110 views

المعارضة الديمقراطية السورية والدوران في حلقة مفرغة

قد تكون الدعوات للقاء والتوحد وتشكيل التحالفات والمنصات التي دعت لها المعارضة “الوطنية الديمقراطية” السورية كافية، أو حتى زائدة عن الحاجة، لإنجاز الأشكال المؤسسية الممكنة للعمل المشترك، لكن واقع الحال يقول بأن جميع هذه الجهود تقريباً قد ذهبت أدراج الرياح، دون إنكار حدوث تراكم في الخبرة السياسية والتنظيمية يمكن الاستفادة منه في المستقبل.

يعزو البعض أسباب الفشل إلى الأنانية أو النرجسية المفرطة ودور القادة أو الزعماء وحب الوجاهة والمناصب… الخ. وهو أمر لا يمكن إنكار وجوده، ولكن لا ننسى أن هذه الأسباب مجتمعة موجودة وقائمة في كل البلدان ولدى كل المعارضات وفي جميع الأزمنة، وقد ظهرت عبر التجارب في كل الحالات تقريباً، لكن الفرق الجوهري بين التجارب الناجحة والتجارب الفاشلة كان دائماً كامناً في الظروف الموضوعية المحيطة بهذه التجارب؛ فإما أن تساعد هذه الظروف على النجاح وتسير أمور تشكيل الجبهات والتحالفات بيسر وبالحد الطبيعي المقبول من صراعات المصالح والأفكار، أو أن لا تكون الظروف مؤاتية فتتعاضد مع العوامل الذاتية في الوصول إلى الفشل ثم الانتقال إلى تبادل الاتهامات والتحميل المتبادل لمسؤولية الفشل والهزيمة.

في الحالة السورية، لا يكفي ردّ العجز إلى مرحلة التصحر في عهدي الأسدين، الأب والوريث، بل لا بد من البحث عن بنية المجتمع السوري التي لم توفر لها الظروف الداخلية والخارجية فرص الوصول إلى الاندماج الوطني الكافي، الذي يتم التعبير عنه بهوية وطنية واضحة، وقد بدأت مسيرة الاندماج بالتراجع منذ وصول البعث للحكم رغم ما حمله من شعارات شعبية، وطنية وقومية واشتراكية، لكن الطبيعة الاستبدادية للنظام لم تسمح إلا بتعبيرات محدودة عن هذا الانقسام  الاجتماعي، أما بعد قيام انتفاضة السوريين في آذار 2011، ورد النظام المدروس، العنيف والطائفي، على حراك حمل شعارات وطنية توحيدية، فقد بدأ الشقاق الاجتماعي بالتعبير عن نفسه بحدة، على قاعدة الانقسام الطائفي. وبالانتقال إلى مرحلة الصراع العسكري لم يعد العمل السياسي ممكناً، وتم الاستقطاب إلى الأطراف العسكرية القوية والمسيطرة سواء بسبب الرغبة أو بسبب القسر والضرورة، وبقيت الكتلة الشعبية الأكبر، خاصة في المدن الكبرى، والتي عادة، وفي معظم التجارب التاريخية تكون محايدة وتتجنب الصراع الذي يفسد نمط حياتها الاعتيادي المنسجم مع النمط العلماني للدولة، بقيت خارج إمكانية العمل السياسي، وظهر المشهد السوري بصورة غير حقيقية : الفاعلَان السياسيان الكبيران هما السلطة و الإسلاميون، وشدة الاستقطاب توحي بأنك يجب تكون مع أحدهما ضد الآخر، و في سياق الصراع العسكري استطاع طرف آخر هو تعبير سياسي وقومي عن الأكراد السوريين أن يسيطر على مساحة واسعة من الأرض ويقيم عليها سلطته.

هنا يمكن أيضاً الإشارة إلى أن البرنامج الوطني الديمقراطي يحمل بالضرورة طابعاً “علمانياً “، وهذا يكون عادة مرحب به بشكل واضح من قبل الأقليات الدينية والطائفية والقومية وباعتباره يشكل ضمانة لمستقبلها، لكن هذه القاعدة الشعبية قد استقطبت، إلى حد كبير، في صف السلطة- الطغمة في مواجهتها مع الإسلاميين، المتطرفين أو المعتدلين والشارع السني المنتفض عموماَ، واستقطبت أغلبية الكرد لصالح مشروع “مسد”،  الأمر الذي يعني جفاف نبع أو مصدر مأمول للبرنامج الديموقراطي السوري، يضاف إلى ذلك خسارة الشارع السني في المدن الكبرى، الذي هو أيضاُ مصدر محتمل لمثل هذا البرنامج.

