54 views

خيبة “دستورية” جديدة

بعد انتهاء أعمال الجولة السادسة للجنة الدستورية صرح المبعوث الأممي السيد “غير بيدرسون” أن: (هذه الجولة لم توصلنا إلى أي تفاهمات أو أرضية مشتركة حول أي من المواضيع). وذلك بعد تفاؤل مبالغ فيه عن إمكانية تحقيق نتائج ملموسة بسبب قبول النقاش في المواد الدستورية بشكل ملموس، من قبل النظام خاصة، الأمر الذي يعود إلى الضغط الروسي الذي يعمل على إعادة تعويم النظام الأسدي في ظروف وشروط دولية غير ناضجة أو غير مناسبة، حتى الآن على الأقل.

بعيداً عن التفاصيل الإدارية التي رافقت عقد الجولات الستة للجنة، ربما حان الوقت لطرح الأسئلة الكبرى المتعلقة بآفاق عملها وبالبدائل السياسية الممكنة، فما تحقق في هذه الجولة من الطرح المباشر للمواد الدستورية هو أقصى ما يمكن التوصل إليه بعد تعطيل و” إغراق في التفاصيل” والحومان حول المواضيع دون الولوج فيها، لكن الاتفاق على المضامين المقترحة أمر أكثر تعقيداً بكثير، وهنا تفرض نفسها البديهية الواضحة : ما الذي يجبر نظاماً “منتصراً” على قبول ما تطرحه معارضة” منهزمة” أو على الأقل مفتقرة لقوة عسكرية أو سياسية حقيقية وفاعلة؟ طبعاً لا بد من التحفظ على تعبيرات النصر والهزيمة ووضعها في سياقها الملموس الخاص بتطورات الوضع السوري.

بعد التدخل الروسي عام 2015 استعاد النظام السيطرة على معظم الأرض السورية بما فيها العاصمة والمدن الكبرى، ورغم كل ما يعتري كيان الدولة من مظاهر ضعف وكل ما يضعف السيطرة العسكرية للجيش الموحد بالطبيعة الميليشاوية، المحلية والأجنبية والدور الروسي الوصائي على الأقل، والحاسم في تدخلاته في مناطق هامة، رغم كل ذلك، ورغم العزلة السياسية والاقتصادية والعقوبات، التي لم تنتهِ، لكن صلابتها تكهفت، لكن دون وضوح مسار مضمون لإعادة تأهيل النظام حتى الآن. بالمقابل فإن نقاط ضعف النظام، أي المناطق الخارجة عن سيطرته، شرق الفرات وغربه، ليست مناطق تستطيع المعارضة تثمير وجودها فيها كأوراق ضغط قادرة أن تفرض تنازلات سياسية، ولو كانت محدودة وينحصر عملها في اللجنة الدستورية.

قد تحتفظ المعارضة الممثلة في اللجنة الدستورية بعلاقة ما مع “تركيا” الطرف القوي في شمال غرب سورية، ولكن هل تستطيع تركيا، التي تحاول الحفاظ على توازن قلق بين العلاقة مع روسيا من جهة ومع حلف شمال الأطلسي من جهة ثانية، أن تضع ثقلها لصالح المعارضة لتحقيق نتائج سياسية؟ وبالمقابل هناك شبه انقطاع بين “قسد” المسيطرة في شرق الفرات، والمدعومة أمريكياً، وبين المعارضة. في مثل هذه الأوضاع لا يتبقى من مصدر قوة بيد ممثلي المعارضة في اللجنة الدستورية غير قرارات الشرعية الدولية التي يصعب تحولها إلى حيز الفعل بسبب التناقضات الدولية، هذا في حين لا توجد إرادة فاعلة في التدخل في الوضع السوري رغم التكرار المستمر لأنشودة الإصرار على تنفيذ القرارات الدولية وأهمها 2254 وعلى عدم قبول إعادة تأهيل النظام قبل اندراجه في تسوية تفضي إلى فترة انتقال سياسي.

إن فشل اللجنة الدستورية يثبت أن اختزال “أربعة السلال” الخاصة بالقرار الأممي 2254 إلى التوافق على الدستور، هو عمل غير مجد، ولا يشكل مدخلاً لتنفيذ القرار بجميع بنوده، ولا يزال مأزق الوضع السوري يكمن في عدم إمكانية تحقيق حلول داخلية انطلاقاً من توازن القوى العسكرية أو قوى “الأمر الواقع”، وفي عدم وجود توافق دولي يسمح بفرض حل.

بالنتيجة يكابد السوريون في المنافي مشقات اللجوء، بعضهم يصل إلى بر الأمان ويعيش حياة آمنة ومستقرة، ويبتدئ في التكون جيل سوري جديد يكتشف معنى جديداً للوطن، ولكن أكثرهم يفتقد إلى المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الداخل السوري، ورغم كل الثغرات التي يفتحها العالم والمساعدات الأممية للنظام، فإن وضع المواطن السوري في تدهور مستمر، تدهور اقتصادي وتدهور صحي وتعليمي وتدهور أمني أيضاً، ويبدو الأفق مغلقاً بوجه السوريين ولا يجدون خلاصاً إلا في الهجرة، ويصبح هم العائلات، بل حلمها، تأمين الفيزا وكلفة السفر للأبناء.

إن عدم وجود تصور عملي في الأفق المنظور لبداية حل لمأساة سورية، التي هي من أكبر المآسي البشرية في العصر الحديث، لا يجب أن يدفعنا لليأس، فقد يدفع اليأس بعض الدول الفاعلة في الشأن السوري إلى ممارسة ضغوط حقيقية تفتح منفذاً واقعياً في جدار الانسداد- ليس بسبب رغبة هذه الدول في دعم قضيتنا بل بسبب ضرورة الوصول إلى حل يسمح لها بالاستثمار الممكن-  من هنا يحق لنا أن نحلم في الوصول إلى سورية الديموقراطية، سورية المواطنة لجميع مواطنيها.

تيار مواطنة

مكتب الإعلامي 22 تشرين الأول/ أكتوبر 2021

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

تعليق واحد على “خيبة “دستورية” جديدة”

  1. Nizar Baarini

    شكرا جزيلا.
    تساؤلات مشروعة !
    الغريب حرص قيادة القوى التي انتصرت في خيار الحلّ العسكري/ الامني ، ( الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا )، الذي بدأ ، بدعم الجميع ، وعبر تبادل للأدوار ، منذ اللحظات الأولى لتفجّر الحراك الشعبي السلمي في ربيع ٢٠١١ ، على استمرار مسرحية حلّ سياسي ، لم يعد يقتنع بجدواها إلّا القلّة المشاركة فيها ،ولأسباب اطرافها وشخصياتها الخاصّة !!

التعليقات مغلقة