريا منفذ روسيا على المتوسط حيث القاعدة العسكرية في طرطوس.

اعتبر الكثير من المحللين السياسيين أن التدخل الروسي في سوريا شكل تحولاً كبيراً في السياسة الروسية تجاه منطقة الشرق الأوسط، منذ سقوط الاتحاد السوفيتي، مما جعلهم يعتقدون أن ذلك التدخل يعتبر عودة قوية للدور الروسي في النظام الدولي، فما هي الدوافع الاستراتيجية من وراء هذا التدخل؟ وما هي الأسباب القوية التي جعلت الروس يأخذون على عاتقهم حماية النظام؟ في الوقت الذي بدا واضحاً تآكل شرعيته الدولية، ناهيك عن أنه متهم بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. هنا يمكننا ذكر ثلاث أسباب رئيسية جعلت من التدخل الروسي أمراً بالغ الأهمية، ولا يمكن للسياسة الروسية الاستغناء عنه. السبب الأول هو جيوستراتيجي حيث تخشى روسيا سقوط النظام السوري وما سيليه من نتائج كارثية بالنسبة لروسيا، من حيث تأثير ذلك على كامل المنطقة و بالأخص حليفها الأساسي إيران، مما سيؤدي بكل تأكيد إلى تقدم الولايات المتحدة والغرب إلى مناطق قريبة من حدودها، حيث ديكتاتوريات وسط آسيا الحليفة، وهو ما تعتبره روسيا تهديداً لأمنها القومي.

أما السبب الثاني فهو عسكري، فاهتمام الروس بالوصول للمياه الدافئة ليس حديثاً بل يرجع إلى عهد القياصرة الذين سعوا بشكل دائم للوصول للمياه الدافئة. وتعتبر القاعدة البحرية في طرطوس، التي يعود بناؤها إلى عام1971، موطئ قدم روسيا الوحيد في الشرق الأوسط، والجانب الثاني للمصلحة العسكرية الروسية يرتبط بمبيعات السلاح للترسانة السورية التي عادت للإزدهار بعد وصول “بوتين” و”بشار الأسد” للسلطة ولتحتل هذه المبيعات المرتبة الثانية في الصادرات العسكرية الروسية عام 2011.

ولا يمكن إهمال السبب الثالث المتمثل بالمصالح الاقتصادية للروس والتي شهدت تطوراً بعد حل مشكلة الديون المتراكمة، حيث جرى منذ2005 توقيع عدة اتفاقيات في مجال النفط والغاز وفي عدة مجالات تكنولوجية كاستمرار لتعاون قديم بيت البلدين.

بعد أن تناولنا بشكل مختصر الأسباب السياسية و الاستراتيجية للتدخل الروسي في سوريا، يهمنا أيضاً معرفة كيف تدير روسيا اللعبة السياسية تكتيكياً في مواجهة الغرب والشعب السوري المنتفض على نظامه المستبد؟ وما هي أهم التبريرات السياسية والدبلوماسية التي يحاول المسؤولون الروس  إبرازها كغطاء لتدخلهم؟ وما مدى مطابقتها للحقائق والوقائع على الأرض؟

“لافروف” و مسؤولو السياسة الخارجية ينتقدون بشدة، قلب الأنظمة بالقوة، ويتهمون الغرب بمساعدة أو غض الطرف عن داعش والنصرة، كما ويتهمون كذلك تركيا، التي نظموا معها  اجتماعات “استانة” و”سوتشي”، بتسهيل دخول الإرهابيين والمتطرفين عبر أراضيها إلى سوريا. وبأسلوب لا يخلو من الحنكة، و بذكاء خبيث يوظف الروس أخطاء الغرب والولايات المتحدة، التي اعترف بها ساسة غربيون وأمريكان لاحقاً، سواء كان ذلك في العراق أو في ليبيا، وذلك من أجل إبراز الموقف الروسي وكأنه في المقلب الآخر من المعادلة الأخلاقية و السياسية، حيث روجوا أنفسهم كأنصار لسياسة الدفاع عن الدول والشعوب في وجه محاولات الهيمنة والتسلط الغربي الأمريكي. ولكننا نرى في تصدير هذا الموقف مجافاة للحقائق التي لا تخفى على أحد، فالجميع يعلم حجم القوة غير المتكافئة التي استخدمها الروس في مواجهة مناطق المعارضة السورية المسلحة، سواء المتطرفة منها أو المعتدلة، حيث جربوا مختلف صنوف الأسلحة الفتاكة التي يمتلكونها، وهذا ما تفاخر به أكثر من مسؤول روسي فيما بعد، ودون الأخذ بالاعتبار للقانون الدولي والإنساني (اتفاقيات جنيف والبروتوكولات الإضافية).

وفي حين كانت مواجهة الإرهاب هي الذريعة الأهم للتدخل الروسي، كانت النسبة الأكبر والأهم من الضربات والتركيز العسكري على المناطق التي توجد فيها فصائل الجيش الحر وفصائل أخرى غير داعش، وبعضها كان مسلحاً من الغرب، فقد استخدم التكتيك العسكري الروسي سياسة الأرض المحروقة، ولم يتورع عن قصف المستشفيات والأسواق، وفقاً لتقارير موثقة من قبل منظمات حقوقية، في سبيل سحق المعارضة بكل أشكالها. وعلى المستوى الديبلوماسي شكل الدور الروسي -أحياناً باشتراك الصين ودول أخرى- أكبر غطاء سياسي ودبلوماسي لحماية نظام الطغمة في دمشق، فما زالت أروقة الأمم المتحدة شاهدة على الفيتوات الروسية التي عرقلت مشاريع الحلول الدولية و حمت نظام “الأسد”، الذي تمتلك الدول والمنظمات ما يكفي من أدلة لتحويله إلى محكمة جنائية دولية بتهم ارتكاب الجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب.