و في الظروف الحالية، فإن التيار الوطني الديمقراطي، رغم تعدد وتنوع تمثيلاته التنظيمية لا يزال نخبوياً، ضعيف التمثيل ومفتقراً للقاعدة الشعبية، لكن عدم موائمة الظروف الموضوعية والضعف والعزلة لا يجب أن تدفع هذا التيار وأنصاره إلى التفكير بالانحياز إلى أحد أطراف الصراع من الأقوياء الممتلكين للسلطة والنفوذ والسلاح، بحجة الواقعية السياسية، ولا بد من الإصرار على أقصى درجات التمايز والوضوح والابتعاد، عن السلطة الأسدية وعن الإسلاميين فكلاهما يمثلان الثورة “المضادة” لقيم الدولة الديموقراطية العلمانية، في حين أنه لابد من متابعة الحوار وبحث إمكانية التعاون مع سلطة الأمر الواقع المفروضة شرق الفرات فإن ذلك لابد أن يتم انطلاقاً من وجهة نظر نقدية تتعلق بالتوجهات الإيديولوجية وبالعلاقات السياسية مع الأطراف الإقليمية، المتعارضة مع طبيعة برنامج التحول الديموقراطي في سورية.

وبانتظار التطورات في الواقع الموضوعي، التي يبدو أنها لا تزال محكومة بالمصالح والسياسات الدولية والإقليمية، فإن التيار الديموقراطي سيبقى دون فعالية وفي شبه عزلة شعبية، محاولاً تطوير إمكاناته التنظيمية خاصة من خلال إقامة أشكال جبهوية تحاول الحصول على مكانة دولية تؤهله للعب دور مرتقب في تحقيق الانتقال السياسي في سورية، وفي الاستعداد للعمل الجماهيري بعد بدء الانتقال السياسي، بهدف إيجاد القاعدة الشعبية الواسعة الداعمة للبرنامج الديموقراطي.

وليس من باب إشاعة التفاؤل والوهم، وإن كان ذلك ضرورياً، بل من باب رؤية ممكنات المستقبل لما يمكن أن تصير إليه سوريا في المنظور القريب، فالبلد مقسم الآن، وتسيطر على كل مناطقه قوى شمولية معادية لأبسط قيم حقوق الإنسان، مع عدم وجود أفق بتسوية تؤسس لانتقال سياسي، بسبب غياب الضغط الدولي الفعال على أطراف الصراع وخاصة السلطة- الطغمة. لكن هذه اللوحة السوداء لا يمكن أن تدوم طويلاً، لأن قوى الأمر الواقع لا تمتلك القدرة على استعادة وحدة سورية وتحقيق استقرارها، بل أن وجودها بذاتها هو تكريس لهذه الحالة الكارثية، ومن جهة ثانية تبدو محاولة تعويم النظام وإعادة إدماجه في المجتمع العربي والدولي من جديد، محاولة لا تتوفر لها الأسس الكافية للنجاح، بسبب الاستحقاقات الصعبة داخلياً وخارجياً، رغم محاولات بعض الدول العربية إخراج النظام من عزلته وحتى دعمه اقتصادياً، كما جرى في زيارة وزير خارجية الإمارات في وقت كتابة هذه الافتتاحية.

أخيراً وبغض النظر عن التفاؤل أو التشاؤم لابد من أن يقوم التيار الديموقراطي العريض بدوره في التحضير للفترة القادمة للعمل من أجل بدء واستمرار الانتقال السياسي على أرضية رؤية مستقبل الدولة الوطنية السورية، وليس على أرضية أية أفكار قومية أو دينية أو أية أفكار تسبب الانقسام والشرذمة، ونحن على ثقة أن هذا التيار سيساهم، بحرص وفعالية ونكران ذات، في وصول السوريين إلى حياة حرة وكريمة وآمنة.

“تيار مواطنة”

مكتب الإعلام 11 تشرين الثاني/ نوفمبر 2021

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

اترك رداً