92 views

من الربيع العربي إلى مرحلة الانقلابات، السودان نموذجاً

مظاهرات في وجه الانقلاب في الخرطوم

توضح المقولة الرائجة: ثنائية “العسكر- الإسلام السياسي” جانباً من الوضع التاريخي الذي آلت إليه الأوضاع في المنطقة العربية في العشرية الأخيرة، عشرية الأمل والإحباط وهوامش الحرية المسروقة، لكن هذه المقولة لا تكفي للتعبير بدقة عن التنوع في أوضاع المجتمعات العربية، التي يمكن وصف معظمها بالأنظمة غير المستقرة، وربما المقولة الأكثر رسوخاً هي “العسكر في مواجهة المجتمعات”. لقد كانت مصر الدولة الوحيدة التي أوصلت رئيساً إسلامياً إلى السلطة، بشكل ديموقراطي، وهنا فرض العسكر أنفسهم كبديل، حتى قبل أن تتاح للإسلاميين فرصة كافية لممارسة الحكم، وحتى قبل أن يكون لديهم الوقت للاعتداء على مؤسسات النظام الديموقراطي، كما يتهمون عادة وكما فعل السيسي منافسهم “العلماني”. في الجزائر كان إنهاء دور الإسلام السياسي سابقاً للربيع العربي، وقد صمد النظام العسكري، بعد تغيير الرئيس الهرم، في مواجهة “الحراك” الذي هو حركة شعبية لا يمكن اعتبارها إسلامية أو مقادة من قبل الإسلاميين.

وفي ليبيا، يأخذ الصراع شكل ثنائية العسكر-الإسلام السياسي، حيث يحاول المشير “حفتر” التدخل في الغرب لصالح المؤسسة العسكرية في مواجهة الإسلاميين، لكن مع ذلك تم التوصل لوقف إطلاق النار، ويتقدم المجتمع الليبي ببطء نحو انتقال صعب إلى الديموقراطية بدعم دولي مباشر. ويبدو “الانقلاب الدستوري” التونسي، الذي قام به “قيس سعيد”، بدعم الأمن والعسكر، وبمواجهة الإسلاميين ولتجاوز الفساد، يبدو غير قادر على الاستمرار، دون العودة إلى آليات النظام الديموقراطي، كما يطالب أحد أهم داعميه: “الاتحاد التونسي للشغل”. في سورية، التي استعاد نظامها الاستبدادي الدموي، السيطرة على معظم الأرض، لم يستعد أبداً طبيعة دور الدولة التقليدي لا داخلياً ولا خارجياً، وبالمقابل لم يحقق بديله الإسلامي أو العلماني، المتطرف أو المعتدل، في شرق الفرات وغربه، نموذجا جاذباً في مناطق سيطرته. وفي اليمن “السعيد”، الذي تغنى الجميع بسلمية شعبه و متظاهريه، انقسم الجيش مما سهل للحوثيين، بدعم إيراني كبير، التقدم نحو العاصمة، وتغيرت المعادلة من حراك جماهيري في مواجهة سلطة ديكتاتورية وفاسدة إلى حرب أهلية كارثية في بلد فقير، مصيره متوقف على صراع إقليمي ودولي.

المفاجأة كانت الانقلاب الذي وقع صبيحة 25 تشرين الأول/ أكتوبر في السودان، حيث كان جميع المراقبين قد استبشروا خيراً فيما يجري من انتقال سلس وديمقراطي، إلى حدّ ما، بين الجيش بقيادة الفريق “البرهان” ونائبه “محمد حمدان دقلو” من جهة والحكومة برئاسة “عبد الله حمدوك” من جهة ثانية. لكن توصيف المفاجأة قد لا ينطبق كثيراً على الحدث فرئيس الوزراء “حمدوك” كان قد ألمح إلى حدوث مؤامرة خفية يجري الإعداد لها، وخاصة بعد الاتهامات المتبادلة بالفساد وبعد محاولة الانقلاب الفاشلة.