وفي اتهام للغرب باللعب بالمسألة الطائفية و بتأجيج الصراع الطائفي بغية تحقيق هيمنته وأهدافه في السيطرة على المنطقة قال السيد “لافروف”:

“شركاؤنا  الغربيون أرادوا في العراق إيصال الشيعة إلى السلطة من أجل الإطاحة بالسنّة  وهم يحاولون في سورية الإطاحة ببشار الأسد من أجل جلب السنّة إلى السّلطة  بينما سورية لا تتكون من المسلمين الشيعة والسنة فقط وإنما هي مهد المسيحية” وذلك في كتابه الأخير ” نحن أمة مهذبة” -وفق ما أورده الكاتب “سامي كليب” في مقال له- ما يبرز جهلاً أو سوء فهم متعمد للمسألة الطائفية في كل من العراق وسورية وللدور الأمريكي، وبنفس الوقت فإن هذا الاتهام يتعارض بشكل واضح مع التوجه الطائفي في تصريح “مدفيدف” عام 2013 (يجب الحؤول دون وصول أهل السنّة إلى السلطة في سورية، لأنهم سيبدؤون بقتل العلويين)، كما يتعارض مع التبرير الروسي للتدخل في سورية بحجة حماية المسيحيين ومع مباركة البطرك الروسي للتدخل واعتباره حرباً مقدسة.

كما تميّز الموقف الروسي من رأس النظام والمعارضة بالتناقض أحياناً والتضارب في المواقف والتصريحات أحيانا أخرى، حيث أكد “لافروف” -وبنفس الكتاب وفق نفس المقالة للسيد كليب- على أنه لا يمكن أن يكون هناك حل بدون بشار الأسد، مستقوياً بالقرارات الأممية التي لا تنص صراحة على ضرورة تنحي الأسد لاستكمال الحل السياسي، مع اعترافه بأن الأمريكيين كانوا على طول الخط يؤكدون ويطالبون بضرورة تنحي الأسد ليتمكن المجتمع الدولي من وضع سوريا على سكة الحل، في حين زعمت بعض وسائل الاعلام أن “بوتين” اقترح في لقائه الأخير مع “بايدن” إيجاد البديل عن “بشار الأسد” في حال الإصرار على تغييره، بينما “لافروف” يقول في كتابه أن روسيا لم تقترح على “الأسد” التنحي ويعتبر كل الإشاعات بهذا الخصوص غير صحيحة.

يعتبر الروس أن “الأسد” وافق على الحوار مع المعارضة بما فيها المسلحة ووافق على تشكيل أوسع جبهة من الجيش ووحدات المعارضة الوطنية لمكافحة الإرهاب، لكنهم يتجاهلون في الوقت نفسه قمع وملاحقة النظام لكل أشكال المعارضة العسكرية والسلمية، في حين أن مواجهة داعش، المنتشرة خارج المدن، في مناطق صحراوية، تأخذ أشكالاً موسمية، وليست بنفس الحزم الذي مورس تجاه مناطق المعارضة، التي كان يتواجد فيها أعداد كبيرة من المدنيين، وربما يكون عدم الحسم النهائي معها متعمداً كموضوع ابتزاز للمجتمع الدولي بانتظار الحل النهائي.

إن الاستراتيجية التي استخدمها النظام والروس، تعتمد على سحق المعارضة و إخضاعها بالنهاية لشروط المنتصر عسكرياً، و تجاهل حقيقة طبيعة النظام وتعقيدات الصراع في سورية، بما فيها وجود خمس احتلالات بينها دولتين عظميين، في حين أنه من الواضح أن فرض إرادة الطرف الأقوى هي غير ممكنة وغير كافية، والحل السياسي هنا لا يمكن أن يأتي إلا ضمن توافق القوى الدولية الموجودة على الأرض والتي تتقاسم مناطق نفوذ مهمة في سوريا، فالروس لا يمكنهم تثمير النصر الذي تحقق دون التوافق مع الأمريكان، الذين يطالبون بحل مبني على قرارات الشرعية الدولية وعودة اللاجئين الطوعية وتحقيق ما يسمى البيئة الآمنة لعودتهم، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وتشكيل هيئة الحكم الانتقالية التي تأخذ على عاتقها مسألة الانتقال السياسي من النظام الشمولي الاستبدادي إلى النظام الديمقراطي مع قطع الطريق أمام التطرف الإسلامي.

نعتقد نحن في “تيار مواطنة”، أنه وبغير ذلك الانتقال السياسي لا يمكن أن يكون هناك حلاً في سوريا. وعلى “بوتين” و”لافروف” أن يدركا تلك الحقائق قبل الغرق أكثر في وحل شر فعلتيهما، ورغم كل ما يتمتع به الحاكم الروسي من تفرد في بلد يزعم أنه بنظام ديموقراطي وتوجد فيه آليات تسمح بإعادة تقييم السياسات، فربما وحدها البراغماتية السياسية ستسمح بالبحث عن حلول وسط من خلال المنظمة الأممية أو من خارجها، خاصة أمام تعثر إعادة إنتاج وإدماج النظام دولياً، ولايزال الحل الأنسب-والذي يعبر عن مصلحتنا كسوريين- لا يزال بتطبيق القرارات الدولية وخاصة 2254، وبإشراف مباشر للمنظمة الدولية الأمر الذي يمكن أن يحقق انتقالاً سياسياً سورياً نحو دولة ديموقراطية تسودها المواطنة المتساوية والقانون.

تيار مواطنة-مكتب الاعلام

27 حزيران/ يونيو 2021

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة