19 views

خط الكرامة الإنساني

حسام ميرو
حسام ميرو

أسوة بخطّ الفقر العالمي، الذي يحدّدُ الحدّ الأدنى للاحتياجات المعيشية اليومية للفرد، بما يوازي دولارين أمريكيين في اليوم الواحد، ليتسنى له البقاء على قيد الحياة، فإن البشرية تحتاج إلى ما يمكن تسميته خطّ الكرامة الإنساني، الذي يحدّد معايير قانونية واضحة تضمن عدم انتهاك إنسانيته من قبل السلطات الحاكمة، أكانت سلطات حكومية منتخبة أو غير منتخبة، أو حتى سلطات أمر واقع، كما هو الحال في الحروب الأهلية، وأن يصبح هذا الخطّ مُثبّتاً كحقّ من الحقوق العامة، التي يجب الدفاع عنها، وعدم ربطه بالسياسات التي تنتهجها الحكومات، أي باختصار فصله عن كلّ ما هو سياسي.

معظم الأيديولوجيات لا تنظر إلى الفرد بوصفه حالة خاصّة، أي ذاتاً مستقلة، بل كجزءٍ لا يتجزأ من جماعة دينية أو مذهبية أو قومية أو حتى طبقية أو حزبية أو اجتماعية، وأحياناً يتم تصنيفه ثقافياً أو جنسانياً، لكن الذات لا تزال هي الأقلّ حضوراً في رؤية البشر لبعضهم بعضاً، أو رؤية السلطات لهم، والكثير من الدساتير، التي يفترض أنّها مؤسسة على حريات الفرد، تبقى غير فاعلة من الناحية التنفيذية، أو حتى في التربية العامة، والتي لا تنفصل فعلياً عن الاتجاهات الأيديولوجية للأحزاب الحاكمة.

عموماً، تنظر الدولة إلى الأفراد من جهة الواجبات التي يجب تقديمها، بل إها تطالبهم بقيم «وطنية» ما، مثل الدفاع عن المصلحة العامة للبلاد، أو مبادئ السلطات الحاكمة، أو احترام القوانين العامة، ودفع الضرائب، حيث إن الخطاب العام للسلطات يبدو في مجمله، خصوصاً في الدولة الأيديولوجية، خطاباً مؤسّساً على الواجبات لا الحقوق، وحين يتم اختراق حقوق الأفراد، فإن خطاب الأنظمة والحكومات هو خطاب تبريري، ينطلق مما يسمى «الحفاظ على الأمن والاستقرار المجتمعي»، وكأن حقّ الفرد ليس جزءاً من الأمن والاستقرار المجتمعي.

قد يكون مفهوم الكرامة مختلفاً عليه من حيث التعريف، لكن صور الحطّ من الكرامة الإنسانية لا تحتاج إلى تعريفات، من مثل الإذلال، والامتهان، والتعامل مع الفرد كشيء، أو وصفه كعدو وشيطنته، وغيرها من أشكال المعاملة التي قد تصل إلى حدّ الاعتداء الجسدي،، وتتصرّف معه من دون أية روادع أخلاقية.
كل شمولية قاتلة للنسبي، لاغية له، بادعاء امتلاكها الحقيقة التي لا يأتيها الباطل لا من أمام ولا من وراء. هذه الشمولية تمتلك منظومة فكرية وعدّة أيديولوجية لتبرير الانتهاكات، والحطّ من كرامة الأفراد والمجموعات، والتاريخ المعاصر لهذه الشموليات يبرز مدى قدرتها على الذهاب بعيداً في مأسسة الانتهاك، وتحويل الخوف من السلطة إلى نهج في الحكم، يمكن لها من خلاله ضمان ديمومة وجودها، ويترافق هذا كله مع رفع شعارات أيديولوجية وأخلاقية.
النازية والفاشية والشيوعية في نسختها الستالينية، قد تكون الحالات الثلاث الأبرز عالمياً في القرن العشرين للأنظمة التي مارست انتهاكات ممنهجة بحق الأفراد والجماعات، لكن هذه الحالات تمّ استنساخها في غير مكان من العالم، ليس فقط من قبل أنظمة حاكمة، بل أيضاً من قبل مجموعات سياسية أو جهادية، من دون أي فروق نوعية في شكل الممارسة، حيث إن جذر الوعي يكاد يكون متطابقاً في بعض الأحيان بين أيديولوجيات تدّعي الحداثة أو سلفية.
كل الأنظمة التي تمارس انتهاكات بحقّ الأفراد، وتحطّ من كرامتهم، تلجأ إلى قوانين الطوارئ طويلة الأمد، وإنشاء محاكم استثنائية، وتقوم على تغوّل السلطة التنفيذية على السلطتين القضائية والتشريعية، من دون أية أصول في استدعاء المتهمين، أو منحهم حقّ الدفاع عن أنفسهم وفق القضاء المدني، وهذه الإجراءات تترافق مع حالة إضعاف للمجتمع المدني، من أحزاب ونقابات حرّة وجمعيات واتحادات، أو تسييس مؤسسات المجتمع المدني لمصلحة النخبة الحاكمة، والاستيلاء عليها، لكي تكون واجهة من واجهات حكم المجتمع وضبط دينامياته.
إذا كانت الغاية من أي تنظيم بشري هو تحقيق الاستقرار، فإن هذا الاستقرار لا يجب أن يكون مؤسساً على الذوات الخاضعة، بل الذوات الحرّة، والتي تحظى بكرامتها غير منقوصة، وإذا كانت مؤسسات دولية كبرى تسعى إلى ضمان حدّ أدنى لمتطلبات المعيشة، فإن هذا السعي يبقى منقوصاً، فالإنسان لا يجب اختصاره في مجرد غريزة بقاء، وإنما هو ذاتٌ لها الحقّ بعدم انتهاك إنسانيتها، وهو ما يتطلب سعياً عالمياً نحو إيجاد مدونة للكرامة الإنسانية، تضمن للأفراد معاملة قانونية وإنسانية في كل الحالات، تليق بأن نصف وفقها المجتمعات والدول بأنها دولاً مدنية حديثة.

5 تموز/يوليو 2021

الآراء الواردة بالمقال تعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة أن تعبر عن رأي الموقع

Facebook Twitter Email

الكاتب mouwaten

mouwaten

مواضيع متعلقة

اترك رداً