وتتضح الصورة الفعلية لما يجري من خلال تصريح البرهان بعد انقلابه بأن القوى السياسية السودانية، أي القوى المدنية، ترغب في إقصاء الجيش من العملية السياسية، وهذا يؤشر أولاً على عقيدة الجيوش في هذه البلدان “كمشارك أساسي في السلطة السياسية” وعلى أنها، أي الجيوش، “صمام الأمان للنظام القائم” و”المتحكم النهائي في النظام السياسي” من الناحية الفعلية. في نفس السياق، يمكننا محاكمة هذه الاعتبارات واعتبارها كارثة على الوضع السياسي واستقرار هذه الدول، ليس فقط لأن هذه الجيوش فوق الدولة وفوق الدستور، بل لأنها الآمر الناهي في نهاية المطاف والقادرة على إجراء التغيير السياسي في هذه البلدان أو على الأقل الموافِقة على إجرائه، كما حدث في السودان عندما قرر الجيش نفسه أن ينحي “البشير” ونظامه، وأن يتشارك السلطة المؤقتة مع “قوى الحرية والتغيير” حتى 2023 موعد الانتخابات العامة القادم. في أي دولة “طبيعية” يكون الجيش أداة دفاع عن البلد خارجياً وأداة حماية لمؤسساته في الداخل، ولا يتمتع بأي امتيازات تجعله فوق مؤسسات الدولة، لكنه في دول العالم المتخلف يكون القوة الأكثر تماسكاً، وغالباً ما يكون أداة بيد السلطة وهي تحصر استخدامه وفق مصالحها الضيقة. وقد أشرنا سابقاً إلى أن تجربة السودان كانت مختلفة لجهة قبول الجيش تغيير النظام السابق، لكنه عندما شعر بأن القوى المدنية تحاول فرض منطق الأمور، أي أن تأخذ السلطة السياسية إلى مساربها الصحيحة، بادر فوراً إلى قطع هذه الصيرورة عبر إعلان حالة الطوارئ وإقالة الحكومة والمؤسسات التابعة لها وتعليق الوثيقة الدستورية وتولى زمام الأمور كاملة ليكون المتفرد بالسلطة في السودان.

على الرغم من توفر المعرفة العامة بتفاصيل العلاقة بين الجيش ومؤسسات الدولة في بلداننا، هناك حاجة ماسة لإيجاد حل للمشكلة المستعصية منذ استقلال هذه الدول عن الاستعمار المباشر، وعلاقة السلطة بمؤسستي الجيش والأمن، وألا تبقى هذه الدول حبيسة المعادلة الكارثية التي يختبئ وراءها العسكر: حكم عسكري أو حكم إسلامي! في حين أن خيار العسكر الحقيقي هو الحكم العسكري-الأمني في مواجهة المجتمع سواء كان البديل إسلامياً أو غير إسلامي. فعلى الرغم من جميع التضحيات التي قدمت عبر عقد ونيف، لم نستطع، لا كمجتمعات ولا كدول، كسر هذه المعادلة أو هذه الحلقة المفرغة والخروج إلى حيز الحرية والدول المستقرة، ويكفي القول أن هذه الحلقة يمكن أن تستمر عشرات السنين وبالنتيجة أن يستمر إنتاج التخلف والشمولية والفشل بكل صوره القاتمة.

يبقى وضع السودان مختلفاً إلى حدّ بعيد عن الدول الأخرى كليبيا أو كسوريا في مرحلة الأسدين الأب والابن، وليس سورية الخمسينات بالطبع، فالجيش السوداني قبل بتسليم السلطة إلى حكومة مدنية بعد الانقلاب الذي قاده “المشير سوار الذهب” على جعفر النميري عام 1986، ونأمل أن يساهم الضغط الدولي واشتراط المساعدات الأمريكية خصوصاً والغربية عموماً في عودة الحياة السياسية الطبيعية إلى السودان، وتثبيت مواعيد الانتخابات ورفع الحظر عن الأحزاب والقوى السياسية والمدنية، وأن لا يشكل حماس البرهان ونائبه للعلاقات مع إسرائيل رشوة للمجتمع الغربي، وقد يكون إطلاق سراح حمدوك بادرة تفاؤل إلى أن هذا الانقلاب لن يكون نهاية المطاف، خاصة وأن الشارع السياسي السوداني مازال يحتل الشوارع وهناك دعوات متعددة إلى العصيان المدني وإلغاء نتائج الانقلاب والعودة إلى الحياة السياسية الطبيعية.

وعلى الرغم من اختلاف تجربة السودان عما سواها من الدول، نرى في “تيار مواطنة” أن الحياة السياسية لا يمكن أن تستمر بالدولة- أي دولة- ما لم يفسح الجيش في المجال، في هذه الدول، راضياً أو مكرهاً، للقوى السياسية والمدنية لخوض المعارك السياسية بكل حرية، وما لم تحسم هذه المعارك عبر آليات ديمقراطية أصيلة، ومالم يقتنع الجميع أن الحرب على النزعات الإرهابية داخل هذه الدول هي فعل سياسي- اجتماعي- اقتصادي أساساً، أكثر من كونه فعل أمني وعسكري، وما لم توجد ضمانات دستورية و قانونية لضمان حقوق جميع مواطني هذه الدول، وما لم يكن دور المؤسسة الأمنية- العسكرية خاضعاً لسيطرة القانون والدستور، وإلا فإن دولنا ستبقى تحت حكم العسكر أو عرضة للمراوحة مراراً داخل حلقة عسكر- إسلام.

إن مثل هذا التغيير أو الانتقال السياسي لن يكون ممكناً إلا بوجود إجماع داخلي كبير وبدعم سياسي واقتصادي وبإشراف خارجي واضح سواء من قبل المنظمات الأممية أو من قبل دول كبيرة فاعلة.

تيار مواطنة

المكتب الإعلامي 29 تشرين الأول/ أكتوبر 2021

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة